أقيمت مراسم إعادة افتتاح وتسجيل متحف ماريونيت للدمى في قاعة “فردوسي” بطهران،مساء السبت 19 سبتمبر، الذي يضم مجموعة من 800 دمية مسرحية، بمشاركة فرقة «آران» لمسرح الدمى، بإشراف بهروز غريب بور، بالتزامن مع ذكرى ميلاد هذا الفنان المخضرم.
وكان ذلك بحضور معاون وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي للشؤون الفنية، مهدي شفيعي، والقائمة بأعمال الإدارة العامة للمتاحف، ليلى خسروي، والمدير العام للفنون المسرحية، أتابك نادري، والمدير العام لمؤسسة رودكي الثقافية، محمد إلهياري، وأمينة الدورة الحادية والعشرين لمهرجان طهران الدولي لمسرح الدمى ـ مبارك، بوبك عظيمبور، و جمع من المسؤولين والفنانين.
متحف ماريونيت للدمى
قد دخل هذا المتحف حيّز التشغيل بجهود مؤسسة رودكي وبمشاركة فرقة «آران» لمسرح الدمى، ويضم نحو 800 دمية ماريونيت تعود إلى عروض الأوبرا الدمى لفرقة آران منذ عام 2004 وحتى الآن؛ وهي مجموعة تروي جانبًا من مسار نشأة واستمرار أوبرا الدمى في إيران.
ويضم هذا المتحف مجموعة من الدمى والعناصر المسرحية لأعمال تم إنتاجها مستوحاة من الأدب والتاريخ والأساطير الإيرانية، وفي إطار التفاعل بين المسرح والموسيقى والأوبرا، وأسهمت على مدى أكثر من عقدين في تشكيل جانب من مسار مسرح الدمى المعاصر في إيران.
ومن السمات المميزة لمتحف ماريونيت، العرض الدوري للدمى؛ وبذلك ستُعرض الدمى، بصورة دورية، وفقًا للأعمال وعروض الأوبرا الدمى، وفي الوقت نفسه ستتوافر ظروف أفضل لحفظ هذه الأعمال وصونها.
كما تم تصميم هذا المتحف وفق نهج تعليمي، وسيطّلع الزائرون، خلال جولات خاصة، على مراحل صناعة دمية الماريونيت؛ وهي عملية تروي للجمهور مراحل العمل بدءًا من تصميم الدمية وصناعتها وصولًا إلى إعدادها للظهور على خشبة المسرح.
وسيوفر متحف ماريونيت للدمى، فضلًا عن الحفاظ على جانب من التراث المسرحي لعروض أوبرا الدمى، فرصة للجمهور للتعرّف عن قرب إلى الدمى التي استُخدمت خلال السنوات الماضية في إنتاج وتنفيذ العديد من الأعمال.
تجدر الإشارة إلى أنه بهروز غريب بور، الكاتب والمخرج المسرحي والسينمائي، هو أستاذ مسرح الدمى والمدير الثقافي، ومن مواليد 19 سبتمبر 1950 في سنندج. وقد صمّم وأخرج منذ عام 1967 وحتى الآن أكثر من 50 عرضًا ومسرحية أوبرا للدمى، وله في سجله أكثر من 20 عملًا مؤلفًا ومترجمًا.
وقد تم تصميم قاعة «فردوسي» خصيصًا لتقديم نوع واحد من عروض الدمى، وهو الماريونيت، باستخدام دمى يبلغ ارتفاعها 80 سنتيمترًا، وقد تم عرضها على خشبة هذه القاعة حتى الآن عدة عروض للدمى من فرقة آران، من إخراج بهروز غريب بور، إلى جانب عرضين من إخراج مخرجين آخرين وبعد إنشائها، خضعت قاعة الفردوسي تدريجيًا.
ذاكرة الفن المعاصر الإيراني

من جهته قال معاون وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، مهدي شفيعي، خلال مراسم إعادة إفتتاح وتسجيل متحف ماريونيت للدمى: «تم افتتاح هذه المجموعة قبل نحو 10 أعوام، وهي إحدى الأحداث القيّمة في مجال الثقافة والفن خلال السنوات الأخيرة، ومن خلال النظر إلى المتاحف الكبرى في العالم ومقارنتها بمتحف ماريونيت للدمى، يمكن إدراك عمق القيمة والهوية الثقافية الموجودة في هذا المتحف».
