قراءة ثقافية في ملصقين فنيين

من الكلمة إلى الرمز.. تجليات المقاومة والوحدة في الفن البصري

مثل الملصقان نموذجًا للفن الذي يجعل من الكلمة محورًا للصورة، ومن الصورة وسيلة لتثبيت الكلمة في الذاكرة.

تتجاوز الملصقات الفنية حدود الصورة لتصبح مساحةً تتقاطع فيها الكلمة مع الذاكرة والتاريخ والهوية. وعندما تستند الأعمال البصرية إلى عبارات دينية وتاريخية وسياسية، فإنها لا تقدم مشهدًا بصريًا فحسب، بل تصوغ خطابًا قادرًا على استحضار مجموعة واسعة من المعاني والرموز في مساحة محدودة.

 

وفي هذا السياق، يأتي ملصقان فنيان، تم نشرهما على موقع rahbar.ir، ويستندان إلى كلمتين محوريتين هما الجهاد والمقاومة من جهة، والوحدة من جهة أخرى.

 

ويكشف العملان عن توظيف واضح للكلمة بوصفها عنصرًا بصريًا وفكريًا، وعن حضور فلسطين بوصفها إحدى القضايا التي تركت أثرًا عميقًا في الثقافة والفنون السياسية المعاصرة. الكلمتان مأخوذتان من خطابات قائد الثورة الاسلامية آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي في المناسبات المختلفة، وفيما يلي نتحدث عنها:

 

طريق المقاومة

 

الملصق الأول تم نشره تحت عنوان “طريق المقاومة” و يحمل عبارة: «لم يبقَ أمام الأحرار سبيل سوى الجهاد والمقاومة»

ويتبعها الآية الكريمة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً…}

ثم يأتي التعريف بالنص:

مقتطف من ردّ قائد الثورة الإسلامية على رسالة البيعة التي وجّهها مجاهدو حزب الله في لبنان.

 

تمنح هذه البنية النصية الملصق طابعًا يجمع بين اللغة السياسية والمرجعية الدينية. فالعبارة الأولى تقوم على القوة، بينما تفتح الآية القرآنية أمامها مجالًا دلاليًا أوسع، مستحضرًا لغةً ذات حضور راسخ في الوعي الإسلامي.

 

ومن الناحية الفنية، يمثل هذا الجمع بين العبارة والآية القرآنية أسلوبًا معروفًا في الملصقات ذات الطابع الديني والسياسي، حيث لا تكون الكتابة مجرد شرح للصورة، وإنما تصبح هي نفسها جزءًا من الصورة. فالخط، وحجم الكلمات، وترتيب الجمل، والمساحات الفاصلة بينها، كلها عناصر تشارك في تشكيل الإيقاع البصري للعمل.

 

وتحضر كلمة «الأحرار» في مركز العبارة باعتبارها مفهومًا إنسانيًا واسعًا، بينما تأتي كلمتا «الجهاد» و**«المقاومة»** في نهاية الجملة لتشكلا نقطة التركيز الأساسية، وبهذا يصبح تركيب العبارة قائمًا على الانتقال من هوية الإنسان — «الأحرار» — إلى الفعل — «الجهاد والمقاومة».

 

كما أن الاستناد إلى آية قرآنية يمنح الملصق بعدًا يتجاوز اللحظة السياسية المباشرة، ويربط العمل بثقافة النص الديني واستحضاره في الخطاب العام.

 

«يدٌ واحدة»

 

 

أما الملصق الثاني فيختار عنوانًا ممتاز: يدٌ واحدة

ويأتي تحته النص:

اٌکان الشّعب الفلسطینی یتعرّض الظلم المحتلّین هکذا لو کان المسلمون یدٌ واحدة

آية الله السيّد مجتبى الخامنئي

30 آب/ أغسطس 2026

 

وفي مقابل كثافة النص في الملصق الأول، يقوم الملصق الثاني على فكرة الايجاز. فكلمة «يد» هنا تتحول إلى رمز بصري لفكرة أكبر هي الوحدة والتضامن والتعاون.

 

فاليد في الثقافة الإنسانية ليست مجرد عضو من أعضاء الجسد؛ إنها رمز للعطاء والمساعدة والعمل والمصافحة والتكافل. وعندما تتحول إلى عبارة «يد واحدة»، تنتقل من معناها المادي إلى معنى جماعي، لتصبح صورةً للوحدة في مواجهة التحديات.

