تتجه إيران إلى تطوير منظومة خدماتها السياحية وتعزيز قدرتها على استقطاب الزوار الأجانب، من خلال حزمة من الإجراءات التي تستهدف تسهيل دخول السياح، ومعالجة التحديات التي تواجه المنشآت السياحية، وتوسيع التعاون مع الأسواق المجاورة، إلى جانب تنشيط النقل الجوي وتطوير السياحة العلاجية والثقافية. وتأتي هذه التحركات في إطار مساعيها لاستعادة زخم السياحة الوافدة، وتحسين تجربة الزوار، والاستفادة من المقومات الطبيعية والتاريخية والعلاجية التي تزخر بها مختلف مناطق البلاد.
وفي هذا السياق، أكد وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، خلال اجتماع مع الاتحادات والجمعيات المهنية السياحية، أن القيود المفروضة على الرحلات الجوية وتحذيرات السفر تشكل من أبرز التحديات أمام استعادة الحركة السياحية الدولية، مشدداً على ضرورة توظيف الإمكانات الدبلوماسية وتوسيع العلاقات الإقليمية لإعادة ربط إيران بالأسواق السياحية المستهدفة.
العراق في صدارة الأسواق السياحية المستهدفة
وأشار سيد رضا صالحي أميري، إلى أهمية الأسواق المجاورة، ولا سيما العراق وأذربيجان وأرمينيا وطاجيكستان، موضحاً أن نسبة كبيرة من السياح الوافدين خلال شهري أغسطس وسبتمبر، کان من العراق، ما يعكس أهمية هذا السوق في تنشيط القطاع السياحي الإيراني.
وفي هذا الإطار، تتضمن الخطط تسهيل دخول السياح العراقيين عبر المنافذ البرية الغربية، وربط هذه المسارات بشبكة الرحلات الجوية الداخلية، بما يتيح لهم الوصول بسهولة إلى وجهات سياحية متنوعة، من بينها مدينة مشهد المقدسة وأصفهان وشيراز والمناطق الشمالية من البلاد. كما يجري التنسيق مع محافظات إيلام وكرمانشاه وآذربايجان الغربية لتعزيز التعاون السياحي مع العراق، ضمن توجه يستهدف جذب عشرة ملايين سائح بين البلدين.
تسهيلات مالية لتحسين تجربة الزوار
وعلى صعيد تحسين الخدمات المالية المقدمة للزوار الأجانب، أعلن صالحي أميري استكمال آلية تحويل العملات الأجنبية التي يحملها السياح عند منافذ الدخول الجوية والبرية والبحرية، بحيث تتولى البنوك المعنية تحويلها وفق سعر السوق غير الرسمي، بعد اقتطاع عمولة تبلغ 2%. وقد أبدت بنوك «شهر» و«ملت» و«رفاه» استعدادها لتنفيذ هذه الآلية، التي تسمح لكل سائح بإدخال ما يصل إلى 10 آلاف دولار، مع احتساب السقف بصورة مستقلة لكل فرد من أفراد الأسرة.
وتتيح الآلية الجديدة للسياح الاحتفاظ بالعملات المتبقية لاستخدامها خلال زيارات لاحقة، أو استرداد قيمتها بالريال الإيراني عند مغادرة البلاد، وفق سعر الصرف السائد وبعد خصم العمولة، بما يوفر مرونة أكبر في التعاملات المالية خلال الرحلة السياحية.
تأهيل الفنادق وتوسيع فرص الاستثمار السياحي
وفي موازاة ذلك، تعمل الوزارة على معالجة المشكلات القانونية والإنشائية التي تواجه عدداً من الفنادق القديمة، ولا سيما ما يتعلق بشهادات إتمام البناء والتصديق على متانة المنشآت. وقد أُعدّت آلية قانونية تسمح لهذه الفنادق بمواصلة نشاطها وتنفيذ أعمال الترميم والتأهيل والتدعيم، تمهيداً لاستكمال إجراءات اعتمادها، بما يسهم في الحفاظ على الطاقة الاستيعابية للقطاع الفندقي وصون المباني ذات القيمة التاريخية.
