لم تعد تايوان مجرد نقطة خلاف جيوسياسي بين بكين وتايبيه، بل أصبحت واحدة من أبرز ساحات الصراع على شكل النظام الدولي الجديد. ومع انطلاق المرحلة الميدانية من مناورات «هان كوانغ» في الخامس من أغسطس/آب، والتي تستمر حتى الرابع عشر منه، لمدة عشرة أيام وتسع ليالٍ وتحاكي على نطاق واسع سيناريوهات الحصار البحري وتعطيل خطوط الإمداد، تنكشف حقيقة أكثر أهمية: تايوان لا تستعد فقط لاحتمال مواجهة عسكرية مع الصين، وإنما تتحول تدريجيًا إلى ساحة متقدمة في المنافسة الأميركية–الصينية على النفوذ في آسيا.
وتعكس المناورات، بما تتضمنه من مشاركة للقوات البحرية وخفر السواحل والقطاعات المدنية، واختبار لقدرة الموانئ وشبكات الاتصالات والبنية التحتية على العمل في ظروف الأزمات، ارتفاع مستوى القلق في تايبيه من سيناريو «الحصار». لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا أكثر تعقيداً: هل يؤدي الدعم الأميركي إلى تعزيز قدرة تايوان على الردع والصمود، أم يدفع الجزيرة إلى قلب مواجهة أكبر من قدرتها على التحكم بمسارها؟
من هنا، يصبح مفهوم «الحصار بالنيران» أكثر من مجرد سيناريو عسكري؛ فهو يعكس تحول طبيعة الصراع نفسه، من معركة تستهدف القوات والمنشآت العسكرية إلى مواجهة يمكن أن تمتد إلى الموانئ والتجارة والطاقة والاقتصاد والمجتمع.
هان كوانغ.. تايوان تستعد لحرب تتجاوز الجبهة العسكرية
لم تعد مناورات «هان كوانغ» تركز فقط على صد عملية إنزال أو مواجهة هجوم عسكري مباشر، بل تعكس تحولًا في التفكير الدفاعي التايواني نحو سيناريو أكثر شمولًا وتعقيدًا: حصار بحري، اضطراب في الموانئ والمطارات، ضغط على خطوط الإمداد، وانقطاع محتمل في الطاقة والاتصالات
ولهذا، لم تعد المناورات تختبر الجاهزية العسكرية وحدها، بل قدرة الدولة والمجتمع على العمل تحت الضغط، من الإنذار المبكر وإدارة الطوارئ إلى حماية البنية التحتية وتأمين الإمدادات الحيوية والحفاظ على استمرارية المؤسسات.
فالرهان التايواني لا يتعلق فقط بمنع الهجوم، وإنما بمنع تحول التفوق العسكري الصيني إلى انهيار سريع في قدرة الجزيرة على الصمود. وهذا يعني أن المعركة المحتملة قد تُحسم جزئيًا خارج ساحات القتال التقليدية، حيث تصبح قدرة الاقتصاد والمجتمع على الاستمرار عاملًا لا يقل أهمية عن عدد الطائرات والسفن والصواريخ.
لكن هذه الاستعدادات تجري داخل مثلث شديد الحساسية بين تايبيه وبكين وواشنطن. فكل توسع في التعاون العسكري الأميركي مع تايوان، وكل صفقة تسليح أو تنسيق أمني جديد، قد تُفسَّر في بكين على أنها محاولة لتغيير ميزان الردع وترسيخ واقع سياسي وعسكري جديد في الجزيرة.
«الحصار بالنيران».. حين تصبح الموانئ ساحة حرب
في هذا السياق، يبرز السيناريو الذي طرحه الباحثان يوجين غولتز وكيربي ديفيس، والقائم على افتراض أن الصين قد لا تحتاج بالضرورة إلى غزو شامل لتايوان إذا قررت استخدام القوة.
وتقوم الفكرة على استهداف قدرة الجزيرة على استقبال التجارة وتحريكها، عبر الضغط على البنية التحتية للموانئ، بدل الانتقال مباشرة إلى حصار بحري تقليدي أو عملية احتلال واسعة.
وتكمن أهمية هذا السيناريو في أنه يفرض معادلة مختلفة: قد تبقى السفن التجارية قادرة على الاقتراب من الجزيرة، لكن قدرة الموانئ على استقبال البضائع وتفريغها وتوزيعها قد تتعرض لضغطٍ كبير. وهنا يتحول الاقتصاد إلى ساحة مواجهة أساسية.
وتشير نماذج المحاكاة التي تستند إليها هذه الفرضية إلى إمكانية إحداث تراجع كبير في حجم الواردات، مع احتفاظ الصين بجزء من قدراتها العسكرية لردع أي تدخل خارجي محتمل.
