إيران في مرآة العالم

بقائي: السياحة والتراث الثقافي جزء من القوة الناعمة لإيران

في وقت تتسع فيه أدوات التأثير الدولي لتتجاوز حدود السياسة والاقتصاد والمواجهة العسكرية، تتجه إيران إلى إعادة توظيف رصيدها التاريخي والحضاري والثقافي بوصفه جسراً للتواصل مع العالم وأحد مكونات قوتها الناعمة.

في وقت تتسع فيه أدوات التأثير الدولي لتتجاوز حدود السياسة والاقتصاد والمواجهة العسكرية، تتجه إيران إلى إعادة توظيف رصيدها التاريخي والحضاري والثقافي بوصفه جسراً للتواصل مع العالم وأحد مكونات قوتها الناعمة. ومن المواقع الأثرية والمعالم الحضارية إلى السياحة والثقافة وفنون السرد، تبرز الدبلوماسية الثقافية كمساحة لتقديم صورة إيران وتاريخها وهويتها للرأي العام العالمي، في مواجهة ما تصفه طهران بمحاولات تشويه صورتها ضمن ما يُعرف بـ«حرب الروايات».

 

وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، أهمية توظيف التراث والحضارة في الدبلوماسية العامة، مشدداً على ضرورة الانتقال من النظر إلى الموروث التاريخي باعتباره إرثاً من الماضي ومقصداً سياحياً فحسب، إلى التعامل معه بوصفه رصيداً استراتيجياً يمكن أن يسهم في بناء صورة إيران في عالم اليوم.

 

وأوضح إسماعيل بقائي، أن الحروب المعاصرة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية، بل تشمل مجالات الرواية والإعلام والهوية والثقافة، معتبراً التراث التاريخي والحضاري الإيراني أحد عناصر القوة الناعمة للبلاد وأداة استراتيجية في مواجهة بـ«حرب الروايات».

 

وقال بقائي، خلال دورة تدريبية رفيعة المستوى بعنوان «إيران في مرآة العالم: دبلوماسية التراث والثقافة والسرد الحضاري»، إن هوية إيران وحضارتها تواجه محاولات لتشويه صورتها، الأمر الذي يستدعي توظيف التاريخ والإمكانات الحضارية للبلاد في تقديم صورة أكثر واقعية عن إيران إلى العالم.

 

وعُقدت الدورة بهدف تعميق الرؤية الاستراتيجية بشأن توظيف قدرات التراث والثقافة والسرد الحضاري الإيراني على الساحة الدولية، بمشاركة نخبة من الخبراء في مجالات الدبلوماسية والإعلام والتعاون الثقافي، إلى جانب عدد من المديرين والخبراء وممثلي إدارات وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات التقليدية في مختلف المحافظات، وذلك في قاعة الفجر بالوزارة.

 

الدبلوماسية الثقافية في مواجهة حرب الروايات

 

وفي حديثه عن التحولات في البيئة الدولية وضرورة إعادة تعريف مفهوم الدبلوماسية الثقافية، قال بقائي إن التطورات الأخيرة أظهرت الحاجة إلى التعامل مع هذا المجال بمنهج يتناسب مع الظروف الجديدة، مشيراً إلى أن النظرة إلى الدبلوماسية الثقافية قبل نحو عام ونصف كانت مختلفة عما هي عليه اليوم.

 

وأضاف أن السياحة، التي كانت تُعرّف في السابق بصورة أساسية ضمن إطار اقتصادي وتجاري، يمكن أن تؤدي في ظروف الحرب والأزمات أدواراً أوسع، من خلال الإلهام وتعزيز الصمود والقدرة على التكيف، فضلاً عن المساهمة في تقديم صورة حقيقية عن إيران.

