للمؤلف أكرم شمص

«المطبخ السري».. من يصنع القرار الأميركي وكيف يصل إلينا؟

خاص الوفاق: في تناوله دونالد ترامب، يعرض الدكتور شمص تفسيره للصراع بين الرئاسة والمؤسسات، وللعلاقة بين أسلوب القيادة واستمرار المصالح الأميركية.

لا تبدأ معرفة السياسة الأميركية عند باب البيت الأبيض، ولا تنتهي عند تصريحات الرئيس. فبين المصالح التي تتحول إلى أولويات، والأفكار التي تصبح استراتيجيات، والمؤسسات التي تتولى التنفيذ، تتشكل مساحة واسعة لفهم القرارات وانعكاساتها على العالم.

 

إلى هذه المساحة يتجه الدكتور أكرم شمص في كتابه «المطبخ السري.. كيف يُطبخ مصيرنا في واشنطن؟»، واضعاً العراق ولبنان وغزة في مركز قراءته للعلاقة بين صناعة القرار الأميركي وأدوات النفوذ في المنطقة.

 

يطرح الكتاب سؤالاً يتجاوز متابعة الأحداث: كيف تُنتج السياسات التي نعيش نتائجها؟ ومن يشارك في صياغة الخيارات قبل أن تظهر في خطاب رئاسي أو قرار عقوبات أو مسار تفاوضي؟

 

وعلى امتداد ستة أبواب، يبني المؤلف مساراً يبدأ بتشريح العقل السياسي والمؤسساتي في واشنطن، ويمر بالاقتصاد والإعلام والمجتمع المدني، وصولاً إلى مناقشة التحولات الدولية وإمكانات توسيع استقلال القرار في دول المنطقة.

 

خلف واجهة الرئاسة

 

تقوم الأطروحة الأساسية للكتاب على أن تفسير السياسة الأميركية من خلال شخصية الرئيس وحدها يظل تفسيراً ناقصاً. فالرئيس يعمل داخل شبكة تضم الكونغرس والوزارات والأجهزة الأمنية والعسكرية والشركات ومراكز الأبحاث وجماعات الضغط. وتملك هذه الأطراف موارد وخبرات ومصالح تؤثر في تحديد الخيارات وفي تنفيذها.

 

وفي هذا السياق، يستخدم الدكتور شمص مفهوم «المثلث الحديدي» لتناول العلاقات بين الكونغرس والبيروقراطية ومجموعات المصالح، مع تركيز على قطاع الدفاع. وتكمن أهمية هذا المدخل في نقل النقاش من النوايا المعلنة إلى آليات التمويل والتشريع والتعاقد، حيث يمكن تتبع العلاقة بين المصلحة الاقتصادية والقرار السياسي.

 

أما تعبير «الدولة العميقة»، الذي يحتل موقعاً بارزاً في الكتاب، فيستخدمه المؤلف للإشارة إلى استمرارية المؤسسات وشبكات النفوذ خلف تبدل الإدارات.

 

وتقتضي القراءة الدقيقة هنا التمييز بين استمرارية البيروقراطية، والتنافس المشروع بين المؤسسات، والتأثير غير المتكافئ للمصالح الخاصة. فهذه ظواهر متداخلة، لكنها لا تختزل بالضرورة في إرادة واحدة متجانسة.

 

ومن هذه الزاوية، يفتح الكتاب نقاشاً مهماً حول العلاقة بين سلطة المنتخبين وذاكرة المؤسسات: إلى أي حد يستطيع الرئيس تغيير الاتجاه؟ ومتى يتحول التغيير في الأشخاص إلى تغيير في السياسات؟

 

حين تصبح المعرفة جزءاً من القوة

 

يمنح «المطبخ السري» الأفكار موقعاً أساسياً في تفسير النفوذ. فهو يناقش مراكز الأبحاث واللوبيات، ويتوقف عند أطروحات مثل «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، متسائلاً عن انتقال النظريات من المجال الأكاديمي إلى لغة تبرر خيارات سياسية.

 

وهذه من المسائل الجديرة بالنقاش في الكتاب؛ لأن السياسة تحتاج إلى تصورات تحدد ما يُعد خطراً، وما يُقدَّم باعتباره مصلحة، وما يبدو ممكناً أو مستحيلاً. وحين تنتشر هذه التصورات في الإعلام والمؤسسات، فإنها تسهم في تشكيل حدود النقاش العام.

 

لكن تحليل التأثير الفكري يحتاج بدوره إلى تتبع مساراته: من تبنى الفكرة؟ وكيف دخلت إلى الوثائق والخطابات؟ وهل أثرت في القرار أم استُخدمت لتبريره بعد اتخاذه؟ وتمنح هذه الأسئلة أطروحة الكتاب مجالاً لبحوث أكثر تفصيلاً حول العلاقة بين المعرفة والسلطة.

