روني ألفا
وبعد أقل من يومين، في عربصاليم الجنوبية، كانت سجى موسى شرارة تعيش أيامها الأولى بعد زفافها. لم تكن في جبهة، ولا في قاعدة عسكرية، ولا في غرفة عمليات. كانت في المنزل الذي انتقلت إليه بعد زواجها. ثم جاءت الغارة الإسرائيلية، فهُدم المنزل وقُتلت العروس، وأصيب ستة أشخاص بينهم طفل وامرأة ومسن. قال جيش الاحتلال إن الضربة استهدفت بنية تحتية لحزب الله، ردًا على مسيّرتين مفخختين؛ لكن الصورة، مرة أخرى، بقيت أبسط من البيان: صاروخ ضد فستان عرس!
هنا وهناك، كان المنزل منزلًا. والعروس كانت عروسًا. والموت، مهما حاول البيان أن يغيّر اسمه، بقي موتًا. المفارقة أن هذه الحروب تُقدَّم لنا بوصفها حروبًا دقيقة. هدف عسكري، معلومات استخبارية دقيقة، طائرات مسيّرة، أقمار اصطناعية، رادارات، تنصّت إلكتروني، صور حرارية، وأنظمة توجيه تستطيع أن تقطع آلاف الكيلومترات لتصل إلى نقطة محددة. كل هذه التكنولوجيا قُدّمت للعالم باعتبارها ثورة في دقة الحرب؛ أي القدرة على التمييز بين قاعدة عسكرية وفستان عرس! لكن الدقة لا تُقاس بما يظهر على شاشة غرفة العمليات، بل بما يبقى على الأرض. وإذا كانت الضربة دقيقة، فلماذا كان هناك عرس تحتها؟ ولماذا كانت هناك عروس داخل البيت؟ وهل يصبح الخطأ أقل فتكًا لأن الصاروخ كان يعرف إحداثياته جيدًا؟
في كوهستك، كان يمكن أن يقال إن الصاروخ أخطأ الهدف. وفي عربصاليم، يمكن أن يقال إن المنزل كان جزءًا من هدف عسكري؛ لكن الطفل لا يقرأ بيانًا عسكريًا، والعروس لا تعرف الفرق بين «بنية تحتية» و«هدف مشروع». التحقيق قد يحدد المسؤولية، وقد يحدد نوع الذخيرة، وقد يحدد من ضغط الزر؛ لكنه لا يستطيع أن يعيد طفلًا إلى أمّه، ولا عروسًا إلى فستانها.
ثم تأتي إيران. تقول طهران إنها ستردّ على استهداف أراضيها وقادتها وبنيتها التحتية، وإن الردّ سيكون على قواعد ومنشآت عسكرية. هنا يبدأ اختبار آخر للكلمات. فإذا قصفت إيران قاعدة عسكرية، لماذا يصبح الصاروخ الإيراني «إرهابًا» أو «تهديدًا للأمن الدولي»، بينما يصبح الصاروخ الذي يسقط على منزل عائلة «ضربة دقيقة» أو «خطأ استخباريًا»؟ وإذا كان استهداف المنشآت العسكرية هو معيارًا مقبولًا حين تفعله واشنطن أو إسرائيل، فلماذا يتغير المعيار عندما يكون الصاروخ إيرانيًا؟
والسؤال لا يتعلق بتبرئة إيران من كل شيء، ولا بمنحها صكًا على بياض. السؤال أبسط وأصعب: هل يوجد معيار واحد، أم أن القانون نفسه يصبح مرآة تعكس وجه الأقوى؟
لهذا تبدو الحرب الأميركية على إيران أكثر من مجرد عملية عسكرية. فلو كانت حربًا ضرورية ومشروعة بالمعنى الذي يُطلب من الآخرين قبوله، فلماذا لم تتحول إلى حرب هجومية مشتركة تخوضها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون كتحالف واحد؟ لم تدخل دول الناتو الحرب كتحالف، ولم تشارك فرنسا وألمانيا وبريطانيا في الضربات الأولى، بينما اتخذت دول أوروبية أخرى مواقف أكثر تحفظًا، حتى إن بعضها رفض استخدام أجوائه أو أراضيه في العمليات الهجومية. ومع ذلك، بقيت هناك أشكال مختلفة من الدعم الدفاعي واللوجستي لبعض الحلفاء.
