كيان الاحتلال يقيّد واشنطن.. حين تتغلب تل أبيب على إرادة البيت الأبيض

تحالف بلا حدود

 رغم تصاعد الغضب الأميركي من حرب غزة، تمضي واشنطن في بناء روابط دفاعية أعمق مع تل أبيب، بما يحدّ من خياراتها

لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بتسليح كيان الاحتلال وحمايته سياسياً، بل تمضي نحو ارتباط عسكري وتكنولوجي وصناعي أعمق يجعله جزءاً أكثر رسوخاً في منظومة الدفاع الأميركية. وفي وقت تتصاعد فيه الانتقادات داخل الولايات المتحدة للحرب على غزة ولسياسات الحكومة الصهيونية، يأتي الدفع نحو توسيع التعاون العسكري ليطرح سؤالاً يتجاوز المساعدات: هل تحاول واشنطن معالجة أزمة التحالف مع كيان الاحتلال، أم تحصينه ضد أي مراجعة مستقبلية؟

 

المطالبة التي تقدمت بها 56 منظمة أميركية إلى الكونغرس بإلغاء المادة 219 من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027 تكشف جانباً من هذا الصراع. فالمادة، التي تتضمنها نسخة مجلس النواب من مشروع القانون، تستهدف تعميق التعاون في التكنولوجيا العسكرية والبحث والتطوير والاختبار والتقييم والتكامل والتعاون الصناعي الدفاعي، بما يشمل مشروعات مشتركة وشراكات للإنتاج داخل الولايات المتحدة. وهنا تكمن المفارقة: كلما ارتفعت الانتقادات الأميركية لكيان الاحتلال، اتجهت واشنطن في الوقت نفسه إلى جعل العلاقة معه أكثر تشابكاً.

 

 

كلما ارتفعت أصوات الرفض الأميركي.. ازدادت واشنطن التصاقاً بكيان الاحتلال

 

لم تعد العلاقة الأميركية ـ الصهيونية قائمة على المساعدات وحدها، بل تطورت إلى تعاون يشمل التدريب والاستخبارات وتطوير الأنظمة الدفاعية والتكنولوجيا والصناعات العسكرية.

 

وهذا التحول يغيّر طبيعة النفوذ الأميركي. فعندما تكون العلاقة قائمة على مساعدات يمكن تعديلها أو تعليقها، تملك واشنطن مساحة أكبر لاستخدامها أداةً للضغط السياسي. أما عندما ترتبط بمشروعات تكنولوجية ومؤسسات دفاعية ومصالح صناعية مشتركة، تصبح إعادة النظر فيها أكثر كلفة وتعقيداً.

 

لذلك، فإن الجدل حول المادة 219 لا يتعلق بما يحصل عليه كيان الاحتلال اليوم فقط، بل بما يمكن أن تنتجه هذه السياسة مستقبلاً: شبكة تعاون مؤسساتية تجعل العلاقة أقل ارتباطاً بقرار سياسي منفرد وأكثر ارتباطاً بمصالح متداخلة داخل البلدين.

 

غزة كشفت التناقض.. الشارع الأميركي يعترض وواشنطن تعمّق الشراكة

 

كان يمكن لحرب غزة أن تشكل لحظة مراجعة للعلاقة، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية داخل الولايات المتحدة بشأن الدعم الأميركي لكيان الاحتلال، والخسائر المدنية الفلسطينية، وطريقة إدارة الحرب. لكن بالتوازي مع ذلك، استمر الاتجاه نحو تعزيز التعاون الدفاعي والتكنولوجي.

 

وهنا يبرز التناقض: إذا كانت الحرب قد أثارت أسئلة متزايدة حول حدود الدعم الأميركي، فلماذا يجري توسيع الروابط التي تجعل هذا الدعم أكثر رسوخاً؟

 

قد ترى واشنطن أن علاقتها بكيان الاحتلال تتجاوز الحرب الحالية، وأنها جزء من استراتيجية أمنية أوسع في غرب آسيا. لكن هذا التبرير يطرح سؤالاً آخر: إلى أي حد يمكن أن تتحول الاعتبارات الاستراتيجية إلى حاجز أمام مراجعة السياسات الصهيونية، حتى عندما تتعارض مع مواقف قطاعات من الرأي العام الأميركي؟

 

هل أصبح التحالف أقوى من القرار الأميركي؟

 

المسألة ليست ما إذا كان كيان الاحتلال «يتحكم» في السياسة الأميركية؛ فهذه صياغة تختزل علاقة معقدة بين دولتين. السؤال الأكثر دقة هو ما إذا كان التشابك بينهما قد ضيّق هامش القرار الأميركي تجاهه.

