«الوفاق» تستعرض ماراثون الدبلوماسية خلال الأيام الماضية

مشاورات مكثّفة لمنع الحرب.. وطهران ترهن التفاوض بالتنفيذ

الوفاق/ شهدت الدبلوماسية الإقليمية أسبوعاً حافلاً بالنشاط، مع تنقل الوسطاء القطريين بين طهران والدوحة، وتوجيه نائب الرئيس الأميركي رسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في وقت كشف فيه وزير الخارجية الإيراني عن وجود مقترح جديد تبلغ مدة تنفيذه يومين؛ وهو مقترح تبلور بعدما طلبت قطر تقليص مدة تنفيذ الخطة الإيرانية إلى خمسة أيام. وتُظهر تصريحات عباس عراقجي أن محور المشاورات لا يقتصر على اختصار الجدول الزمني؛ إذ إن القضية الأساسية تتمثل في تنفيذ الشروط التي ترى طهران أنها يجب أن تمهد الطريق لإعادة فتح مضيق هرمز، ومن ثم العودة إلى المفاوضات.

ودلّت زيارات الوفود القطرية، واجتماع كبار المسؤولين من السعودية وباكستان وتركيا في طهران، وتأكيد تلقي رسالة من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، خلال الفترة الممتدة من الأحد 26 أكتوبر إلى السبت 31 أكتوبر 2026، جميعها على استمرار نشاط القنوات الدبلوماسية لتجنب تجدد اشتعال حرب شاملة في المنطقة.

 

 

وخلال الأسبوع الماضي، نشرت وسائل الإعلام سلسلة من التكهنات بشأن مضمون الرسالة الأميركية، والمقترحات النووية، والامتيازات الاقتصادية، والتقدم المحرز في المحادثات؛ وهي ادعاءات لم يُؤكَّد أيٌّ منها حتى الآن.

 

 

وقدّم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم السبت (31 أكتوبر) في مقابلة مع قناة الجزيرة، صورة أوضح عن موضوع المشاورات، موضحاً أن رسالة فانس خضعت للدراسة على أعلى المستويات، وأن الوسطاء القطريين والباكستانيين يواصلون اتصالاتهم بشأن الشروط الإيرانية، وأن وفداً إيرانياً رفيع المستوى، برئاسة أحد نواب وزير الخارجية، توجه إلى الدوحة لمواصلة المشاورات.

 

 

ومع ذلك، أكد أنه لا توجد حالياً أي خطط للقاء مسؤولين أميركيين، رغم أن إيران أبدت مرونة كبيرة في إطار الجدول الزمني لإعادة فتح مضيق هرمز وبدء مفاوضات المرحلة الثانية، في حال تنفيذ شروطها.

 

 

 

 أسبوع من الزيارات والاتصالات.. من طهران إلى الدوحة

 

 

يوم الأحد (26 أكتوبر)، توجّه وفد قطري إلى طهران لإجراء محادثات مع المسؤولين الإيرانيين. وأعلنت وزارة الخارجية القطرية أن الهدف من الزيارة هو دعم جهود الوساطة. وادّعت صحيفة «نيويورك تايمز» أن رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس سُلّمت في اليوم نفسه عبر الوسطاء القطريين، فيما أفادت وكالة رويترز بتقديم مسودة مبادرة جديدة لإنهاء الحرب.

 

 

ولا تتعارض الروايتان المذكورتان بالضرورة؛ إذ كان من الممكن أن يكون نقل رسالة مسؤول أميركي ومبادرة مقترحة من الوسيط مدرجين معاً على جدول أعمال زيارة الوفد. ورغم أن مقابلة عراقجي مع الجزيرة لم تؤكد اليوم الذي جرى فيه تسلّم رسالة نائب الرئيس الأميركي على وجه الدقة، فإنها أكدت رسمياً وجود هذه الرسالة. وفي الوقت نفسه، فإن إشارته المقتضبة إلى المبادرة القطرية ذات الأيام الخمسة، ومرونة إيران في تقليص المدة إلى يومين، تدل على وجود مبادرة جديدة.

