عبير شمص
في ظل تداعيات الحرب على جنوب لبنان، برزت «تلة علي الطاهر» بوصفها إحدى أبرز نقاط المواجهة، بعدما صمدت في وجه الحصار والقصف ومحاولات التقدم الصهيونية، في معركة امتدت لأشهر طويلة وكبّدت قوات الاحتلال كلفة ميدانية كبيرة. وبينما يسعى الاحتلال إلى تقديم السيطرة على التلة باعتبارها إنجازًا عسكريًا واستراتيجيًا، تطرح وقائع المعركة أسئلة حول طبيعة المنشأة، وأداء المقاومين خلالها، والمدة التي احتاجتها قواته للوصول إليها.
وفي هذا السياق، أجرت صحيفة «الوفاق» مقابلة مع الدكتور محمد شمص، الأستاذ في الجامعة اللبنانية، للوقوف على تفاصيل معركة تلة علي الطاهر، وقراءة دلالات صمود المقاومين في مواجهة الحصار والتفوق التكنولوجي والعسكري الصهيوني، وما تكشفه المعركة عن طبيعة قدرات المقاومة ومسار المواجهة بعد الحرب.
ثلاثة أعوام تحت الحصار.. كيف صمدت تلة علي الطاهر؟
في بداية حديثه أوضح الدكتور شمص أن «تلة علي الطاهر» إحدى تلال جنوب لبنان، وتقع في منطقة النبطية، وترتبط جغرافيًا بقلعة الشقيف ضمن منظومة المرتفعات الممتدة نحو جبل الريحان وجبل الرفيع وصولًا إلى إقليم التفاح. وتنتشر في هذه المنطقة منشآت للمقاومة، فيما تتمتع بإطلالات واسعة وامتداد جغرافي مهم.
وأشار إلى أن التلة تعرضت لحصار صهيوني مطبق، جوًا وبرًا، استمر ثلاثة أشهر، بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي ووسائل الرصد والطائرات المسيّرة، وتمكن العدو من تحديد مداخلها، فيما واصل المقاومون الصمود والقتال داخلها.كما تعرضت لقصف يومي منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، على مدى ثلاث سنوات، ما جعل مدة صمود المقاومين تصل إلى ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، تخللتها نحو 17 هجومًا صهيونياً مباشرًا، إضافة إلى الحصار. واعتمد الاحتلال أسلوب الحصار لتجنب المواجهة المباشرة مع المقاومين، نظرًا إلى كلفتها الكبيرة، كما استغل فترة وقف إطلاق النار، بينما كانت الحكومة اللبنانية تفاوض والمقاومة ملتزمة بالهدنة، ففرض الحصار على التلة.
وأوضح الدكتور شمص أنه ورغم أن إمكانية الانسحاب، ولو بصعوبة، كانت متاحة، قرر أبطال أسطورة الصمود البقاء في التلة. وصمدوا أمام القصف والغارات اليومية والبراميل المتفجرة والصواريخ الارتجاجية، وخاضوا أكثر من خمس اشتباكات مباشرة مع العدو. فباءت محاولات العدو بالفشل، وترك جنوده قتلى في المنطقة، فيما ارتقى من المقاومين شهداء، قبل أن يتمكن عدد من المقاومين من الخروج من الموقع المحاصر بعدما اشتد الحصار ونفدت لديهم مؤن الطعام والماء والشراب، وعاد معظمهم، وهم يروون لأهلهم اليوم قصة صمودهم.
كما لفت إلى أن السؤال ليس كيف سقطت «تلة علي الطاهر»، بل كيف صمد المقاومون ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر في مواجهة التفوق العسكري الصهيوني من طائرات وقصف وحصار وذكاء اصطناعي وتكنولوجيا، وفي ظروف بالغة الصعوبة؟ إنه صمود أسطوري سيُسجل في التاريخ باعتباره تجربة فريدة في الصمود.
75 يومًا أمام نخبة الجيش الصهيوني.. عندما يصبح التقدم مكلفًا
قال الدكتور شمص أنه لا تستطيع المقاومة منع جيش كلاسيكي من التقدم بشكلٍ كامل، لكنها تجعل أي تقدم صهيوني مكلف جدًا، بما يترتب عليه من خسائر كبيرة، وهو ما يحد من سرعة تقدمه. وأضاف أنه لولا المقاومة، لتقدم العدو نحو بيروت بسرعة، إلا أنها أوقفته لأربعة أشهر. وقد احتل 30 قرية، ثم احتل 30 قريةً أخرى بعد وقف إطلاق النار.
وأوضح أن المقاتلون خاضوا معارك مباشرة مع الفرقة ٣٦ التي تضم نخبة الألوية العسكرية في جيش العدو في محيط التلة، وتمكنوا من إيقاع خسائر في صفوفه. وأشار إلى أن الأهم في قراءة المشهد هو وضع ما جرى فيها ضمن سياق المعركة الأوسع. فإذا كانت هذه المنشأة قد بقيت في وجه نخبة قوات العدو لمدة 75 يومًا، فإن ذلك يعني أن العدو احتاج إلى هذه المدة الطويلة حتى يتمكن من الوصول إليها والسيطرة على أجزاء منها، رغم أنه استخدم قواته الأكثر نخبوية وتشكيلاته العسكرية الأقوى.