 

وأشار المتحدث باسم وزارة الخارجية إلى أن المواجهات المعاصرة تسبقها، في كثير من الحالات، استعدادات سياسية وإعلامية ودعائية، تسعى خلالها الأطراف المتصارعة إلى التأثير في صورة الدولة الأخرى عبر الخطابات والروايات، معتبراً أن إيران واجهت خلال الحربين الأخيرتين محاولات من هذا النوع.

 

وقال إن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بحسب تعبيره، اكتسبت أبعاداً حضارية، مضيفاً أن الرد على الروايات التي تروج لها الأطراف المعادية عن إيران يتطلب الحوار ورواية القصص وتقديم صورة موثقة عن البلاد.

 

وفي هذا السياق، أشار بقائي إلى تصريحات صدرت عن مسؤولين أمريكيين خلال المواجهة وتناولت الحضارة والتراث التاريخي الإيراني، فضلاً عن تهديدات وادعاءات مرتبطة باستهداف المواقع والثروات الحضارية، معتبراً أن ذلك يعكس، أهمية قضية الهوية والتاريخ والحضارة الإيرانية في هذه المواجهة.

 

وأضاف أن الحضارة الإيرانية تمثل جزءاً من هوية الأمة وذاكرتها التاريخية، داعياً إلى النظر إلى التهديدات التي تواجه التراث التاريخي والحضاري للبلاد ضمن إطار أوسع يتعلق بالحرب السردية ومحاولات التأثير في الهوية التاريخية.

 

 التراث قوة ناعمة وصورة إيران إلى العالم

 

وأكد بقائي أهمية الاستخدام الأمثل للقدرات التاريخية والحضارية للبلاد، قائلاً إن إيران لا ينبغي أن تسمح لنفسها بأن تكون خاسرة في مجال الحرب الناعمة وصناعة السرديات.

 

وأضاف أن إيران حققت، إنجازات مهمة في «حرب السرديات»، وأن الجمع بين توظيف القدرات الحضارية والسردية للبلاد أسهم في تمهيد الطريق أمام تشكيل شبكة للدبلوماسية العامة.

 

وأوضح أن الرواية والسرد والرواة يمثلون عناصر أساسية في أي مواجهة، مشيراً إلى أن الخلفية التاريخية والحضارية لإيران تشكل إحدى الركائز الرئيسية للسردية الإيرانية، باعتبار التاريخ والحضارة جزءاً لا يتجزأ من هوية البلاد وأحد الأدوات التي يمكن من خلالها تقديم صورة إيران إلى العالم.

 

وأكد أن المعالم والمواقع التاريخية والحضارية الإيرانية، التي كانت تُنظر إليها في الماضي بوصفها مقاصد سياحية بالدرجة الأولى، أصبحت اليوم، عنصراً من عناصر قوة البلاد، وينبغي التعامل معها باعتبارها جزءاً من قوتها الناعمة.

 

 كنز إيران هو شعبها

 

وفي حديثه عن مكانة الشعب في منظومة القوة الوطنية، قال بقائي: «كنز إيران هو شعبها»، مضيفاً أن إيران قررت الاعتماد على نفسها، وأن الشعب يمثل، أفضل حليف لها.

 

وشدد بقائي على أهمية الربط بين المجتمع والسرد الحضاري والدبلوماسية العامة، موضحاً أن توظيف القدرات التاريخية والحضارية للبلاد بالتوازي مع حضور الشعب والسرد الصحيح عن إيران يمكن أن يسهم في تقديم صورة أكثر واقعية وفعالية عن البلاد في الرأي العام العالمي.

 

وختم بالتأكيد على أن الحفاظ على التراث التاريخي الإيراني وإبرازه ينبغي أن يحتلا مكانة مناسبة في منظومة الدبلوماسية العامة والسرد الحضاري للبلاد، مشيراً إلى أن تراث إيران لا ينتمي إلى الماضي وحده، بل يمثل أيضاً، رأس مال استراتيجياً يمكن توظيفه في بناء صورة إيران في عالم اليوم.

 

 

المصدر: الوفاق