 

فكيان الاحتلال يستفيد من التكنولوجيا والسلاح والقدرات الأميركية، بينما تستفيد الولايات المتحدة من التعاون الاستخباراتي والتكنولوجي والعسكري الصهيوني ومن موقعه كشريك استراتيجي في غرب آسيا. ومع اتساع هذه المصالح، أصبحت العلاقة أقرب إلى شراكة متكاملة منها إلى علاقة مانح ومتلقٍ.

 

وهنا تكمن المعضلة السياسية: عندما ترتبط المؤسسات العسكرية والصناعية والتكنولوجية في البلدين، فإن تغيير السياسة لا يعود قراراً يخص البيت الأبيض وحده. أي ضغط كبير على كيان الاحتلال قد تكون له انعكاسات على قطاعات دفاعية وصناعية وأمنية داخل الولايات المتحدة نفسها.

 

الولايات المتحدة تملك أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية هائلة للتأثير في حلفائها، لكن امتلاك أدوات الضغط لا يعني دائماً القدرة السياسية على استخدامها. وكلما توسعت المصالح المشتركة، أصبح استخدام تلك الأدوات أكثر تعقيداً. لذلك لا يعود السؤال فقط: هل تستطيع واشنطن الضغط على كيان الاحتلال؟ بل: إلى أي حد تستطيع فعل ذلك من دون الاصطدام بالمصالح التي راكمتها داخل مؤسساتها؟

 

الكونغرس في قلب المعركة.. من يراجع الشراكة ومن يحصّنها؟

 

لا يمكن فهم مستقبل العلاقة عبر  البيت الأبيض وحده. فالكونغرس يملك دوراً أساسياً في موازنات الدفاع والمساعدات العسكرية والسياسات المرتبطة بالتعاون الأمني.

 

ولهذا فإن تحركات المنظمات الأميركية المعارضة لتوسيع التعاون العسكري تتجاوز المادة القانونية نفسها، لأنها تعكس خلافاً أوسع حول مستقبل العلاقة. فهناك من يرى كيان الاحتلال حليفاً استراتيجياً ثابتاً، وأن تعميق التعاون معه يخدم المصالح الأميركية في غرب آسيا.في المقابل، تخشى أصوات أخرى أن يؤدي هذا التعميق إلى تقليص قدرة الولايات المتحدة على استخدام نفوذها عندما تتعارض سياسات الحكومة الصهيونية مع المصالح أو القيم التي تعلن واشنطن الدفاع عنها.المواجهة، إذاً، ليست فقط حول حجم الدعم لكيان الاحتلال، بل حول حدود النفوذ الأميركي عليه.

 

ما بعد غزة.. ماذا لو تغيّر الموقف الأميركي وبقيت الشراكة؟

 

قد تكون حرب غزة نقطة تحول، ليس لأنها أنهت التحالف الأميركي ـ الصهيوني، بل لأنها جعلت كلفته السياسية أكثر وضوحاً داخل الولايات المتحدة. فالنقاش حول الدعم العسكري لم يعد محصوراً في دوائر السياسة الخارجية، فيما جعلت صور الحرب والدمار والخسائر المدنية من الصعب إبقاء العلاقة خارج النقاش الداخلي. لكن الضغط الشعبي والسياسي يأتي في الوقت نفسه الذي يجري فيه تعزيز الروابط العسكرية والتكنولوجية. وهنا قد تكون المعركة الحقيقية ليست حول المساعدات التي تقدم اليوم، بل حول شكل العلاقة الذي سيبقى بعد انتهاء الحرب.

 

فإذا تحولت الشراكة إلى منظومة أكثر تكاملاً، فإن أي إدارة أميركية مستقبلية تريد إعادة النظر فيها ستواجه شبكة مصالح أكثر تعقيداً.

 

عندما يصبح التحالف قيداً على القرار الأميركي

 

ختاماً، لا تكمن القضية في الدعم الأميركي لكيان الاحتلال، فهو تحالف سياسي واستراتيجي ممتد منذ عقود، بل في مساره المتصاعد. فمع انتقال التعاون من المساعدات والسلاح إلى التكنولوجيا والإنتاج والمصالح الصناعية المشتركة، تتحول العلاقة إلى شبكة مصالح يصعب على واشنطن إعادة ضبطها.

 

وتجعل حرب غزة هذا التحالف أمام اختبار حقيقي؛ فبينما تتصاعد داخل الولايات المتحدة المطالبات بمساءلة الاحتلال، تواصل واشنطن توسيع شراكتها العسكرية والتكنولوجية معه، بما يضيّق قدرتها على ممارسة الضغط.

 

وهنا السؤال الأهم: هل أصبح التحالف الأميركي ـ الصهيوني أقوى من قدرة واشنطن على وقف ما يرتكبه الاحتلال بحق الفلسطينيين؟ فإذا أصبح التحالف قيداً على القرار الأميركي، فإن ثمنه لن يُدفع في واشنطن، بل سيدفعه الفلسطينيون من أرضهم ودمائهم وحقوقهم.

 

المصدر: الوفاق/ خاص