«سليمان منصور» يرسم الأرض والهوية والذاكرة

معرض «نقّاش سرزمين زخمي».. رواية فلسطين في اللوحات الفنيّة

الوفاق/ تتجاوز أهمية المعرض حدود العرض المحلي، لأنه يتيح مقاربة الفن الفلسطيني باعتباره أرشيفاً بصرياً للإنسان والمكان.

في إيران، يظل الرسم لغةً نابضةً في جسد الثقافة، وتشكل المعارض جسوراً للحوار بين الشعوب والثقافات. وفي هذا السياق، أُقيم معرض «نقّاش سرزمين زخمي» أي «رسّام الأرض الجريحة» في مركز الفن بطهران (حوزه هنري) محتفياً بالرسّام الفلسطيني البارز «سليمان منصور».

 

يكشف المعرض جانباً من التجربة الفنية الفلسطينية عبر سبعة عشر عملاً لسليمان منصور. لا يقدم المعرض لوحات منفصلة عن سياقها، بل يفتح أمام المتلقي مساحة لقراءة العلاقة بين الإنسان والأرض والذاكرة والهوية، حيث يتحول التراب والبيت والمرأة والطبيعة إلى مفردات بصرية تختزن تاريخاً من الاقتلاع والاحتلال والنزوح والمقاومة.

 

تنبع أهمية التجربة من قدرة الفنان على الانتقال من الخاص إلى الجماعي، فأصبحت أعماله جزءاً من الذاكرة البصرية الفلسطينية. المرأة ليست شخصية تشكيلية فحسب، بل علامة على الأرض والهوية، فيما تتحول زخارف الأزياء إلى وسيلة لحفظ الموروث الثقافي.

 

المادة الفنية كخطاب ثقافي

 

من أكثر جوانب تجربة منصور دلالة علاقته بالمواد المحلية. فقد اتجه، مع مجموعة من أصدقائه، إلى مقاطعة المنتجات الصهيونية، واستبدل بعض المواد الفنية المستوردة بالحناء والنبات والخشب المحروق. هنا لا تعود المادة مجرد أداة تقنية، بل تصبح جزءاً من معنى العمل وموقفه الثقافي.

 

ويكتسب الطين دلالة أعمق؛ فقد ارتبط بذاكرة الطفولة وبالتنور الطيني الذي كانت جدّته تستخدمه. وعندما كان الطين يجف ويتشقق على سطح اللوحة، تحوّلت التشققات من مشكلة تقنية إلى عنصر جمالي يستحضر أرضاً مثقلة بالضرر والتدمير، وبذلك تتداخل خصائص المادة مع التجربة التاريخية.

 

من برتقال يافا إلى استعادة التراث

 

تحضر الفواكه والملابس والألوان والتقاليد في أعماله بوصفها عناصر للهوية. ويبرز برتقال يافا مثالاً واضحاً، ويرتبط بقضية إعادة تعريف عناصر من الثقافة الفلسطينية ونسبها إلى الكيان الصهيوني. فتصبح اللوحة مساحة لاستعادة الذاكرة.

 

ويشير محمدرضا وحيدزاده، القيّم على المعرض، إلى أن اختيار الأعمال لم يستهدف حصر منصور في البعد السياسي، بل إظهار لغته الفنية وعلاقته بالحياة اليومية والطبيعة والثقافة المحلية، ويندرج المعرض ضمن مسار بحثي أوسع يسعى إلى التعامل مع الفن الفلسطيني بوصفه تياراً فنياً له تاريخه وخصائصه الجمالية.

 

رافقت إنتاج أعمال منصور ظروف جعلت احتمال فقدان اللوحات أو تدميرها حاضراً، الأمر الذي أثّر في أحجامها وقابليتها للنقل.

 

الفن.. بين الوثيقة والرسالة الإنسانية

 

 

أما ناصر أبو شريف، ممثل حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في طهران، فقد وصف، خلال زيارته للمعرض، الفعاليةَ بأنها فعل ثقافي وسياسي وفني، ورأى في الفن وسيلة لمواجهة الروايات المتنافسة حول فلسطين، مؤكداً أن منصور أمضى عقوداً في التعبير عن هوية الشعب الفلسطيني ومعاناته، وأن الصورة تمتلك لغة عالمية.

 

وفي قراءة موازية، أبرز المدير العام لوكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء «إرنا»، حسين جابري أنصاري، خلال زيارته للمعرض، قيمة الفن باعتباره وسيلة تتجاوز الحواجز اللغوية. وربط بين معرض منصور ومعرض «مدرسة ميناب»، مشيراً إلى أن الأعمال لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تحوله إلى أفق للذاكرة والأمل والتطلعات.

 

نحو قراءة دولية للفن الفلسطيني

 

تتجاوز أهمية معرض «رسّام الأرض الجريحة» حدود العرض المحلي، لأنه يتيح مقاربة الفن الفلسطيني باعتباره أرشيفاً بصرياً للإنسان والمكان. في أعمال منصور تتجاور الوثيقة والرمز، والذاكرة والجمال، والأرض والإنسان. إنها لا تروي التاريخ بالكلمات وحدها، بل تمنح التجربة الإنسانية شكلاً بصرياً قابلاً للعبور بين اللغات والثقافات.

 

 

 

المصدر: الوفاق