وتابع قائلاً: وهنا تكمن المفارقة: إذا كانت هذه مجرد منشأة تكتيكية، فكيف استطاعت أن تؤخر قوات العدو وتستنزفها طوال هذه المدة؟ وما الذي كان يمكن أن تكون عليه قدرة المقاومة لو بقيت منشآتها وقدراتها العسكرية جنوب نهر الليطاني ولم تُفرض عليها قيود إضافية؟ وأضاف: إن إعلان العدو الصهيوني، وبعد قتال ٧٥ يومًا، السيطرة على مسارين، أي نفقين، داخل المنشأة وما ينشره من صور حولها، يؤكد، بصورة واضحة، ما كانت المقاومة قد أوضحته سابقًا من أن هذه المنشأة تكتيكية وعملياتية وليست منشأة استراتيجية. فالمنشأة الاستراتيجية يفترض أن تضم أسلحة وصواريخ وقدرات عسكرية رئيسية، بينما المنشأة التكتيكية والعملياتية تتكون من أنفاق وغرف ومنشآت ملحقة مخصصة لوظائف محددة.
وأوضح أن الصور التي نشرها العدو الصهيوني نفسه تقدم معطى مهمًا في هذا السياق، إذ تُظهر أحد المقاتلين عند أحد مداخل المنشأة وهو في مواجهة مباشرة مع قوات العدو. وهذا يؤكد أن المقاتلين لم يكونوا في وضع اختباء أو انتظار، كما حاول العدو أن يوحي، بل كانوا في وضع قتالي وعملياتي ويخوضون مواجهة فعلية مع قواته.
وأضاف أنه ومنذ بداية المعركة، أعلن العدو الصهيوني أن هدفه هو إخراج المقاتلين من المنطقة مستسلمين ورافعين أيديهم. إلا أن هذا الهدف لم يتحقق بالصورة التي أعلنها العدو، بل تشير المعطيات التي أظهرها بنفسه إلى أن المقاتلين خاضوا مواجهة قتالية، ثم انسحبوا في الوقت الذي قرروا فيه الانسحاب.كما أشار إلى أن السيطرة على التلة لم تكن ميدانية كاملة، بل تمت عبر الإطباق والحصار، ولم يتمكن جنود العدو من دخول المنشأة بالكامل. وعندما دخلوا نفقين صغيرين، جرى تفجيرهما، وهما في أعلى التلة وليس داخل المنشأة.
تفجير بـ1100 طن.. من الإنجاز العسكري إلى الاستعراض السياسي والإعلامي
وفي سياق التوظيف السياسي والإعلامي للحدث، رأى الدكتور شمص أن التلة تحمل أهمية عسكرية، إلا أن نتنياهو عمد إلى تضخيمها وتقديم السيطرة عليها بوصفها إنجازًا استراتيجيًا، في محاولة لتعزيز موقعه السياسي والانتخابي، ولا سيما في ظل تقدّم المعارضة في استطلاعات الرأي
وأشار إلى أن الاحتلال سعى إلى استثمار سقوط التلة إعلاميًا، والترويج لها باعتبارها أكبر قاعدة عسكرية لإيران في الخارج، فيما اختار تفجيرها ليلًا، وفي إحدى المناسبات الدينية اليهودية، خلافًا لنمط التفجيرات النهارية المعتاد، بما يعزز البعد الاستعراضي للمشهد. وقد استُخدم نحو 1100 طن من المتفجرات، في عملية هدفت، وفق هذا الطرح، إلى إظهار القوة وطمأنة المستوطنين، خصوصًا في شمال فلسطين المحتلة.
وبذلك، لا تُقرأ السيطرة على التلة بمعزل عن سياقها السياسي والإعلامي، إذ يرى الدكتور شمص أن تضخيم الحدث يندرج ضمن سياسة «كيّ الوعي» وصرف الأنظار عن الإخفاقات التي مُني بها الاحتلال، ولا سيما خلال الشهر الأخير من الحرب.
المقاومة بعد الحرب.. قدرات متجددة ومعادلة ميدانية جديدة
أكد الدكتور شمص أن المقاومة خرجت من حرب 2024 أقوى مما توقعه العدو، بعدما جرى تصويرها على أنها انتهت، مشيرًا إلى أنها حافظت على جزء من قدراتها ورممت قدراتها العسكرية والبشرية خلال وقف إطلاق النار، وباتت جاهزة لأي تصعيد جديد. وشدد على أن خسارة أي نقطة لا تعني خسارة الحرب أو المقاومة، داعيًا إلى قراءة الصور الصهيونية بدقة وعدم اعتبارها دليلًا تلقائيًا على الانتصار، إذ تظهر منشأة تكتيكية وعملياتية ومقاتلين في وضع قتالي ومعارك طويلة وخسائر معلنة للعدو.
