كيف يمكن قراءة التصعيد الأميركي ضد كوبا من دون طرح السؤال الذي يكشف جوهر الصراع: ماذا تريد واشنطن فعلاً من الجزيرة؟ فالمسألة تتجاوز خلافاً سياسياً عابراً أو اعتراضاً على سياسات هافانا، لتلامس محاولة أميركية متواصلة لكسر استقلال القرار الكوبي وإعادة الجزيرة إلى دائرة النفوذ الأميركي. فالحصار الاقتصادي، والضغط السياسي، ومحاصرة الاستثمارات الأجنبية، والتلويح بالقوة العسكرية، ليست أدوات منفصلة، بل حلقات في سياسة تقوم على إنهاك الدولة، وخنق اقتصادها، ودفع المجتمع إلى حافة الأزمة، ثم توظيف نتائج هذا الإنهاك ذريعةً لمزيد من الضغط والتدخل.
ويزداد المشهد خطورة مع تهديدات دونالد ترامب، الذي تحدث عن «شهرين حاسمين» وعن أن التحرك العسكري ضد كوبا «لن يكون صعباً». وبينما تضيق واشنطن الخناق على الجزيرة، يدفع المواطن الكوبي كلفة هذه السياسة في حياته اليومية، مع تفاقم أزمات الكهرباء والوقود والدواء. وهكذا يتحول الحصار من أداة اقتصادية إلى وسيلة ضغط تمسّ شروط الحياة نفسها، فيما تُستخدم المعاناة التي ساهمت العقوبات في تعميقها للضغط على الدولة التي تتعرض لها.
كوبا.. الجزيرة التي لم تقبل العودة إلى الوصاية الأميركية
منذ انتصار الثورة الكوبية، لم تتعامل واشنطن مع هافانا كدولة تختلف معها سياسياً فقط، بل كحالة مستقلة تسعى إلى احتوائها وإضعافها. فالمشكلة الأميركية مع كوبا لم تكن في حجمها العسكري أو الاقتصادي، وإنما في استقلال قرارها السياسي ورفضها أن تكون جزءاً من المجال الذي تريد الولايات المتحدة الهيمنة عليه في أميركا اللاتينية.
ولهذا تحوّل الحصار إلى أداة دائمة للضغط. فبدلاً من مواجهة كوبا بحرب مباشرة، سعت واشنطن إلى خنق قدرتها على التجارة والتمويل والطاقة والاستثمار، أملاً في إنهاك الاقتصاد وتحويل الضيق المعيشي إلى ضغط سياسي على الدولة.
لكن المفارقة الأكثر قسوة أن العقوبات التي تُقدَّم باعتبارها وسيلة للضغط على الحكومة تنعكس مباشرةً على المواطنين. وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في أزمة الكهرباء، التي تحولت إلى واحدة من أقسى صور الاختناق الاقتصادي. فقد توقّع اتحاد الكهرباء الكوبي عجزاً بنحو 2380 ميغاواط في ساعات الذروة، بما يعني اتساع نطاق انقطاع التيار على مستوى الجزيرة. وفي مطلع آب/أغسطس، شهدت الشبكة الوطنية سادس انهيار شامل خلال عام 2026، وفق وكالة «أسوشيتد برس». وهكذا لا يبقى أثر الحصار محصوراً في دفاتر التجارة والتمويل، بل يصل إلى المنازل والمستشفيات ومضخات المياه ووسائل النقل، أي إلى تفاصيل الحياة اليومية للكوبيين.
الحصار.. حين تصبح الكهرباء والدواء ضحايا للعقوبات
ليست أزمة الكهرباء في كوبا مجرد مشكلة تقنية يمكن فصلها عن الواقع الاقتصادي الذي فرضه الحصار. فالكهرباء تعني المستشفى، وحفظ الأدوية، وتشغيل مضخات المياه والمصانع، وتأمين النقل والاتصالات. وكلما طال الانقطاع، اتسعت دائرة الضرر، فيما تواجه الجزيرة في الوقت نفسه أزمة وقود خانقة تجعل إصلاح الشبكة وتشغيل محطات التوليد أكثر صعوبة.
ولا تتوقف التداعيات عند قطاع الطاقة. فقد ارتفع معدل وفيات الرضع في كوبا إلى نحو 9.9 لكل ألف مولود حي عام 2025، بعدما كان في حدود 4 لكل ألف عام 2018، وفق دراسة لمركز الأبحاث الاقتصادية والسياسية(CEPR). ويشير المركز إلى أن تشديد العقوبات الأميركية والتدهور الاقتصادي ساهما في تفاقم الظروف التي رافقت هذا التراجع، إلى جانب عوامل داخلية أخرى. وفي القطاع الصحي، أدى نقص الوقود والكهرباء والموارد الطبية إلى زيادة الضغوط على المستشفيات وقدرة النظام الصحي على تأمين احتياجات المرضى.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الحصار قسوة: تُفرض العقوبات تحت عنوان الضغط على الحكومة، لكن آثارها لا تتوقف عند مؤسسات الدولة، بل تصل إلى الأطفال والمرضى والمسنين وكل من يحتاج إلى كهرباء أو دواء أو غذاء. وبذلك يصبح المواطن الكوبي نفسه ساحةً من ساحات الضغط الأميركي.
واشنطن.. من خنق الاقتصاد إلى التلويح بالحرب
لا تكتفي واشنطن بخنق الاقتصاد الكوبي، بل يبدو أنها تحاول أيضاً توظيف تداعيات الحصار سياسياً. فكلما تفاقمت أزمات الكهرباء والوقود والدواء، ازدادت الضغوط على المجتمع، لتظهر الولايات المتحدة في موقع من يدعو إلى التغيير، بينما تُدفع هافانا إلى مواجهة نتائج سياسة اقتصادية كان للحصار الأميركي دور أساسي في تعميقها.
وفي موازاة ذلك، تُبقي واشنطن الخيار العسكري حاضراً، بما يضيف إلى الخنق الاقتصادي ضغطاً عسكرياً مباشراً. وقد لا يعني ذلك بالضرورة غزواً شاملاً، لكن مجرد التلويح بالقوة يرفع كلفة الرفض الكوبي ويضع الجزيرة أمام معادلة خطيرة: إمّا تقديم تنازلات تحت الضغط، وإمّا مواجهة احتمال التصعيد.
وهكذا ينتقل الحصار من كونه سياسة اقتصادية إلى منظومة متكاملة من الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري، هدفها دفع كوبا إلى تغيير خياراتها تحت وطأة الأزمة.
الأطماع الاقتصادية.. الحصار يستهدف موارد كوبا وسيادتها
لا تنفصل الضغوط الأميركية عن البُعد الاقتصادي. فاستهداف الاستثمارات الأجنبية وتقييد قدرة الجزيرة على جذب رأس المال والتكنولوجيا والطاقة لا يضغط على الدولة وحدها، بل يضيّق قدرتها على إدارة قطاعات استراتيجية، ولا سيما الطاقة والتعدين والثروات الطبيعية. ومن هنا، يصبح السؤال أبعد من العقوبات: من يملك موارد كوبا؟ ومن يحدد شروط الاستثمار فيها؟ ومن يرسم اتجاه علاقاتها الاقتصادية؟إن الضغط على الاستثمارات الأجنبية يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة تشكيل ملكية الأصول والقطاعات الاستراتيجية وفق ترتيبات أكثر انسجاماً مع المصالح الأميركية. ولذلك، فإن المعركة لا تدور فقط حول من يحكم كوبا، بل أيضاً حول من يملك مواردها ومن يحدد خياراتها الاقتصادية.في المقابل، تحاول هافانا تعزيز قدرتها على الصمود عبر تنويع شركائها، وتوسيع هامش الاقتصاد غير الحكومي، وفتح مجالات جديدة للاستثمار، خصوصاً في الطاقة المتجددة، مع الحفاظ على ملكية الدولة للقطاعات الاستراتيجية. كما تعزز تعاونها مع الصين في مجال الطاقة، في محاولة لتقليل اعتمادها على الوقود المستورد وكسر بعض نقاط الضعف التي يستخدمها الحصار للضغط عليها.
واشنطن تريد كوبا.. لكن بأي ثمن؟
ختاماً، ما يجري بين واشنطن وهافانا ليس مجرد خلاف سياسي أو عقوبات اقتصادية، بل سياسة أميركية متعمدة ومتواصلة تستخدم الحصار لخنق الاقتصاد الكوبي وإضعاف الدولة ودفع المجتمع إلى حافة الانهاك. فواشنطن التي تفرض القيود على الوقود والتمويل والتجارة والاستثمار، لا تستطيع أن تتنصل من مسؤولية النتائج التي تترتب عليها، من انقطاعات الكهرباء ونقص الأدوية إلى تدهور الخدمات وارتفاع معاناة المواطنين.
وحين ترتفع وفيات الرضع إلى 9.9 لكل ألف مولود حي، وتتكرر انهيارات الشبكة الكهربائية، يصبح الحصار أكثر من أداة ضغط سياسي؛ يصبح عبئاً يدفع المدنيون ثمنه يومياً. والأخطر أن واشنطن لا تكتفي بخنق الجزيرة، بل توظف آثار الحصار للضغط على هافانا، وتلوّح بالقوة العسكرية لفرض تنازلات سياسية واقتصادية. إنها معادلة واضحة: واشنطن تفرض الخناق، ثم تستخدم نتائج الخناق ذريعةً لمزيد من الضغط. أما كوبا، فحقها أن تصلح اقتصادها وتحدد مستقبلها بعيداً عن العقوبات والتهديد والهيمنة الأميركية.