من صوت الرصاص إلى نبض الإنسان

من الخنادق إلى الذاكرة.. رحلة 45 عامًا مع سينما الدفاع المقدس

سر بقاء سينما الدفاع المقدس يكمن هنا تحديدًا؛ فقد انتهت الحرب ذات يوم، لكن حكاياتها لم تنتهِ بعد.

قطعت سينما الدفاع المقدس مسيرة حافلة بالتقلبات والمنعطفات؛ فمنذ أن حملت كاميراتها إلى قلب الخنادق وحقول الألغام والمدن التي كانت ترزح تحت القصف، وصولًا إلى تناولها اليوم حياة القادة والأمهات والزوجات وأسرى الحرب والناجين من تلك السنوات، ظلت تخوض مسارًا متشعبًا.

 

وفي أفضل تجلياتها، لم تنشغل هذه السينما باستعراض الأسلحة والعتاد الحربي بقدر ما اهتمت برواية حكايات أناس وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة أحد أكبر الاختبارات التي شهدها تاريخ إيران المعاصر.

 

صوت جهاز اللاسلكي، وقارب يشق مياه نهر أروند ببطء، وطريق تغطيه الأتربة، ومقاتل يتحصن خلف ساتر ترابي، وأم تترقب عودة غائب، ومدينة لا تزال جدرانها تحمل آثار الحرب؛ تلك ليست سوى مشاهد من الذاكرة التي نسجتها سينما الدفاع المقدس للجمهور الإيراني على مدى أكثر من أربعة عقود.

 

نشأت سينما الدفاع المقدس بالتزامن تقريبًا مع اندلاع الحرب المفروضة. وفي تلك السنوات، لم يكن أحد يدرك أن الحرب ستمتد ثمانية أعوام، وأنها ستصبح واحدًا من أبرز أحداث التاريخ المعاصر لإيران.

 

وكانت الكاميرا السينمائية، شأنها شأن المجتمع، واقعة تحت وطأة الصدمة الأولى. لذلك انصرفت الأفلام الأولى أساسًا إلى تصوير هجوم العدو، والدفاع عن الوطن، ومقاومة سكان المناطق الحدودية، وصياغة صورة الأبطال الذين كان عليهم التصدي للعدوان.

 

غير أن هذه السينما أخذت، تدريجيًا، تتجاوز تصوير ساحات القتال، وتنفتح على عالم أكثر تعقيدًا؛ عالم لا تقتصر فيه الحرب على الجبهة، بل يمتد أثرها سنوات طويلة إلى البيوت والشوارع والمستشفيات والعلاقات الأسرية وحياة الأجيال اللاحقة.

 

ولادة سينما في زمن الحرب

 

 

يُعد فيلم «مرز» (الحدود)، من إخراج جمشيد حيدري وتأليف سيروس الوند، الذي أُنجز عام 1360 بالتقويم الإيراني، أول فيلم روائي طويل في السينما الإيرانية يتناول الحرب المفروضة.

 

ويروي الفيلم حكاية سكان قرية حدودية يستعدون للدفاع عن أرضهم مع بدء هجوم العدو.

 

ولم يكن «مرز» (الحدود) في تلك المرحلة قد بلغ بعدُ الصورة التي استقرت عليها سينما الدفاع المقدس لاحقًا، بل كان عملًا حركيًا يدور حول المقاومة الشعبية.

 

ومع استمرار الحرب، انضم مزيد من المخرجين إلى هذا المجال، وظهرت أفلام مثل «برزخي ها» (أهل البرزخ)، و**«دیار عاشقان» (ديار العاشقين)، و«نینوا» (نينوى)، و«بلمی به سوی ساحل» (زورق نحو الساحل)، و«بايكاه جهنمي» (القاعدة الجهنمية)، و«عقاب‌ها» (النسور)، و«كذركاه» (المعبر)، و«كاني مانكا» (كاني مانغا)، و«افق» (الأفق)**.

 

واستند جانب كبير من أفلام السنوات الأولى للحرب إلى سينما الحركة والبطل المحوري. وكانت العمليات العسكرية، والمطاردات، والأسر، والفرار من معسكرات العدو، والاشتباكات المباشرة، أبرز مكونات تلك الأعمال. وكان الجمهور الذي يتابع أخبار الحرب يوميًا عبر الإذاعة والتلفزيون يجد على شاشة السينما صورًا تشبه إلى حد كبير الواقع الذي يعيشه.