 

 

يوم الاثنين (27 أكتوبر)، التقى وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، في طهران، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي. وقد عكست الطبيعة العسكرية والأمنية للمشاركين أهمية قضية الأمن الإقليمي. ومع ذلك، لم يتضح ما إذا كانت هذه الدول الثلاث قد قدّمت إلى إيران مبادرة جديدة أو خطة لإنهاء الحرب، إلى جانب القضايا المشتركة التي تهمّ الأطراف الثلاثة، ولا سيما مسألة الأمن الإقليمي.

 

 

يوم الجمعة (30 أكتوبر)، وصل الوفد القطري مجدداً إلى طهران. وترأس هذا الوفد المستشار الأقدم لرئيس الوزراء وزير الخارجية القطري. وادّعى موقع أكسيوس الإخباري أن المحادثات خلال هذه الزيارة استمرت أكثر من اثنتي عشرة ساعة، وأن الوسطاء كانوا على اتصال منتظم بالبيت الأبيض خلالها. كما ادّعى الموقع، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، حدوث «تقدم إيجابي» في هذه المحادثات. وربما تشكل زيارة الوفد الإيراني إلى الدوحة بعد يوم واحد مؤشراً يؤكد التقدم الإيجابي الذي تحقق في محادثات طهران يوم الجمعة.

 

 

 

 رسالة فانس تخضع لدراسة دقيقة في طهران

 

 

أوضح عراقجي، يوم السبت، أن رسالة فانس، التي كشفت وسائل الإعلام الأميركية عن وجودها يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي، خضعت للدراسة بدقة، وطُرحت في اجتماعات على أعلى المستويات. ومع ذلك، لم تُنشر رسمياً أي تفاصيل دقيقة عن مضمون هذه الرسالة.

 

 

ووصف وزير الخارجية، في مقابلة مع قناة الجزيرة، مساعي الجانب الأميركي لفتح باب الحوار والتوصل إلى تفاهم أوسع بأنها خطوة إيجابية؛ لكنه حذر في الوقت نفسه من أنه إذا كان هدف واشنطن من هذه الرسالة إحداث انقسامات، فإن ذلك سيضيف خطأً آخر إلى أخطائها السابقة.

 

 

وادّعى كبير كتّاب الأعمدة في صحيفة «واشنطن بوست» ديفيد إغناتيوس، في مقال نقلاً عن مسؤول أميركي مطلع على المفاوضات، أن فانس أعرب عن استعداده للقاء رضائي شخصياً. كما ادّعى أن واشنطن تطالب بتسمية ممثلين يمتلكون صلاحية مناقشة القضايا النووية.

 

 

في مواجهة هذه الادّعاءات، يبدو موقف عراقجي المعلن واضحاً: «لا توجد حالياً أي خطط للقاء مسؤولين أميركيين». كما أكد أن اتخاذ القرار بشأن ما إذا كانت المفاوضات ستكون مباشرة أم غير مباشرة سيجري بعد موافقة واشنطن على الشروط الإيرانية. وبالتالي، فإن تحديد شكل المفاوضات، من وجهة نظر طهران في الوقت الراهن، يأتي في نهاية هذه المرحلة وليس في بدايتها.

 

 

شروط إيران.. تخفيف الضغوط وليس وعوداً بانفراج مستقبلي

 

 

شكّل توضيح مطالب طهران للموافقة على إعادة فتح مضيق هرمز وبدء المرحلة الثانية من المفاوضات جزءاً مهماً من مقابلة عراقجي. وقد صنّف وزير الخارجية الإيراني، في حديثه مع الجزيرة، الشروط الإيرانية العامة ضمن أربع فئات:

 

 

  • رفع العقوبات: تحدّث عراقجي عن رفع العقوبات المفروضة بعد مذكرة تفاهم إسلام آباد، وإعادة العمل بالإعفاءات النفطية. وفي هذا الإطار، فإن اتخاذ طهران أي خطوة مشروط باتخاذ واشنطن خطوات محددة، وليس بتقديم وعود بتنفيذها في المستقبل.