وأضاف شفيعي: «هذا المكان ليس مجرد مكان لحفظ الأشياء، بل هو جزء من ذاكرة الفن المعاصر في إيران يُفتح أمام الجمهور. المتحف هو ذاكرة أمّة؛ المكان الذي لا ينتهي فيه الماضي، بل ينتقل منه إلى المستقبل».
وتابع معاون وزير الثقافة: «إن متحف ماريونيت للدمى، يروي حكايات دبّت فيها الحياة يومًا على خشبة المسرح؛ دمى أحبت، وحاربت، وحدّت، وتمثل جزءًا مهمًا من تاريخ إيران وأدبها، وكل قطعة ولباس وعلامة مسرحية في هذه المجموعة تختزن قصة عن حقبة فنية من إيران».
وقال شفيعي: «تكمن أهمية هذا المتحف في عبقرية الأستاذ بهروز غريب بور ومثابرته، ففي فترة كان كثيرون ينظرون فيها إلى مسرح الدمى بوصفه فنًا هامشيًا، آمن هو بالطاقات الهائلة لهذا الفن، وجلب الدمية إلى مجال رواية الشاهنامة، ومولانا، وعاشوراء، والخيام، وحافظ، والنظامي».
وأضاف: «لقد تحولت تجربة فرقة «آران» في هذا المسار من فرقة مسرحية إلى تيار فني. والسؤال الأساسي هنا هو: كيف يمكن الحفاظ على التراث من دون أن يتحول إلى مجرد شيء متحفي منفصل عن حياة اليوم؟ وكانت إجابة غريبپور هي إعادة الإبداع؛ فهو لم يكتفِ بمجرد إعادة رواية التراث، بل أعاد خلقه بلغة الموسيقى ومسرح الدمى. وهذا هو التراث الحي».
وأضاف شفيعي: «يجب ألا يكون متحف الدمى نهاية الطريق، بل ينبغي أن يتحول إلى مركز حي للبحث والتعليم والتوثيق والحوار بين الأجيال وتدريب الفنانين الشباب، وللأسف، فقد ضاعت مع مرور الزمن، في تاريخ الفن الإيراني، كثير من الوثائق والتجارب الخاصة بالفنانين الكبار، وعلينا أن نوثق هذه التجارب اليوم».
وقال معاون وزير الثقافة: «متحف ماريونيت للدمى بإمكانه أن يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الدبلوماسية الثقافية وتعريف الجمهور غير الإيراني بالعالم الثقافي الإيراني، ونأمل أن تكون تجربة متحف الدمى نموذجًا لفنانين وفرق فنية أخرى لتسجيل تراثهم والحفاظ عليه، وأن يتحول إلى قاعدة للتعليم وتطوير التعاون الدولي».
التراث غير المادي

وفي سياق متواصل قالت المديرة العامة للمتاحف في البلاد، ليلى خسروي: «إن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه مجرد مساحة للعرض؛ فهذا المكان يمثل تجسيدًا ملموسًا للتراث غير المادي، ويُعد أحد متاحفنا القيّمة للغاية والفريدة من نوعها.
وتابعت: كما أعرب عن تقديري للجهود الصادقة والمتابعات الحثيثة التي بذلها الأستاذ غريب بور للحصول على التراخيص، وكذلك لجهوده في إنشاء هذا الفضاء الثقافي. إن جهود الأستاذ غريب بور ومتابعاته المتواصلة في إنجاز هذا المتحف جديرة بالتقدير وذات قيمة».
وأضافت خسروي: «يمتلك متحف ماريونيت للدمى، إمكانات إستثنائية لتعليم الأطفال والناشئة وتعريفهم بالثقافة والفنون الإيرانية الأصيلة، ويمكن أن يتحول إلى أحد المقاصد الثقافية المهمة لهذا الجيل، ومع تمنياتي لهذا المكان بالحيوية والاستمرارية، أتمنى، بالنيابة عن وزارة التراث الثقافي والصناعات اليدوية والسياحة، التوفيق لجميع القائمين على هذا العمل الثقافي الخيّر».
أهمية متحف الدمى

ومن جهته قال الفنان بهروز غريب بور، خلال ترحيبه بالحاضرين، مشيرًا إلى استكمال بعض الأقسام في متحف الدمى، واعتبر أن للمتحف وظائف تعليمية متعددة، موضحًا: «عندما نرى كثيرًا من المتاحف، مثل متحف «إيران باستان» أو المتحف الوطني الإيراني، فإنها تعرّفنا في الغالب إلى ماضينا وخلفيتنا التاريخية، لكن هذا المتحف، إضافة إلى هذا الجانب، يمكنه أن يعرّفنا إلى صناعة الدمى وإلى تجربة فنية وأدائية لم يكن لها سابق عهد بهذه الأبعاد قبل الثورة الإسلامية».
