من يهدد من؟

 روسيا والناتو.. صراع النفوذ على أبواب أوروبا

* تصاعد التوتر بين روسيا والناتو، وسط مخاوف من مواجهة مباشرة، فيما تراهن موسكو على الردع لوقف تمدد الحلف شرقًا

هل تستعد روسيا فعلاً لمهاجمة الناتو، أم أن الغرب هو من يدفع المواجهة خطوة إضافية نحو حدودها؟ فبينما تتحدث العواصم الأوروبية عن سيناريو حرب قد تبدأ بحادث في البلطيق أو شرق أوروبا، ترى موسكو أن الخطر الحقيقي يكمن في تمدد الحلف واقترابه المتواصل من مجالها الأمني. من هذه الزاوية، لا تبدو التحركات الروسية سعياً إلى حرب جديدة بقدر ما تبدو رسالة ردع: كلما اقترب الناتو أكثر، ارتفع ثمن المواجهة. ومع تصاعد هذه المخاوف، جاءت تصريحات دونالد ترامب في 27 أغسطس/آب لتخفف من سيناريو الحرب المباشرة، مؤكداً أنه لا يعتقد أن فلاديمير بوتين سيهاجم دولة عضواً في الناتو.

 

 روسيا لا تحتاج إلى حرب مع الناتو

 

لا تبدو الحرب المباشرة مع الناتو خياراً استراجياً مفضلاً لموسكو، كما أن المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وأوروبا ليست مصلحة استراتيجية لها؛ فمثل هذه الحرب ستفتح الباب أمام صدام عسكري واقتصادي وسياسي هائل بين قوى نووية. لذلك، فإن المناورات الروسية، وتطوير الصواريخ، وتعزيز القوات في المناطق الغربية، والتنسيق العسكري مع بيلاروسيا، تبدو أقرب إلى سياسة ردع وإعادة رسم للخطوط الحمراء منها إلى تحضير لحرب شاملة. وتوحي التحركات الروسية برسالة ردع مفادها: الاقتراب العسكري من حدودها لن يكون بلا ثمن، وأمن أوروبا لا يمكن أن يُبنى عبر تجاهل المصالح الأمنية الروسية. فالناتو هو الذي وسّع حضوره شرقاً، وانضمام دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق قرّب البنية العسكرية للحلف من الأراضي الروسية بصورةٍ غير مسبوقة. ومع كل خطوة لتعزيز الوجود العسكري قرب روسيا، ترد موسكو بخطوة مقابلة، لتتحول أوروبا إلى دائرة أمنية مغلقة: الناتو يتحرك لمواجهة ما يعتبره تهديداً روسياً، وروسيا تتحرك لاحتواء تمدد الناتو، فيما يبقى الردع المتبادل هو الحاجز الأخير أمام الانزلاق إلى حرب مباشرة.

 

البلطيق.. نقطة ضعف الناتو

 

تتعامل بعض التحليلات الغربية مع دول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، باعتبارها بؤرة محتملة لمواجهة بين روسيا والناتو، وكأنها أهداف روسية جاهزة للحرب. لكن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أكثر تعقيداً: البلطيق يمثل نقطة ضعف جغرافية للناتو بقدر ما يمثل تحدياً لروسيا. فهذه الدول تقع على تماسٍ مباشر مع روسيا وبيلاروسيا، وترتبط ببقية الحلف عبر مساحة ضيقة، ما يجعل أي أزمة عسكرية هناك اختباراً صعباً لقدرة الناتو على حشد قواته ونقلها بسرعة إلى الجبهة. وفي قلب هذه المعادلة يبرز ممر سوالكي، الشريط البري الذي يربط دول البلطيق ببقية أراضي الناتو، ويقع بين بيلاروسيا ومنطقة كالينينغراد الروسية. أهميته لا تعني بالضرورة أن موسكو تحتاج إلى السيطرة عليه؛ إذ إن امتلاك قدرات عسكرية متقدمة في محيطه قد يمنحها ورقة ردع وضغط استراتيجية كبيرة. وهنا تكمن المعادلة: ولا تحتاج موسكو بالضرورة إلى خوض حرب لرفع كلفتها؛ يكفي أن تمتلك القدرة على جعل الخصم يدرك أن أي خطوة عسكرية قد تفتح مواجهة أكبر مما يحتمل.