 

ويُعد «عقاب‌ها» (النسور)، من إخراج ساموئل خاجيكيان، أحد أبرز أفلام هذه المرحلة. فقد كان عملًا حافلًا بالحركة وقريبًا من ذائقة الجمهور، واستند إلى قصة الطيارين الإيرانيين وعمليات الإنقاذ، وتمكن من استقطاب شرائح واسعة من المشاهدين، ليصبح واحدًا من أكثر الأفلام جماهيرية في تاريخ السينما الإيرانية.

 

لكن سينما الدفاع المقدس لم تظل أسيرة الأفلام الحربية القائمة على الحركة والإثارة؛ فمع دخول مخرجين عايشوا الحرب واختبروها بأنفسهم، بدأت هذه السينما تكتسب لغة جديدة.

 

 

حين بدأت الخنادق تتكلم

 

كان رسول ملاقلي‌بور وإبراهيم حاتمي‌كيا من أبرز المخرجين الذين أسهموا في تشكيل هوية سينما الدفاع المقدس. فلم ينظر كلاهما إلى الجبهة بوصفها ساحة لإطلاق النار والانفجارات فحسب، وإنما رأيا فيها عالمًا إنسانيًا تحكمه العلاقات، والإيمان، والخوف، والفكاهة، والتردد، والتضحية، والاختيارات الصعبة.

 

وبعد تجارب مثل «نینوا» (نينوى) و**«بلمي به سوي ساحل» (زورق نحو الساحل)**، قدّم ملاقلي‌بور في «برواز در شب» (التحليق ليلًا) صورة مؤثرة لحصار كتيبة، ولمحاولة قائدها إيصال الماء إلى مقاتليه. واستعان الفيلم بإيحاءات عاشورائية، فحوّل الحرب إلى تجربة روحية وإنسانية.

 

أما حاتمي‌كيا، فقد وضع في «دیده‌بان» (المراقب) كاميرته إلى جانب مقاتل وحيد، بدلًا من التركيز على استعراض واسع للعتاد والعمليات العسكرية. وأثبت الفيلم أن بالإمكان تصوير القلق والإيمان ووحدة الإنسان في ساحة الحرب من دون اللجوء إلى البطولة التقليدية أو المشاهد الضخمة.

 

أما «مهاجر» (المهاجر)، فقد اتخذ من طائرة استطلاع من دون طيار محورًا له، وأصبح واحدًا من أكثر الأفلام الحربية الإيرانية شاعرية. ولم تكن الآلة العسكرية فيه مجرد وسيلة لاستعراض القوة، بل غدت جزءًا من منظومة رمزية تجسد الصلة بين المقاتلين.

 

وبالتوازي مع السينما الروائية، أدت الأفلام الوثائقية الحربية دورًا أساسيًا في توثيق تلك المرحلة. فقد سجلت سلسلة «روایت فتح» (رواية الفتح)، بإشراف الشهيد مرتضى آويني، صورًا من الجبهة بلغة ورؤية مختلفتين، وتحولت تلك الصور لاحقًا إلى أحد أهم الأرشيفات البصرية للحرب.

 

وفي «روایت فتح» (رواية الفتح)، لم تكتفِ الكاميرا برصد العمليات العسكرية، بل اقتربت من الوجوه، وتأملت لحظات الصمت، ووثقت مشاهد قلما كانت تظهر في التقارير الرسمية.

 

 

نهاية الحرب؛ وبداية أسئلة جديدة

 

مع قبول قرار وقف إطلاق النار وانتهاء الحرب، بدا أن سينما الدفاع المقدس قد بلغت بدورها نهايتها؛ غير أن انتهاء المعارك العسكرية فتح أمامها مرحلة جديدة. فقد بدأ المخرجون هذه المرة يتتبعون حياة المقاتلين العائدين من الجبهة، وهم يحاولون التكيف مع مجتمع تغير كثيرًا.