ومن أصل 193 دولة عضوًا في الأمم المتحدة، لم يتشكل تحالف دولي واسع يشارك الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب الهجومية على إيران. وهذه ليست تفصيلة هامشية. إذا كانت المسألة بهذه البساطة: إيران هي المعتدي، والولايات المتحدة هي المدافع، فلماذا لم يرَ معظم العالم الحرب بالطريقة نفسها؟ مَن أعطى واشنطن حق شنّها؟ ومَن منحها التفويض بأن تقرر وحدها متى تبدأ الحرب، ومتى يصبح القصف دفاعًا عن النفس؟ أم أن السؤال نفسه صار هدفًا للقصف هو أيضًا؟
المشكلة أعمق من الصاروخ. واشنطن لا تريد فقط أن تملك السلاح الأبعد مدى، بل تريد أن تملك القاموس الذي يصفه. هذا إرهاب، فيُختم عليه إرهابًا. وذاك مقاومة، فيُطبع عليه ختم المقاومة. وهذا دفاع عن النفس، فيُقدَّم كذلك. وذاك تهديد للأمن الدولي، فيبصم العالم. هكذا تتحول اللغة إلى غرفة عمليات أخرى، تُحدَّد فيها هُوية المعتدي قبل أن يصل الصاروخ، وهُوية الضحية قبل أن ينهار البيت؛ لكن الصاروخ لا يعرف وزارة الخارجية. والمدني لا يعرف اسم التحالف. والبيت لا يملك جواز سفر. ما يهمّ، في النهاية، هو الهدف، والضرورة، والتناسب، والاحتياطات المتخذة لحماية المدنيين. ومَن يملك غرفة العمليات والسلاح المتطور والمعلومة الاستخبارية، يملك أيضًا عبء تفسير لماذا انتهى الصاروخ في ذلك المكان.
وهنا تحديدًا تصبح طهران مزعجة لواشنطن. ليس لأنها تملك القدرة على الردّ فقط، بل لأنها تكسر احتكار واشنطن لتعريف مَن يملك الحق في استخدام القوة. فإذا كانت القواعد العسكرية أهدافًا مشروعة حين تُضرب بأميركا وإسرائيل، فلماذا تصبح هي نفسها دليلًا على «الإرهاب» عندما تضربها إيران؟ وإذا كان الردّ على هجوم حقًا مشروعًا، فلماذا يبدأ الحق وينتهي بحسب هُوية صاحب الصاروخ؟
أمّا إسرائيل، فتكرر النسخة ذاتها بلغة أكثر قربًا من الأرض: منزل يتحول في البيان إلى «بنية تحتية»، وأشخاص يتحولون إلى «مرتبطين»، وغارة تبدأ بعبارة «معلومات استخبارية». ثم تأتي العائلة إلى الركام لتبحث عن أب أو طفل أو أُم. وفي عربصاليم، كانت هناك امرأة لم يمضِ على زفافها سوى ثمانية وأربعين ساعة. ثمانية وأربعون ساعة فقط كانت تفصل بين فستانها وبين الركام.
وهنا يصبح الربط بين كوهستك وعربصاليم أقسى من أي خطاب سياسي. فالمسافة بين المكانين بعيدة، والحدود مختلفة، والبيانات صادرة عن عواصم متباعدة؛ لكن القصة نفسها تعبر المسافة بلا جواز سفر: منزل، مدنيون، قنبلة، ثم تفسير رسمي يطلب منّا أن ننظر إلى ما وراء الركام، إلى الخريطة والإحداثيات والمصطلحات، كي لا نرى الإنسان؛ لكن الضحية تعرف الحقيقة أبسط من كل الخبراء: كان هناك بيت. وكان هناك إنسان. ثم جاءت القنبلة.
المشكلة ليست فقط في أن القوة تستطيع أن تقتل. المشكلة حين تستطيع القوة أن تقتل، ثم تكتب بنفسها تعريف ما فعلته، وتطلب من العالم أن يصدق أن المشكلة تبدأ عندما يردّ الطرف المعتدى عليه. عندها لا تعود المسألة حربًا بين صواريخ فقط، بل حربًا على معنى العدالة نفسها.
في كوهستك، كان هناك عرس. وفي عربصاليم، كانت هناك عروس. كلاهما كان ينتظر غدًا. كلاهما كان يظنّ أن الغد حق بسيط لا يحتاج إلى إذن من أحد. ثم سقط الصاروخ. وبين كوهستك وعربصاليم، لم يبقَ من كل ما قيل عن الدقة والضرورة والأهداف المشروعة سوى شاهد واحد تحت الركام: فستان عرس!