كما تبرز الحاجة إلى تحسين ظروف تشغيل المنشآت السياحية، من خلال مراجعة تعرفة الطاقة وتكاليف الكهرباء، بهدف تخفيف الأعباء التشغيلية عن الفنادق ومراكز الإقامة ومنشآت السياحة البيئية، ومساعدتها على الارتقاء بمستوى الخدمات وتعزيز قدرتها على استقبال الزوار.
وفي سياق توسيع فرص الاستثمار السياحي، أشار صالحي أميري إلى طرح نحو 50 مشروعاً استثمارياً في المجمعات السياحية الواقعة على ضفاف السدود ومصادر المياه، بهدف استثمار المقومات الطبيعية وتطوير مرافق الإقامة والترفيه، وإضافة خيارات جديدة إلى المنتجات السياحية المتاحة أمام الزوار.
السياحة العلاجية والمتاحف في مسار التطوير
وتحظى السياحة العلاجية أيضاً بمكانة مهمة ضمن خطط تطوير القطاع، إذ أُقرت لائحة مجلس توجيه هذا المجال بعد نحو عامين من الدراسات والتشاور مع الجهات المعنية، بمشاركة مؤسسات حكومية ومهنية وممثلين عن القطاع الخاص. ويهدف هذا الإطار إلى تعزيز التنسيق بين الجهات المسؤولة، وتسهيل استقبال المرضى الأجانب، ولا سيما القادمين من أفغانستان، ومعالجة التحديات المرتبطة بإجراءات التأشيرات والنقل الجوي، بما يدعم حضور إيران في سوق السياحة العلاجية الإقليمية.
أما في مجال السياحة الثقافية، فتضم إيران نحو 800 متحف، من بينها قرابة 300 متحف تحت إشراف وزارة التراث الثقافي. وتواصل مواقع تاريخية وثقافية بارزة، مثل حافظية وسعدية وتخت جمشيد، استقبال الزوار، فيما لا تزال بعض المتاحف التي تحتضن مقتنيات ثمينة خاضعة لقيود أمنية. وأكد صالحي أميري أن إعادة فتح هذه المتاحف ستتم خلال خمسة أيام من الحصول على الموافقات اللازمة، مع إعطاء الأولوية لحماية الآثار والمقتنيات التاريخية.
استعادة الرحلات الجوية وتعزيز الترويج الدولي
وفيما يتعلق بالنقل الجوي، شدد صالحي أميري على أن استعادة الرحلات الدولية وإلغاء تحذيرات السفر يمثلان عاملين أساسيين في تنشيط السياحة الوافدة، مشيراً إلى استمرار الاتصالات مع عدد من الدول، من بينها العراق والإمارات وسلطنة عُمان وتركيا وقطر والصين وروسيا وأذربيجان، بهدف إعادة تشغيل الخطوط الجوية وتوسيعها، وتحسين الخدمات المقدمة في المطارات.
كما أكد أهمية الاستفادة من المنظمات والتكتلات الإقليمية، مثل منظمة التعاون الاقتصادي «إيكو» ومنظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومجموعة «بريكس»، لتوسيع التعاون السياحي وفتح قنوات جديدة للتواصل مع الأسواق المستهدفة، وتعزيز فرص الترويج للوجهات الإيرانية على المستوى الدولي.
من جانبهم، طرح ممثلو القطاع السياحي مجموعة من المقترحات الرامية إلى تحسين بيئة العمل وتطوير الخدمات، شملت تسهيل إصدار التراخيص وتسريع صرف التسهيلات المالية، ودعم المرشدين السياحيين ومكاتب السفر، وتنشيط السياحة الداخلية ورفع نسب إشغال المنشآت، إلى جانب توسيع الحملات الترويجية الدولية والتعريف بالوجهات الأقل شهرة، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التسويق السياحي.
وتعكس هذه الإجراءات توجهاً نحو تطوير السياحة الإيرانية عبر معالجة التحديات التي تواجه مختلف حلقات القطاع، بدءاً من تسهيل دخول الزوار وتحسين معاملاتهم المالية، مروراً بتأهيل المنشآت وتوسيع خيارات الإقامة والعلاج والاستكشاف الثقافي، وصولاً إلى تعزيز الربط الجوي والتعاون مع الأسواق الإقليمية والدولية، بما يدعم جاذبية إيران وجهةً سياحية متنوعة.