 

وفي عقد التسعينيات بالتقويم الإيراني، انتقلت الحرب من الخنادق إلى المدن والبيوت. وأصبح المحاربون المصابون بالأسلحة الكيميائية، وعائلات الشهداء، والأسرى المحررون، والمفقودون، والمقاتلون الذين ظلوا يعيشون على وقع ذكريات الماضي، أبطالًا رئيسيين في الأفلام.

 

وكان «از كرخه تا راین» (من كَرخه إلى الراين) أحد أبرز أفلام هذه المرحلة، فقد تناول حاتمي‌كيا قصة محارب مصاب بالأسلحة الكيميائية يسافر إلى ألمانيا لتلقي العلاج.

 

ولم تعد الحرب هنا تُروى عبر أزيز الرصاص، وإنما كانت حاضرة في أنفاس المحارب المتعبة، وفي عينيه المصابتين، وفي الهوة التي نشأت بين جبهة الأمس وحياة اليوم.

 

أما «بوي بیراهن یوسف» (رائحة قميص يوسف)، فقدم حكاية الانتظار من خلال أب لا يزال يؤمن بعودة ابنه المفقود.

 

وربط فيلم «کیمیا» (كيميا)، من إخراج أحمد رضا درويش، الحرب بحياة امرأة وطفل تغير مصيرهما خلال أيام سقوط مدينة خرمشهر.

 

وفي «سفر به جزابه» (رحلة إلى جَزّابه)، يتجاوز الفيلم حدود الزمن ليعيد مقاتلًا سابقًا إلى ساحة الحرب، مؤكدًا أن الحرب قد تنتهي على الأرض، لكنها لا تنتهي بالضرورة في نفوس بعض الذين عاشوها.

 

وفي العقد نفسه، قدّم كمال تبريزي فيلم «لیلي با من است» (ليلى معي)، في تجربة مختلفة. ويروي الفيلم، بأسلوب كوميدي، قصة مصور يضطر إلى الذهاب إلى الجبهة للحصول على قرض سكني، لكنه كلما حاول الابتعاد عن الخطوط الأمامية وجد نفسه أقرب إليها.

 

وأثبت الفيلم أن الكوميديا يمكن أن تكون وسيلة لتناول الخوف والتحول والشجاعة، من دون الانتقاص من قيم الدفاع المقدس أو السخرية منها.

 

وكان «آجانس شیشه‌اي» (الوكالة الزجاجية) ذروة المقاربة الاجتماعية لتداعيات الحرب، فحاج كاظم، المقاتل السابق، لم يكن يواجه هذه المرة جيش العدو، بل كان يقف في مواجهة لامبالاة مجتمع يرى، من وجهة نظره، أن رفاقه في السلاح قد أصبحوا في طي النسيان.

 

وحوّل الفيلم الهوة بين جيل الحرب والمجتمع الذي نشأ بعدها إلى واحدة من أبرز القضايا الثقافية المثارة في عقد السبعينيات.

 

 

الحرب من منظور النساء والعائلات

 

كان ابتعاد سينما الدفاع المقدس عن النظرة الذكورية الخالصة إلى الحرب أحد أبرز التحولات التي شهدتها، ففي السنوات الأولى، كانت النساء يظهرن غالبًا في أدوار الأمهات المنتظرات، وزوجات المقاتلين، أو ضحايا هجمات العدو؛ لكن الأفلام أخذت تمنحهن تدريجيًا أدوارًا أكثر فاعلية وتعقيدًا.

 

وفيلم «باشو، غریبه کوجک» (باشو، الغريب الصغير)، من إخراج بهرام بيضائي، وإن لم يكن من الأفلام الحربية بالمعنى التقليدي، فإنه قدم واحدة من أكثر الصور إنسانية لتداعيات الحرب، فطفل من جنوب البلاد يفقد أسرته في القصف، ثم يلجأ إلى شمال إيران ويجد مأوى لدى امرأة من جيلان، وهكذا فصل الفيلم الحرب عن ساحة المعركة، وحوّلها إلى قضية وطنية وإنسانية تتجاوز الاختلافات القومية واللغوية.

 

وبعد سنوات، جعلت نرجس آبيار في فيلم «شیار ۱۴۳» (الخندق 143) انتظار أم لعودة ابنها محور الحكاية، فالحرب لا تظهر هنا بقدر ما تتجلى في ملامح أم عاشت سنوات طويلة بين الأمل وانتظار الخبر.