وأضاف: لقد قمنا خلال سنوات نشاط هذه المجموعة، وعلى مدى السنوات الثلاث والعشرين الماضية، بتدريب عشرات الأشخاص، كما عمل العديد من الفنانين على هذه الخشبة.
وإن فخرنا يكمن في أننا تمكنا من تناول كنز الأدب الخاص بالشعراء وكبار أعلام الثقافة الإيرانية، بدءًا من الفردوسي والعطار وصولًا إلى حافظ ومولانا وسعدي وغيرهم من كبار الأعلام، وتعريف جيل بالثقافة والفن العريقين لإيران؛ وليس ذلك مجردًا في حدود الشعارات، بل من خلال تجربة فنية وأدائية.
وأشار هذا الفنان البارز في مجال مسرح الدمى إلى عدد الأعمال الموجودة في المتحف، وقال: يُعرض في المتحف ما يقرب من 800 دمية، لكننا ما زلنا نواجه نقصًا في المساحة. ولدينا أيضًا مئات الدمى الأخرى، ونأمل أن نتمكن من عرضها مع توسيع المساحة.
وفي ختام كلمته، قال غريب بور: لولا تعاون جميع مديري مؤسسة رودكي الثقافية والفنية والزملاء الأعزاء في المجال التقني، لما وصلت هذه المجموعة إلى هذه المرحلة. وما نشهده اليوم هو نتيجة مثابرة وصبر وحب أولئك الذين عملوا من أجل هذه المجموعة خلال السنوات الماضية.
وآمل أن يصبح المتحف أكثر اكتمالًا يومًا بعد يوم مع استمرار هذا التعاون، وأن نتمكن من عرض حصيلة جهود عشرات الفنانين الذين نشطوا على مدى هذه السنوات أمام عامة الناس بالشكل اللائق.
دمية الماريونيت
دمية الماريونيت، أو الدمية الخيطية، هي نوع من الدمى المسرحية التي تُحرّك من الأعلى باستخدام الخيوط والأوتار وما شابهها، وحتى باستخدام قضبان خشبية ومعدنية. ويُعرف هذا الأسلوب من الدمى المسرحية في العالم باسم «ماريونيت».
تأسست فرقة «آران» لمسرح الدمى عام 2003 على يد بهروز غريب بور. وهذه الفرقة هي آخر فرقه في مجال مسرح الدمى، وهي متخصصة في الأوبرا الدمى، وقد أسست أحد أندر أساليب عروض الدمى في إيران.
وعلى خلاف عدد قليل من الفرق المتفرقة في العالم، في سالزبورغ وبراغ، تقدم هذه الفرقة أعمالها بصورة تأليفية؛ ولذلك تحتل إحياء الأوبرا الوطنية أولوية لديها. وقد بدأت، انطلاقًا من مزايا التعزية واستنادًا إلى المقامات الإنشادية والموسيقى المقامية الإيرانية، حركة جديدة حققت أمنية فنانين من أمثال ميرزاده عشقي وإسماعيل مهرتاش.
وتقدم الفرقة أعمالها في مؤسسة رودكي الثقافية والفنية، وقد عرضت حتى الآن أعمالًا عديدة، من بينها رستم وسهراب، مكبث، عاشوراء، مولانا، حافظ، ليلى والمجنون، سعدي، الخيام، في إيران وأوروبا وآسيا.
وتضم فرقة «آران» لمسرح الدمى 40 عضوًا (محرّكي الدمى ـ مساعدي خشبة المسرح)، وورشة تعليمية خاصة تحمل اسم «مكتب آران»، ومتحفًا يقع في قاعة “فردوسي” بمؤسسة رودكي، وقد واصلت نشاطها بلا انقطاع على مدى نحو 14 عامًا تحت رعاية المؤسسة.
وفي ختام الحفل، تم عرض قسم من أوبرا الدمى «العشق»، من تأليف وإخراج بهروز غريب بور، وفي الختام جرت زيارة لمتحف الماريونيت. كما سلّمت المديرة العامة لشؤون المتاحف في البلاد، خلال هذه المراسم، ترخيص المتحف الصادر عن وزارة التراث الثقافي إلى محمد إلهياري، المدير العام لمؤسسة رودكي.