 

أوروبا بلا أميركا.. معضلة الردع

المعادلة العسكرية في أوروبا لا تُحسم بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل بمدى استعداد الحلف لخوض الحرب وبمدى توافق أعضائه على قرار واحد في اللحظة نفسها. وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط الضعف في الناتو: أوروبا لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على المظلة العسكرية الأميركية، فيما يتزايد الغموض حول حجم الالتزام الأميركي مستقبلاً. وقد دفع ترامب الحلفاء الأوروبيين مراراً إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، ما فتح نقاشاً واسعاً حول قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها بعيداً عن واشنطن. وهذه الفجوة تمنح موسكو مساحة أكبر للردع؛ فكلما زادت الشكوك حول استعداد الولايات المتحدة للتدخل، ارتفع ثمن أي قرار أوروبي بالمواجهة.

 

ولا تتوقف المشكلة عند القرار السياسي. فالحرب في أوكرانيا أثبتت أن الصراعات الحديثة تستهلك كميات هائلة من الصواريخ والذخائر ووسائل الدفاع الجوي، فيما تواجه الدول الأوروبية تحديات في الحفاظ على مخزونات كافية من هذه القدرات. وهنا تملك روسيا ورقة إضافية: خبرة قتالية متراكمة، وتوسعاً في إنتاج الصواريخ والمسيّرات، وتطوراً في الحرب الإلكترونية، وقدرة على خوض حرب استنزاف طويلة. لذلك، فإن الرهان الروسي لا يقوم بالضرورة على مهاجمة أوروبا، بل على شيء أكثر تعقيداً: إقناعها بأن خوض الحرب أسهل على الورق من تحمل كلفتها فعلياً.

 

راتكليف في موسكو.. قنوات الاتصال لا تنقطع

تكشف الزيارة غير المعلنة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو في أغسطس/آب عن حقيقة يصعب تجاهلها: رغم التصعيد، لم تُغلق قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو. وتشير التقارير إلى أن راتكليف بحث مع مسؤولين روس مخاوف أميركية مرتبطة بالتوتر مع دول البلطيق، بينما قلل ترامب من أهمية الزيارة ووصفها بأنها إجراء اعتيادي. لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مضمون المحادثات، بل في حدوثها أصلاً؛ فاستمرار التواصل المباشر بين القوتين يعني أن الطرفين يدركان أن أي خطأ في الحسابات قد يحول التوتر من أزمة قابلة للاحتواء إلى مواجهة يصعب التحكم في مسارها.

 

موسكو تراهن على الردع لا على المقامرة

لا تحتاج روسيا إلى خوض حرب مباشرة مع الناتو لإثبات أنها قوة كبرى. فامتلاكها ترسانة نووية ضخمة، وقاعدة صناعية عسكرية واسعة، وموارد استراتيجية، وخبرة قتالية حديثة، يمنحها أدوات كافية لرفع كلفة أي محاولة لفرض واقع أمني جديد عليها. ولهذا تركز موسكو على تطوير الصواريخ، وتعزيز الدفاعات الجوية، وتوسيع قدرات الحرب الإلكترونية، والحفاظ على جاهزية قواتها البرية والجوية والبحرية. الهدف ليس إشعال الحرب، بل منع الخصم من الاعتقاد أن روسيا يمكن الضغط عليها من دون رد.

 

ختاماً، المواجهة الروسية ــ الأطلسية ليست صراعاً على حدود فقط، بل على من يحدد شكل الأمن الأوروبي وقواعده. وبينما يسعى الناتو إلى توسيع الردع شرقاً، تحاول موسكو منع تحول محيطها إلى جبهة عسكرية دائمة ضدها. وفي هذه المعادلة، قد يكون أقوى سلاح روسي هو الردع نفسه: إقناع الغرب بأن كلفة الحرب أعلى بكثير من مكاسبها.

 

المصدر: الوفاق