وهنا تظهر إحدى المعضلات الاستراتيجية لبكين: استخدام أدوات ضغط مركزة قد يسمح بتحقيق بعض الأهداف دون المخاطرة منذ البداية بحربٍ شاملة، لكنه في المقابل يحمل خطرًا كبيرًا يتمثل في توسيع نطاق الصراع وتحويل الضغط على تايوان إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
واشنطن أمام معضلة تايوان.. ردع الصين أم توسيع دائرة الحرب؟
لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع تايوان باعتبارها ملفًا إقليميًا منفصلًا، بل باعتبارها جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن والنفوذ في شرق آسيا. فواشنطن تؤكد أهمية الاستقرار وحرية الملاحة، بينما يترافق ذلك مع توسيع التعاون الأمني ومبيعات الأسلحة وتعزيز التنسيق مع تايبيه وحلفائها الإقليميين.
وهكذا، لا تبدو هذه التحركات مجرد إجراءات دفاعية، بل قد تُفسَّر باعتبارها محاولة لتغيير ميزان القوة القائم وترسيخ حضور عسكري وسياسي أميركي أعمق في محيط الصين.
وهنا تكمن المفارقة: قد يكون الهدف الأميركي هو تعزيز الردع ومنع اندلاع الحرب، لكن توسيع القدرات العسكرية حول تايوان يمكن أن يدفع بكين في المقابل، إلى تطوير أدوات ردع وضغط أكثر تنوعًا، من القوة البحرية والصاروخية إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة.
والأخطر أن واشنطن لا تملك ضمانًا بأن أي مواجهة ستبقى ضمن الحدود التي يمكن التحكم بها. فالصين ليست قوة إقليمية محدودة يمكن احتواؤها بسهولة، بل دولة كبرى تمتلك قاعدة اقتصادية وصناعية واسعة، وقدرات عسكرية متنامية، وعمقًا جغرافيًا واستراتيجيًا كبيرًا.
لذلك، فإن المعضلة الأميركية لا تتمثل فقط في كيفية دعم تايوان، وإنما في كيفية تحقيق الردع دون تحويل الجزيرة إلى نقطة اشتعال لحرب أوسع بين قوتين نوويتين.
الصين وتايوان.. حرب استنزاف تتجاوز الصواريخ
أحد أبرز الأخطاء في قراءة ميزان القوة بين الصين وتايوان هو اختزال الصراع في عدد الصواريخ والطائرات والسفن. فالقوة الصينية تستند إلى منظومة أوسع تشمل الاقتصاد والقاعدة الصناعية والسكان والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والقدرة على تعبئة الموارد وتعويض الخسائر على مدى طويل.
وفي مواجهة ممتدة، قد يصبح هذا العمق عاملًا حاسمًا، خصوصًا أن تايوان أكثر تعرضًا لتداعيات اضطراب التجارة البحرية والطاقة والمواد الأولية. وهذا ما يجعل كلفة الاستنزاف مختلفة جذريًا بين الطرفين.
في المقابل، تدرك تايبيه أن الدخول في سباق تقليدي مع بكين ليس في صالحها، ولذلك تتجه نحو الصواريخ بعيدة المدى ومنصات الإطلاق المتحركة والتحصينات والملاجئ، في محاولة لتعويض فارق الحجم عبر المرونة والانتشار والقدرة على البقاء ورفع كلفة أي هجوم.
وبذلك، فإن التحدي الصيني لا يتعلق فقط بقدرة بكين على توجيه ضربة أولى، بل بقدرتها على تحمل حرب طويلة والحفاظ على تدفق الموارد والإنتاج، في مقابل قدرة تايوان على الصمود ومنع تحول التفوق الصيني إلى حسمٍ سريع.
وهذا يجعل أي مواجهة محتملة اختبارًا للاقتصاد والصناعة والإمداد والقدرة على الاستنزاف بقدر ما هي اختبار للقوة العسكرية.
تايوان.. شرارة صراع أكبر على مستقبل آسيا
في المحصلة، تتجاوز أزمة تايوان حدود الجزيرة نفسها. فالصين تنظر إليها باعتبارها قضية ترتبط بأمنها القومي ومجالها الاستراتيجي، بينما ترى الولايات المتحدة في الحفاظ على موقعها داخل شرق آسيا عنصرًا أساسيًا من نفوذها العالمي وشبكة تحالفاتها الممتدة عبر المنطقة.
وهكذا تتحول تايوان تدريجيًا إلى نقطة تماس بين رؤيتين متنافستين: رؤية أميركية تسعى إلى الحفاظ على توازن إقليمي قائم على التحالفات والوجود العسكري، ورؤية صينية ترى أن صعود بكين يجب أن يترافق مع إعادة توزيع النفوذ والقوة في آسيا.
لذلك فإن «الحصار بالنيران» لا يمثل مجرد سيناريو عسكري، بل يكشف طبيعة الصراع الجديد: حرب يمكن أن تبدأ بالضغط على الموانئ وخطوط الإمداد، لكنها سرعان ما تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والتحالفات والأسواق.
وفي النهاية، لا يتعلق السؤال بمستقبل تايوان وحدها، بل بمستقبل التوازن في آسيا: هل تنجح واشنطن في الحفاظ على منظومة النفوذ التي بنتها لعقود، أم تفرض الصين واقعًا استراتيجيًا جديدًا يجعل آسيا أكثر تعددًا في مراكز القوة وأقل خضوعًا لقواعد تضعها قوة واحدة؟