 

أما «ويلايي ها» (سكان الفيلات)، من إخراج منير قيدي، فتناول نساء يعشن بالقرب من الجبهة في انتظار أزواجهن، ويتحملن في الوقت نفسه أعباء الحياة وتربية الأبناء والقلق من وصول الأخبار المفجعة.

 

وجعل فيلم «دسته دختران» (فرقة الفتيات) مقاومة النساء في أيام احتلال خرمشهر محورًا رئيسيًا له.

 

وقد ذكّرت هذه الأفلام بأن تاريخ الحرب ليس تاريخ القادة والعمليات العسكرية وحدهم؛ فجانب كبير منه كُتب داخل بيوت أرسلت أبناءها وأفرادها إلى الجبهة، ثم عاشت سنوات طويلة مع تبعات الحرب.

 

 

عقد التجارب الكبرى والمكلفة

 

اتجهت سينما الدفاع المقدس خلال عقد الألفين بالتقويم الإيراني نحو إنتاج أفلام أضخم واستخدام أوسع للمؤثرات الخاصة. وكان «دوئل» (المبارزة)، من إخراج أحمد رضا درويش، أحد أبرز نماذج هذا التحول؛ إذ جاء بإنتاج ضخم وسعى إلى رفع المستوى التقني للسينما الحربية الإيرانية.

 

كما تناولت أفلام مثل «روز سوم» (اليوم الثالث)، و«به نام بدر» (باسم الأب)، و«میم مثل مادر» (ميم مثل الأم)، و«اتوبوس شب» (حافلة الليل)، و«فرزند خاك» (ابن التراب)، و«نفوذي» (المتسلل)، و«باداش سكوت» (ثمن الصمت)، الحرب وتداعياتها من زوايا مختلفة. وروى «روز سوم» (اليوم الثالث) مقاومة أهالي خرمشهر في قالب مشوق ومؤثر.

 

أما «اتوبوس شب» (حافلة الليل)، فقد جعل من العلاقة بين مقاتل شاب ومجموعة من الأسرى العراقيين، في إطار مكاني محدود، مدخلًا إلى إبراز الجوانب الإنسانية للحرب.

 

وتناول «به نام بدر» (باسم الأب) جيلًا ظل، بعد سنوات طويلة من انتهاء الحرب، ضحية للألغام التي خلفتها تلك المرحلة.

 

وفي العقد نفسه، حققت سلسلة «اخراجي ها» (المطرودون) جماهيرية واسعة من خلال الجمع بين الكوميديا والميلودراما والحرب. وأظهر نجاحها التجاري أن موضوع الدفاع المقدس لا يزال قادرًا على الوصول إلى الجمهور العام، وإن كانت طريقة تناولها ومستواها السينمائي قد أثارا الكثير من النقاش والانتقاد.

 

 

العودة إلى الواقع وظهور أبطال جدد

 

شهد عقد 2010 بالتقويم الإيراني دخول جيل جديد من المخرجين إلى سينما الدفاع المقدس، ولم يكن أبناء هذا الجيل قد عايشوا الحرب، لكنهم سعوا إلى إعادة بناء صورتها من خلال الوثائق والذكريات والصور الأرشيفية وشهادات الناجين.

 

وفي هذه المرحلة، ازداد الاهتمام بالواقعية، وبالسير الذاتية للقادة، وبإعادة بناء العمليات العسكرية بدقة.

 

وقدّم محمد حسين مهدويان في «ايستاده در غبار» (واقفًا في الغبار)، الذي يتناول حياة أحمد متوسليان، لغة جديدة في سينما الدفاع المقدس، وأسهم استخدام تسجيلات صوتية حقيقية، ولقطات تحاكي الصور الأرشيفية، وأداءات بعيدة عن المبالغة، في تقليص المسافة بين الفيلم الوثائقي والسينما الروائية.

 

أما «چ»، من إخراج إبراهيم حاتمي‌كيا، فتناول جانبًا من حياة الشهيد مصطفى جمران خلال أحداث باوه.

 

وفي «تنكه ابوقریب» (مضيق أبو قريب)، ركز بهرام توكلي على ساعات عصيبة من مقاومة كتيبة، ووضع المشاهد في قلب المعركة بصورة مباشرة.