 

وتكتسب هذه الصورة أهمية خاصة عندما تقترن بفلسطين. ففلسطين لم تعد حاضرة في الثقافة السياسية من خلال الخرائط والأعلام وحدها، بل أصبحت أيضًا موضوعًا متكررًا في الشعر والموسيقى والملصق والجدارية والتصميم الرقمي. ومن هنا يمكن أن يتحول الرمز البسيط — كاليد — إلى اختصار لذاكرة سياسية وثقافية واسعة.

 

من الكلمة إلى الصورة

 

اللافت في العملين هو أن الكلمة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تحمل المعنى، وفي الوقت نفسه تصنع الشكل.

 

في الملصق الأول، تمتلك العبارة طاقة خطابية واضحة، وتعمل الكلمات باعتبارها وحدات ذات ثقل بصري، ولا سيما كلمات مثل الأحرار، الجهاد، المقاومة.

 

أما في الملصق الثاني، فتأتي العبارة القصيرة «يدٌ واحدة» كأنها عنوان بصري يمكن أن تختصره صورة واحدة: أيدٍ متشابكة، أو يدان متعاضدتان، أو مجموعة من الأيدي تلتقي في نقطة واحدة.

 

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص الفن السياسي: تحويل الأفكار المجردة إلى رموز قابلة للرؤية والتذكر.

 

الخط والهوية البصرية

 

يحتل الخط مكانة خاصة في مثل هذه الأعمال، لأن الحرف العربي لا يؤدي وظيفة لغوية فقط، وإنما يحمل أيضًا قيمة جمالية وثقافية.

 

فالعبارة المكتوبة بخط قوي وكبير يمكن أن تتحول إلى كتلة بصرية داخل الملصق، بينما يمكن للنص الأصغر أن يؤدي وظيفة تفسيرية أو توثيقية. كما أن التباين بين أحجام الخطوط يسمح للعين بالانتقال من العبارة الرئيسية إلى التفاصيل الثانوية بطريقة منظمة.

 

وفي الملصقات المستندة إلى التراث الديني والسياسي، يصبح الخط جزءًا من الهوية البصرية للعمل، خصوصًا عندما تتجاور النصوص العربية والفارسية والرموز التاريخية والدينية.

 

بين المقاومة والوحدة

 

وعلى الرغم من اختلاف البناء الفني بين الملصقين، فإنهما يلتقيان عند مفهوم الجماعة.

 

فالملصق الأول يستحضر الجماعة من خلال مفردات الأحرار والجهاد والمقاومة، بينما يستحضرها الثاني من خلال اليد الواحدة.

 

وبذلك ينتقل الخطاب البصري من مفهوم الفعل إلى مفهوم الاجتماع؛ من «المقاومة» بوصفها فعلًا، إلى «الوحدة» بوصفها رابطة تجمع الأفراد في تصور جماعي واحد.

 

وهذه الثنائية — المقاومة والوحدة — تمنح العملين ترابطًا ثقافيًا، حتى وإن اختلفت أدواتهما الفنية. الأول يعتمد على قوة العبارة والاستشهاد، والثاني يعتمد على الاختزال والرمز.

الملصق بوصفه وثيقة ثقافية

 

لا ينبغي النظر إلى الملصق الفني باعتباره تصميمًا عابرًا فقط. فالملصقات التي تنتج في لحظات سياسية وتاريخية محددة يمكن أن تصبح لاحقًا وثائق بصرية تكشف طريقة تعبير مرحلة كاملة عن نفسها.

 

فهي تحفظ العبارات والشعارات، وتوثق أساليب التصميم والخط، وتكشف الرموز التي كانت حاضرة في الوعي الجمعي، كما تعكس العلاقة بين الفن والسياسة والدين والهوية.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الملصقين بوصفهما جزءًا من ثقافة بصرية معاصرة تستخدم الصورة والكلمة معًا لصياغة خطاب حول فلسطين والمقاومة والوحدة.

 

يمثل الملصقان نموذجًا للفن الذي يجعل من الكلمة محورًا للصورة، ومن الصورة وسيلة لتثبيت الكلمة في الذاكرة. ففي الأول تتقدم مفردات الجهاد والمقاومة والأحرار مدعومة بحضور النص القرآني، بينما يختصر الثاني فكرة التضامن في صورة لغوية مكثفة هي «يدٌ واحدة».

وبين النص الديني والعبارة السياسية، وبين الرمز البصري واللغة، تتشكل أعمال تحمل في داخلها طبقات متعددة من المعنى، وتكشف في الوقت نفسه عن المكانة التي يحتلها الملصق في الثقافة البصرية المعاصرة.

إنها أعمال لا تكتفي بأن تُرى، بل تدعو المتلقي إلى قراءة الكلمات، واستحضار الرموز، وربط الصورة بالذاكرة والتاريخ والهوية.

المصدر: الوفاق