لأكثر من سبعة عقود، اعتادت أوروبا التعامل مع الوجود العسكري الأميركي باعتباره حقيقة ثابتة في معادلة أمنها، حتى أصبح الاعتماد على واشنطن جزءاً من بنية الدفاع الأوروبية نفسها. لكن هذه المسلّمة تواجه اليوم اختباراً جدياً. فوفق تقرير نشرته شبكة «إن بي سي نيوز» الأميركية في 17 سبتمبر/أيلول 2026، يدرس البنتاغون خفض الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، البالغ نحو 80 ألف جندي، مع خيارات تشمل سحب نحو 25 ألفاً، بينما قد يصل أحد السيناريوهات إلى 40 ألف جندي، من دون صدور قرار نهائي حتى الآن. والسؤال هنا: ماذا يبقى من الردع الأوروبي إذا قررت واشنطن تقليص القوة التي شكّلت العمود الفقري لأمن القارة؟
المفارقة أن الولايات المتحدة التي بنت نفوذها في أوروبا على أساس التحالف والانتشار العسكري، تستطيع اليوم إعادة حساباتها وفق مصالحها وأولوياتها، بينما تحتاج الدول الأوروبية إلى سنوات حتى تعوض بعض القدرات التي توفرها واشنطن. وهنا لا تكمن المشكلة في عدد الجنود وحده، بل في منظومة كاملة تشمل الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة، والنقل الاستراتيجي، والتزود بالوقود جواً، والقيادة والسيطرة، والدفاع الجوي والصاروخي. وبذلك يبدو أن أوروبا تدفع ثمن سنوات طويلة من الاعتماد على قوة خارجية، بينما تكتشف فجأة أن المظلة التي اعتادت أوروبا الاحتماء بها ليست بالضرورة دائمة.
سنوات من الاتكال على واشنطن تلاحق أوروبا الآن
الحرب في أوكرانيا كشفت أن أوروبا لم تكن مستعدة بالكامل للعودة إلى بيئة أمنية تقوم على الاستنزاف والإنتاج العسكري واسع النطاق. ورغم أن الدول الأوروبية رفعت إنفاقها الدفاعي ووسعت برامج إنتاج الأسلحة، فإن بناء الطائرات والسفن وأنظمة الدفاع والذخائر وتوسيع القوى البشرية لا يحدث بالسرعة نفسها التي تتغير بها التهديدات.
وتظهر الفجوة بصورة خاصة في الدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة وسرعة المشتريات وتخزين الذخائر وتأمين خطوط الإمداد. وهي ملفات لا يمكن حلها بمجرد الإعلان عن ميزانيات دفاعية أكبر. فالقوة العسكرية تحتاج إلى صناعة قادرة على الإنتاج، ومخزونات كافية، وشبكات قيادة وسيطرة، وقدرات نقل وإمداد، وتنسيق بين الجيوش.
وهنا تظهر إحدى نتائج الاعتماد الطويل على واشنطن: أوروبا أنفقت على الدفاع، لكنها لم تبن دائماً القدرات المستقلة التي تمكنها من الاستغناء عن بعض الوظائف الأميركية الأساسية.
واشنطن تضغط وأوروبا تدفع الفاتورة
المسألة لا تتوقف عند احتمال سحب القوات. فالضغط الأميركي على الأوروبيين من أجل تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم يدفع القارة إلى سباق مع الزمن. المطلوب الآن ليس مجرد إنفاق المزيد، بل تحويل الإنفاق إلى قدرات حقيقية.
وقد أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين إلى هذه المشكلة عندما ركزت على ضرورة تعزيز ما وصفته بـ«الممكنات الاستراتيجية»، ومنها الدفاع الجوي والصاروخي، والنقل الاستراتيجي، والتزود بالوقود جواً، والفضاء والقدرات السيبرانية. وهذه المجالات تكشف بوضوح حجم الفجوة التي يتعين على أوروبا التعامل معها إذا أرادت تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
لكن بناء هذه القدرات يحتاج إلى وقت، بينما تستطيع واشنطن اتخاذ قرار سياسي بتغيير حجم انتشارها العسكري بوتيرة أسرع بكثير. ومن هنا يأتي الخلل في العلاقة: الولايات المتحدة تملك مرونة التحرك، في حين تتحمل أوروبا كلفة التكيف.
البلطيق يكشف خطورة الفراغ
تزداد حساسية هذه المعادلة في منطقة البلطيق وشمال أوروبا، حيث وقعت خلال الفترة الأخيرة حوادث عسكرية بين روسيا ودول أوروبية.
فقد شهد بحر البلطيق حادثة بين فرقاطة روسية ومروحية عسكرية دنماركية، بينما أسقطت مقاتلة إيطالية تابعة لمهمة «ناتو» في ليتوانيا طائرة مسيّرة يُشتبه بأنها روسية دخلت المجال الجوي الليتواني من بيلاروسيا.
هذه الحوادث لا تعني بالضرورة أن مواجهة مباشرة بين روسيا و«ناتو» أصبحت وشيكة، لكنها ترفع مخاطر سوء التقدير في منطقة شديدة الحساسية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح قدرات الاستطلاع والإنذار المبكر والدفاع الجوي أكثر أهمية من مجرد أعداد الجنود.
وهنا تحديداً يصبح أي انسحاب أميركي أكثر تعقيداً. فإذا تراجعت القوات والقدرات الأميركية قبل أن تُعدّ أوروبا البدائل، فإن الفجوة لن تكون نظرية، بل ستظهر في قدرة الدول الأوروبية على مراقبة أجوائها ومياهها والاستجابة للحوادث بسرعة.
ختاماً، إذا مضت واشنطن في تقليص وجودها العسكري، فستظهر بوضوح حدود الاعتماد الأوروبي على القدرات الأميركية. أمام أوروبا الآن اختبار عملي: أن تحوّل إنفاقها الدفاعي إلى قدرات مستقلة، أو تواصل ربط جزء أساسي من أمنها بقرارات تُتخذ خارج القارة.