 

كما وسعت أفلام «ماجراي نیمروز» (قصة منتصف النهار)، و«درخت كردو» (شجرة الجوز)، و«تك تیرانداز» (القناص)، و«یدو» (يدو)، و«دسته دختران» (فرقة الفتيات) نطاق الروايات التاريخية والحربية.

 

وأولت هذه الأعمال اهتمامًا أكبر من السابق بإعادة بناء تفاصيل المشاهد، وتصميم العمليات العسكرية، والاقتراب من الوقائع التاريخية.

 

 

من القادة البعيدين إلى الإنسان القريب

 

في السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام سينما الدفاع المقدس بحياة القادة والشخصيات البارزة في الحرب.

 

ففي «موقعیت مهدي» (موقع مهدى)، من إخراج هادي حجازي‌فر، ظهر الشهيد مهدي باكري لا بوصفه قائدًا عسكريًا فحسب، بل أخًا وزوجًا وإنسانًا له مشاعره وتردداته الخاصة.

 

وكان هذا المنظور جزءًا من خصوصية الفيلم؛ فالبطل لم يُقدَّم منذ البداية في صورة تمثال، وإنما ظهر أولًا كإنسان يعيش حياته اليومية. كما أسهمت علاقة مهدي وحميد باكري والمشاهد العائلية في تقريب هذه الشخصية التاريخية من المشاهد المعاصر.

 

وسار في الاتجاه نفسه فيلم «غریب» (الغريب)، الذي تمحور حول الشهيد محمد بروجردي، وفيلم «مجنون» (المجنون)، الذي تناول جانبًا من حياة الشهيدين مهدي ومجيد زين الدين، وفيلم «آسمان غرب» (سماء الغرب)، الذي ركز على الشهيد علي أكبر شيرودي.

 

وتكشف هذه الأعمال أن سينما الدفاع المقدس تتجه بصورة متزايدة نحو تناول السير الذاتية.

 

وتتمتع حياة القادة والشخصيات البارزة بإمكانات درامية واسعة، لكن هذا المسار ينطوي على تحدٍّ واضح أيضًا؛ فإذا قُدمت الشخصيات على أنها نماذج كاملة لا تشوبها شائبة وبعيدة عن متناول الناس، تقل قدرة الجمهور على التفاعل معها.

 

أما الأعمال الأكثر نجاحًا في هذا المجال، فهي التي تقدم إنسانية البطل قبل أن تستعرض عظمته.

 

 

لماذا بقيت بعض أفلام الدفاع المقدس حاضرة في الذاكرة؟

 

ليست الأفلام التي بقيت في ذاكرة الجمهور بالضرورة الأكثر تكلفة أو الأكثر حشدًا للأحداث في هذا المجال. وما يجمع الأعمال الناجحة هو اهتمامها بالإنسان والحكاية.

 

فقد رسخ «دیده‌بان» (المراقب) في الذاكرة من خلال وحدة مقاتل، و«برواز در شب» (التحليق ليلًا) من خلال عطش كتيبة، و«از كرخه تا راین» (من كَرخه إلى الراين) من خلال معاناة محارب مصاب، و«آجانس شیشه‌اي» (الوكالة الزجاجية) من خلال غضب مقاتل منسي، و«شیار ۱۴۳» (الخندق 143) من خلال انتظار أم، و«تنكه ابوقریب» (مضيق أبو قريب) من خلال التوتر الذي يرافق ساعات من المقاومة، و«موقعیت مهدي» (موقع مهدي) من خلال علاقة شقيقين.

 

في هذه الأفلام، تشكل الحرب خلفية تكشف شخصية الإنسان. يبدأ المشاهد بالتعلق بشخص وقضيته، ثم يتعرف، من خلال الحكاية، إلى مفاهيم مثل التضحية والوطن والمقاومة والشهادة.

 

وعلى العكس من ذلك، كلما حلّ الشعار محل بناء الشخصية، أو اكتفى الفيلم بإعادة تمثيل العمليات العسكرية واستعراض المعدات الحربية، تراجعت صلته بالجمهور؛ فالسينما، قبل أن تكون وسيلة لتوثيق الأحداث، هي فن رواية الإنسان.

