تسعى إيران إلى توسيع حضورها في الأسواق السياحية الدولية من خلال الاستفادة من الإمكانات المتنامية لمجموعة «بريكس»، التي تضم عدداً من أكبر الأسواق السكانية والاقتصادية في العالم. وفي هذا الإطار، تراهن طهران على السياحة باعتبارها جسراً للتواصل الثقافي والإنساني، وأداة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين شعوب دول المجموعة، مستندةً إلى ما تزخر به إيران من مقومات تاريخية وحضارية وطبيعية متنوعة.
وأكد وزير التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية، أن مجموعة «بريكس» تتجه تدريجياً إلى التحول إلى أحد أبرز مراكز القوة الاقتصادية والثقافية والسياسية في العالم، مشدداً على أهمية انتهاج إيران سياسة فاعلة ومدروسة لتعزيز تعاونها مع دول المجموعة والاستفادة من إمكاناتها الواسعة بما يخدم المصالح الوطنية.
وقال سيد رضا صالحي أميري، لدى وصوله إلى مدينة جايبور الهندية للمشاركة في قمة «بريكس للسياحة 2026»، إن المجموعة تضم نسبة كبيرة من سكان العالم، فيما عزز انضمام دول كبرى، مثل الصين والهند وروسيا وإيران، مكانتها بوصفها أحد أبرز مراكز القوة الصاعدة على الساحة الدولية.
وأوضح أن «بريكس» لا تقتصر أهميتها على الجانب الاقتصادي، وإنما تمتد إلى المجالات الثقافية والسياحية، بما يتيح للدول الأعضاء تطوير العلاقات التجارية، وتنشيط التبادلات الاقتصادية، وإطلاق برامج ومبادرات مشتركة تعزز التقارب الثقافي بين الشعوب.
السياحة في صدارة التعاون بين دول «بريكس»
وأشار صالحي أميري إلى أن وزارة التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية الإيرانية تولي اهتماماً خاصاً بتطوير التعاون السياحي ضمن إطار «بريكس»، مؤكداً أن اجتماع وزراء السياحة في الدول الأعضاء بمدينة جايبور يشكل فرصة مهمة لبحث سبل تعزيز العلاقات السياحية والاستفادة من الإمكانات المتبادلة.
وأوضح أن الاجتماعات المرتقبة ستتضمن مناقشات استراتيجية حول تطوير التعاون السياحي، وتوسيع حركة السفر والتبادل بين دول المجموعة، والاستفادة من التنوع الطبيعي والثقافي والحضاري الذي تتمتع به هذه الدول.
وأضاف أن وفد الوزارة كان قد وصل إلى المنطقة في وقت سابق، فيما جاءت المشاركة الإيرانية في جايبور بهدف حضور الاجتماع الرئيسي، إلى جانب عقد سلسلة من اللقاءات الثنائية مع وزراء السياحة في عدد من الدول الأعضاء، من بينها البرازيل وجنوب أفريقيا، لبحث مجالات جديدة للتعاون السياحي.
وقال صالحي أميري إن الوفد الإيراني سيعقد، على هامش القمة، لقاءً ثنائياً مع وزير الثقافة والسياحة الهندي، معرباً عن أمله في أن تفضي هذه المشاورات واللقاءات إلى نتائج ملموسة وقابلة للتنفيذ، تسهم في الارتقاء بمستوى التعاون السياحي بين إيران والدول الأعضاء في «بريكس».
الجاذبية والبنية التحتية والأمن.. ركائز السياحة المستدامة
وفي معرض حديثه عن الرؤية الإيرانية لتطوير السياحة ضمن إطار «بريكس»، أكد صالحي أميري أن بناء وجهة سياحية قوية ومستدامة يتطلب توافر ثلاثة عناصر أساسية بصورة متكاملة: الجاذبية السياحية، والبنية التحتية، والأمن.
وأوضح أن المقومات الطبيعية والثقافية والحضارية تشكل أساساً مهماً لجذب السياح، لكنها تحتاج إلى بنية تحتية ملائمة وبيئة آمنة حتى تتحول إلى صناعة سياحية مستدامة وقادرة على المنافسة.
وفي هذا السياق، طرح الجانب الإيراني مقترحاً يتمثل في إنشاء صندوق لتنمية البنية التحتية السياحية في دول «بريكس»، بهدف دعم المشاريع المشتركة وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية السياحية.
وأكد صالحي أميري أن تحويل المقترحات والاتفاقيات والبرامج المطروحة إلى خطوات تنفيذية من شأنه أن يفتح فصلاً جديداً في التعاون السياحي بين دول المجموعة، بحيث ينتقل من مستوى الحوار وتبادل الرؤى إلى تنفيذ مشاريع مشتركة وإرساء آليات عملية قابلة للتطبيق.
أسواق سياحية ضخمة.. وفرصة استراتيجية لإيران
وتشكل الإمكانات السكانية الهائلة لدول «بريكس» أحد أبرز العوامل التي تجعل المجموعة سوقاً سياحية واعدة بالنسبة إلى إيران. وأشار صالحي أميري إلى أن الهند والصين، إلى جانب إندونيسيا وروسيا، تمتلك أسواقاً سكانية واسعة تمثل قاعدة كبيرة للسياحة الدولية.
وفي المقابل، تتمتع إيران بسوق محلية كبيرة يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، فضلاً عن امتلاكها ثروة متنوعة من المواقع التاريخية والمعالم الثقافية والطبيعة المتنوعة والمقومات الحضارية، ما يؤهلها لتكون إحدى الوجهات السياحية المهمة في فضاء «بريكس».
وأكد صالحي أميري أن ايران تعتزم استثمار اجتماعات القمة واللقاءات الثنائية في التعريف بالمقومات السياحية الإيرانية أمام الأسواق الكبرى في دول المجموعة، والعمل على تفعيل هذه الإمكانات بما يسهم في زيادة حركة التبادل السياحي وتعزيز حضور إيران على خريطة السياحة الدولية.
السياحة.. جسر للتقارب بين الشعوب
وشدد صالحي أميري على أن أهمية السياحة لا تقتصر على عوائدها الاقتصادية، بل تتجاوز ذلك لتصبح وسيلة لتعزيز العلاقات بين الشعوب وترسيخ التواصل الثقافي والإنساني.
وقال إن تعزيز العلاقات بين شعوب دول «بريكس» يمهد الطريق أمام تطوير العلاقات الاقتصادية، ويمكن أن يسهم كذلك في توفير أرضية أوسع للتقارب والتفاهم على المستويات الأخرى.
وأكد أن السياحة يمكن أن تكون إحدى أهم أدوات الدبلوماسية العامة وجسراً للتواصل بين الشعوب، مشيراً إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تسعى إلى الاستفادة من إمكانات «بريكس» لفتح مسار جديد نحو تعميق الروابط الثقافية والإنسانية، وتوسيع حركة التبادل السياحي، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين شعوب الدول الأعضاء.
وبذلك، تراهن إيران على السياحة لتكون أكثر من مجرد قطاع اقتصادي؛ إذ تسعى إلى توظيفها كأداة للتقارب بين الشعوب، ومنصة لتبادل الثقافات، ومدخل لتطوير الشراكات الاقتصادية والسياحية، بما يعزز فرص بناء تعاون أكثر فاعلية بين دول «بريكس» ويفتح أمام إيران آفاقاً أوسع على خريطة السياحة العالمية.