من عدسة المصور إلى ذاكرة الأجيال

«40 يوماً من مجد المقاومة والانتصار».. ذاكرة الحرب المفروضة في عدسة الكاميرا

المعرض مشروع لحفظ الذاكرة، وإتاحة الصور للباحثين والفنانين والإعلام والأجيال المقبلة.

لا تُقاس قيمة الصورة الفوتوغرافية بقدرتها على تسجيل الحدث فحسب، بل بما تتركه من أثر في الذاكرة. ومن هذه الرؤية ينطلق معرض «40 روز شكوه مقاومت و بيروزي» أي «40 يوماً من مجد المقاومة والانتصار»، الذي افتتح اليوم الإثنين (14 سبتمبر)، يقدم الحرب المفروضة الثالثة بوصفها تجربة إنسانية وثقافية واجتماعية، لا مجرد مواجهة عسكرية.

 

فالمعرض يسعى إلى بناء رواية بصرية تحفظ تفاصيل مرحلة عاصفة، وتمنح الأجيال المقبلة فرصة الاقتراب من وقائعها عبر الصورة، بعيداً عن الروايات الثانوية أو الذاكرة الشفوية وحدها.

 

التصوير بوصفه وثيقة

 

في لحظة الحرب، يصبح المصور شاهداً ومسؤولاً في آن. فاللقطة التي تُلتقط وسط الخطر قد تكون لاحقاً وثيقة لا تتكرر، تحفظ ملامح الأشخاص والأمكنة والمشاعر والتفاصيل اليومية.

 

ولهذا تتجاوز الصورة وظيفتها الإعلامية لتغدو مادة ثقافية تحفظ الذاكرة الجماعية، وتصلح للبحث والتأمل وإعادة قراءة التاريخ. كما أن لغة الصورة، بحكم قدرتها على عبور الحدود اللغوية، تتيح للرواية الإنسانية أن تصل إلى جمهور دولي لا تجمعه بالضرورة لغة واحدة.

 

من الحرب المفروضة إلى المجتمع

 

القيمة الأبرز في المعرض أنه لا يحصر المقاومة في مشاهد القصف والاشتباك، بل يلتفت إلى حياة الناس في زمن الحرب المفروضة الثالثة: التضامن، التكافل، الخدمات، إنقاذ المصابين، مساعدة الأسر، واستمرار الحياة رغم الخوف والدمار.

 

وبهذا تتشكل صورة أكثر تركيباً للمجتمع، يظهر فيها الإنسان لا بوصفه متلقياً سلبياً للحرب المفروضة، وإنما فاعلاً في حماية الحياة وإسناد الآخرين. إنها محاولة لالتقاط الوجه الاجتماعي للحرب المفروضة، حيث يصبح التكاتف نفسه فعلاً ثقافياً يستحق التوثيق.

 

«أطفال ميناب» وذاكرة الضحايا

 

وفي قلب هذا السرد الإنساني تبرز الصور الخاصة بشهداء مدرسة «الشجرة الطيبة» في مدينة ميناب (جنوب إيران)، ضمن قسم «بجه هاي آسماني ميناب» أي «أطفال ميناب السماويون».

 

هنا تتراجع الأرقام لمصلحة الوجوه والقصص والذكريات. فصورة الطفل الشهيد لا تختزل كارثة في لحظة، بل تستحضر عائلة ومدرسة ومجتمعاً وذاكرة كاملة. ومن خلال هذه الصور، يكتسب التوثيق بعداً أخلاقياً وثقافياً: ألا تُترك معاناة المدنيين على هامش التاريخ، وألّا يتحول الضحايا إلى أرقام قابلة للنسيان.

 

الفنّ في مواجهة حرب الروايات

 

يأتي المعرض أيضاً في سياق ما يمكن تسميته «حرب الروايات»، حيث لا تقل أهمية الطريقة التي يُروى بها الحدث عن الحدث نفسه.

 

وفي هذا السياق، يشير رئيس المعرض، داوود عامري، في حديثه عن المعرض، إلى ضرورة تسجيل التجربة الإيرانية بلغة الصورة، مؤكداً أن عدم توثيق الحقائق قد يترك المجال للروايات الناقصة أو المحرفة. لذلك يكتسب المعرض أهمية تتجاوز قاعات العرض: إنه مشروع لحفظ الذاكرة، وإتاحة الصور للباحثين والفنانين والإعلام والأجيال المقبلة.

 

أفق دولي للذاكرة

 

ولا يتوقف المشروع عند حدود العرض المحلي؛ إذ يتضمن تصورات لعرض الأعمال في بلدان أخرى وترجمة محتوى المعرض إلى لغات متعددة. وهذه الخطوة تمنح الصورة وظيفة دبلوماسية وثقافية، تجعل التجربة الإنسانية قابلة للحوار العالمي.

 

وفي النهاية، يثبت المعرض أن التصوير، حين يقترن بالوعي الثقافي، لا يوثق ما حدث فقط، بل يحمي حق المجتمع في أن تُرى ذاكرته، وتُفهم معاناته، وتبقى إنسانيته حاضرة في صفحات التاريخ، في وجدان الأجيال القادمة، شهادة حيّة.

 

المصدر: الوفاق