 

الاقتصاد والإعلام واتساع أدوات التأثير

 

ينتقل المؤلف إلى الاقتصاد، متناولاً العقوبات والعملة والتمويل وشروط الاعتماد على الخارج. ويقدم السيادة بوصفها قدرة عملية تتصل بالإنتاج والتمويل وتعدد الخيارات، إلى جانب بعدها القانوني والسياسي.

 

وتبرز قيمة هذه المقاربة في ربط النقاش الدولي بالحياة اليومية. فالقرار الاقتصادي الخارجي قد يصل إلى المواطن من خلال كلفة الاستيراد، أو فرص العمل، أو إمكان الحصول على الخدمات. وبذلك يصبح بحث الاستقلال الاقتصادي بحثاً في قدرة المجتمع على تحمل الصدمات وحماية احتياجاته الأساسية.

 

وفي المجال الإعلامي، يناقش الكتاب الصورة والسينما والمنصات والخوارزميات ضمن تصوره للحرب الإدراكية. فالصراع، بحسب هذه القراءة، يشمل التأثير في تفسير الأحداث، وتحديد المسؤوليات، وصناعة التوقعات.

 

وتستدعي هذه المعالجة التمييز بين التأثير والتضليل، وبين النقد والتلاعب. فوجود مصالح لدى مؤسسة إعلامية أو جهة ممولة يبرر التدقيق في عملها، لكنه لا يغني عن فحص كل ادعاء وأدلته.

 

وينطبق المبدأ نفسه على تناول المجتمع المدني، الذي يقرأ المؤلف بعض أدواره ضمن أدوات النفوذ الخارجي. وهذه مساحة تتطلب الفصل بين استقلال الجمعيات أو تبعيتها استناداً إلى التمويل والحوكمة والممارسة الفعلية؛ إذ لا يكفي تصنيف واحد للحكم على قطاع واسع ومتنوع.

 

العراق ولبنان وغزة بوصفها حالات اختبار

 

يخصص الكتاب باباً للعراق ولبنان وغزة، محاولاً وصل التحليل النظري بتجارب المنطقة. ويناقش من خلالها تفاعل التدخل العسكري والضغط الاقتصادي والخطاب السياسي مع البنى المحلية.

 

وتنبع أهمية جمع هذه الحالات من اختلافها. فهي تتيح السؤال عن تنوع الأدوات والنتائج، وعن الحدود التي تصطدم بها القوى الخارجية. غير أن المقارنة تصبح أكثر تفسيراً حين تحفظ خصوصية كل حالة، وتمنح السياسات المحلية والانقسامات الداخلية والخيارات الاقتصادية وزنها، إلى جانب أثر التدخل الخارجي.

 

وفي تناوله دونالد ترامب، يعرض الدكتور شمص تفسيره للصراع بين الرئاسة والمؤسسات، وللعلاقة بين أسلوب القيادة واستمرار المصالح الأميركية. ويطرح بذلك إشكالية مركزية: ما الذي يتغير بتغير الرئيس، وما الذي يبقى محكوماً بتحالفات ومصالح أوسع من ولايته؟

 

السيادة باعتبارها مشروع بناء

 

في أبوابه الأخيرة، يتجه الكتاب إلى المستقبل، مقترحاً تنويع الشراكات، وتعزيز الإنتاج، وحماية البيانات، وتطوير القدرات المعرفية والمؤسساتية.

 

وهنا يبلغ سؤاله الأكثر اتصالاً بحاجات المنطقة: كيف تتحول معرفة أدوات الضغط إلى سياسات تقلل التعرض لها؟ فتنويع الشركاء يحتاج إلى حساب الكلفة والمصلحة، والسيادة الرقمية تحتاج إلى كفاءات وقواعد لحماية الحقوق، والاستقلال الاقتصادي يحتاج إلى إدارة ومحاسبة واستثمار طويل الأجل.

 

يكتب أكرم شمص من موقع نقدي واضح تجاه السياسة الأميركية، ويستخدم لغة تجمع بين التحليل السياسي والسرد التفسيري. وتكمن مساهمة «المطبخ السري» في جمع مستويات متعددة للقوة داخل إطار واحد، ودفع القارئ إلى النظر خلف الحدث نحو المصالح والمؤسسات والأفكار التي تشارك في إنتاجه.

 

إنه كتاب يضع على طاولة النقاش سؤالين مترابطين: كيف تُصنع القرارات التي تؤثر في منطقتنا؟ وكيف نبني القدرة على المشاركة في تشكيل مستقبلنا؟ وبين السؤالين تتحدد مسؤولية المعرفة السياسية: تفسير القوة، وفهم حدودها، وتحويل هذا الفهم إلى خيارات قابلة للعمل والتقييم.

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة