وجاء في وزارة الخارجية الايرانية الصادر مساء يوم الخميس بمناسبة الذكرى السنوية للتصديق على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 بشأن قوانين الحرب: قبل سبعة وسبعين عامًا، وتحديدًا في ١٢ أغسطس/آب ١٩٤٩، تم التصديق على اتفاقيات جنيف الأربع بشأن قوانين الحرب. واستنادًا إلى هذه الوثائق الدولية الملزمة، وُضعت مجموعة من المبادئ والقواعد التي تحكم النزاعات المسلحة، بما في ذلك مبدأ “التمييز” بين الأهداف العسكرية والمدنية، ومبدأ “التناسب”، ومبدأ “الضرورة العسكرية”، ومبدأ “الامتناع عن التسبب في ألم ومعاناة لا داعي لهما”. كما تلزم المادة الأولى المشتركة بين الاتفاقيات الأربع الدول الموقعة ليس فقط بمراعاة أحكام الاتفاقيات “في جميع الظروف”، بل أيضًا بضمان تطبيقها. وتُعد هذه القواعد الآن ملزمة لجميع الدول باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من القانون الدولي الإنساني.
على الرغم من وضوح هذه المبادئ والقواعد، وعلى الرغم من الالتزام القانوني لجميع الدول بـ”تنفيذ وضمان تنفيذ” هذه القواعد، يشهد العالم انتهاكات غير مسبوقة لقواعد القانون الدولي الإنساني. يُعدّ الكيان الصهيوني أكبر منتهك منفرد للقانون الدولي الإنساني، وقد ارتكب أخطر الجرائم الدولية، لا سيما جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا وأجزاء أخرى من منطقة غرب آسيا على مدى العقود الثمانية الماضية. وتُعتبر جرائم الحرب التي ارتكبها الكيان الصهيوني خلال عملياته العدوانية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عامي 1404 هـ.ش (انتهى في 20 اذار/مارس) و 1405 هـ.ش (بدا في 21 اذار/مارس)، والتي نُفّذت بتواطؤ ومشاركة من الولايات المتحدة، من بين أخطر انتهاكات القانون الدولي الإنساني منذ عام 1949.
وقد تجاوزت جرائم الحرب التي ارتكبها جيش الولايات المتحدة الإرهابي والكيان الصهيوني الإبادي خلال العدوان العسكري على إيران خلال العام ونصف العام الماضيين حدود الوحشية والبربرية. إن قتل الطلاب والمعلمين في ميناب بصواريخ توماهوك، والهجوم على ملعب لامرد بصواريخ عنقودية في 28 مارس/آذار ، والهجوم على منازل سكنية في قشم بقنابل تزن طنًا واحدًا في 30 تموز/يوليو ، ليست سوى أمثلة قليلة من بين آلاف جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد الشعب الإيراني.
إن تجاهل الإدارة الأمريكية الصارخ والمنهجي للقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، والتصريحات الصريحة لكبار مسؤوليها، بمن فيهم الرئيس ووزير الحرب ووزير الخارجية، إلى جانب النمط المتكرر للهجمات على المدنيين والمواقع المدنية والبنية التحتية، يُظهر بوضوح نية الحكومة الأمريكية ارتكاب انتهاكات جسيمة ومنظمة لقواعد النزاعات المسلحة.
إن هجمات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على المستشفيات والجامعات والمدارس والمناطق السكنية والجسور والمطارات ومراكز الإطفاء، وقتل المدنيين والنساء والأطفال، بما في ذلك في ميناب ولامرد وقشم، تتوافق مع البنود الواردة في المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تشمل القتل العمد، وإلحاق ألم ومعاناة شديدين بالأشخاص، والتدمير واسع النطاق للممتلكات والأصول. وتصنف المادة 147 هذه الأفعال على أنها انتهاكات جسيمة، مما يثبت بشكل كامل العناصر المادية والمعنوية لهذه الجرائم.
إن إقرار المسؤولين الأمريكيين المتكرر بأنهم لن يرحموا إيران، ( «no quarter, no mercy» ) والتهديد العلني بمهاجمة البنية التحتية والجسور ومحطات الطاقة الإيرانية، واستخدام عبارات مثل “إعادة إيران إلى العصر الحجري” و”تدمير الحضارة الإيرانية تدميراً كاملاً”، إلى جانب الهجمات المتكررة على أهداف مدنية، كلها أدلة قاطعة على وجود نية مسبقة وقصد واضح فيما يتعلق بطبيعة وعواقب الأفعال المرتكبة، وعلى وجود نمط متعمد في ارتكاب الانتهاكات الجسيمة المنصوص عليها في المادة 147.
وبناءً على ذلك، من خلال تحديد المسؤولية والسببية وغيرها من العناصر القانونية في كل حالة، يمكن إثبات العناصر المادية والمعنوية للانتهاكات الجسيمة المنصوص عليها في المادة 147، وبالتالي تقع المسؤولية الجنائية على عاتق مرتكبي هذه الانتهاكات ومحرضيها، وفقاً للمادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم الدول الأطراف بمقاضاة ومعاقبة مرتكبي هذه الانتهاكات ومحرضيها.
إن استمرار الانتهاكات الجسيمة والخطيرة للقانون الإنساني من جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وتقاعس الأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الأربع، والدولة الامينة لهذه الاتفاقيات، عن أداء واجباتها وفقًا للمادة 1 المشتركة بين هذه الوثائق، قد أدى إلى تطبيع انتهاك القانون الإنساني وتعزيز الإفلات من العقاب على جرائم الحرب. ولا يُمثل هذا التوجه تهديدًا لأي دولة فحسب، بل انتكاسة كارثية للنظام القانوني برمته الذي بنته الإنسانية على درب الحضارة وكبح العنف.
ولا يسع المجتمع الدولي والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف والحكومة السويسرية، بصفتها الامينة لهذه الاتفاقيات، أن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الانتهاكات غير المسبوقة، والتي تُعد أمثلة واضحة على جرائم الحرب.
لا يقتصر البند الأول المشترك من اتفاقيات جنيف على إلزام الدول بالامتثال لهذه الوثائق فحسب، بل يُلزمها أيضاً بـ”ضمان الامتثال لأحكام الاتفاقيات”. إن الصمت إزاء تهديد واضح يستهدف المدنيين ليس مجرد سلبية سياسية، بل هو إضعاف لأحد أهم إنجازات الحضارة والقانون الدوليين في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي فرضتها أوروبا على العالم.
تُدين الجمهورية الإسلامية الإيرانية الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وتُذكّر بأن المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أن واجب الدول الأطراف في هذه الجرائم ليس سياسياً أو أخلاقياً فحسب، بل هو التزام قانوني ملزم وعام بتحديد هوية ومقاضاة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم أو إصدارهم أوامر بارتكاب انتهاكات جسيمة، بغض النظر عن جنسيتهم. ولا يقتصر هذا الالتزام على الدول المتورطة في النزاع، بل يشمل جميع الدول الأطراف في الاتفاقية.