 

كنز لم يُروَ بعد

 

على الرغم من إنتاج عشرات الأفلام عن الدفاع المقدس، لا تزال أجزاء واسعة من هذا التاريخ خارج دائرة التناول السينمائي أو لم تحظَ بالاهتمام الكافي.

 

فحياة سكان المدن الحدودية، ودور المسعفين والأطباء، ونزوح العائلات، وأطفال الحرب، والأسرى الإيرانيون والعراقيون، وتداعيات الهجمات الكيميائية، وحياة المحاربين المصابين، وتجربة الأسرى المحررين، والنساء المقاومات في المدن، ومصير الجيلين الثاني والثالث من عائلات المتأثرين بالحرب، كلها موضوعات يمكن أن تكون محور عشرات الأفلام.

 

كما أن سينما الدفاع المقدس لم تتناول بما يكفي الحياة اليومية للناس في مؤخرة الجبهة، والاقتصاد والثقافة خلال سنوات الحرب، ودور مختلف القوميات، وتجربة المدن التي ظلت لسنوات تحت وطأة الهجمات الصاروخية والجوية.

 

وتشكل الروايات الشفوية للمقاتلين والعائلات ثروة أخرى يهددها النسيان مع مرور الزمن. فكثير ممن شهدوا الحرب مباشرة بلغوا اليوم سن الشيخوخة، ويمكن لتوثيق شهاداتهم أن يوفر مادة أساسية لأعمال تقدم صورة أكثر تنوعًا وواقعية عن تلك المرحلة.

 

 

 

سينما الدفاع المقدس تحتاج إلى الحكاية كي تظل حية

 

بعد أكثر من أربعة عقود، لا تحتاج سينما الدفاع المقدس، لكي تواصل مسيرتها، إلى الميزانيات والمعدات والإنتاجات الضخمة وحدها؛ فأهم ما تحتاج إليه هو سيناريوهات قادرة على إقامة جسر بين التاريخ والمشاهد المعاصر.

 

فالجيل الذي يرتاد دور السينما اليوم لم يعش الحرب المفروضة، ومعرفته بتلك السنوات تتشكل بدرجة كبيرة من خلال الأفلام والكتب والأفلام الوثائقية والروايات العائلية، ولذلك لا يمكن استقطاب هذا الجمهور بمجرد تكرار الأنماط والصور المألوفة.

 

وتصبح سينما الدفاع المقدس أكثر قدرة على التأثير عندما تطرح الأسئلة، وتتعامل مع تعقيدات الإنسان، ولا تخشى من إظهار الخوف والتردد، وتقدم أبطالها في صورة بشر يمكن للجمهور أن يجد نفسه فيهم.

 

ويصبح الدفاع عن الوطن أكثر رسوخًا في الذاكرة عندما يُقدَّم باعتباره خيارًا صعبًا وإنسانيًا، لا مجرد جملة أو شعار.

 

من «مرز» (الحدود) إلى «موقعیت مهدي» (موقع مهدي)، ومن «عقاب‌ها» (النسور) إلى «تنكه ابوقریب» (مضيق أبو قريب)، ومن «برواز در شب» (التحليق ليلًا) إلى «شیار ۱۴۳» (الخندق 143)، ظلت سينما الدفاع المقدس تتغير وتتجدد؛ فانتقلت من سينما العمليات والأبطال الذين لا يُهزمون إلى سينما البشر المتعبين والجرحى والعاشقين والآملين، وأحيانًا المنسيين.

 

ولا تزال هذه السينما قادرة على أن تكون أحد أهم الأنواع السينمائية في إيران، شريطة ألا تبحث عن الحرب في الدبابات والخنادق والانفجارات فحسب.

 

فالحرب تترك حقيقتها، قبل أي شيء، في مصائر البشر: في أم تنتظر سنوات، وفي محارب مصاب يعيش مع ذكرياته، وفي مدينة أعيد بناؤها لكنها لم تنسَ، وفي جيل لم يشهد الحرب، لكنه لا يزال يعيش مع آثارها.

 

ولعل سر بقاء سينما الدفاع المقدس يكمن هنا تحديدًا؛ فقد انتهت الحرب ذات يوم، لكن حكاياتها لم تنتهِ بعد.

المصدر: الوفاق