 

  • الإفراج عن الأصول: طالب وزير الخارجية بالإفراج عن جميع الأصول الإيرانية المجمدة، بما في ذلك الأصول الموجودة في قطر. ويأتي ذلك في حين كان موقع أكسيوس قد ادّعى أن واشنطن مستعدة فقط للإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية لشراء المواد الغذائية والسلع الإنسانية.

 

  • المتطلبات الأمنية: يُعدّ تقليص عدد القوات الأميركية في المنطقة ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، من المطالب الأخرى لطهران. وفي هذا الإطار، لا تُعدّ إعادة فتح مضيق هرمز قضية منفصلة عن الوضع العسكري في المنطقة، بل جزءاً من ترتيبات يجب أن تؤدي إلى الحدّ من العوامل المسببة لانعدام الأمن.

 

  • الترتيبات البحرية: ربط عراقجي أيضاً إعادة فتح المضيق بقبول مسار الملاحة البحرية الجديد الذي حددته إيران وسلطنة عمان، وإغلاق المسارات الأخرى.

 

تُظهر هذه المجموعة من الشروط أن موضوع المشاورات لا يقتصر على حجم الامتيازات الاقتصادية والمالية. فرفع القيود المالية والنفطية، وتخفيف الضغوط العسكرية، ووقف الحرب، والترتيبات المتعلقة بمضيق هرمز، تشكل جميعها عناصر مترابطة للعبور من هذه المرحلة والدخول في المرحلة التالية.

 

 

وقدّم عراقجي التوضيح الأكثر وضوحاً بشأن دور قطر، مشيراً إلى أن الجانب القطري اقترح تقليص مدة تنفيذ المقترح الإيراني إلى خمسة أيام، وأن مقترحاً تبلور في المرحلة الحالية يقضي بتقليص مدة التنفيذ إلى يومين. ومع ذلك، فإن إبداء المرونة في الجدول الزمني لا يعني بحد ذاته التنازل عن مضمون المطالب.

 

 

أولوية تنفيذ الالتزامات.. المفاوضات بعد تهيئة الظروف

 

 

اعتبر عراقجي أن إعادة فتح مضيق هرمز وفقاً للشروط الإيرانية من شأنها أن تمهد الطريق لاستئناف المفاوضات، وأرجأ اتخاذ القرار بشأن شكل المفاوضات إلى ما بعد موافقة واشنطن على هذه الشروط.

 

 

في هذا الإطار، وخلافاً لبعض التكهنات التي نشرتها وسائل الإعلام العربية والأميركية بشأن سفر الوفد الأميركي إلى الدوحة وبدء المفاوضات الإيرانية – الأميركية، لا يمكن حتى الآن الحديث عن انطلاق المفاوضات، لأن التصور الإيراني لبدء المفاوضات يربط ذلك بقبول الشروط أولاً.

 

 

في المقابل، يدّعي موقع أكسيوس أن واشنطن تريد طرح الملف النووي منذ بداية العملية، وأن قطر تسعى إلى إقناع إيران بالموافقة على وصول المفتشين إلى المنشآت التي تعرضت للقصف، مقابل تخفيف العقوبات، بما في ذلك الإفراج عن جزء من الأموال لتمويل المشتريات الإنسانية. غير أن توضيحات عراقجي أظهرت أن طهران ليست مستعدة لقبول مثل هذه الصيغة لبدء المفاوضات النووية.

 

 

في الوقت الراهن، يبدو أن الخلاف الجدّي بشأن أسبقية تنفيذ الالتزامات والجدول الزمني للمفاوضات النووية لا يزال العقبة الرئيسية أمام انطلاق المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

 

 

ويشير وجود الوفد الإيراني في الدوحة واستمرار اتصالات الوسطاء القطريين والباكستانيين إلى أن المسار الدبلوماسي لم يُغلق. وقد أعرب عراقجي عن تقديره لجهود هذين البلدين، مؤكداً استمرار المشاورات بشأن الشروط الإيرانية، ومشدداً على أنه لا توجد حتى الآن أي مفاوضات مع واشنطن مدرجة على جدول الأعمال.

 

 

وفي ختام أسبوع من المشاورات المكثفة، أبدت طهران، من جهة، مرونة بشأن مدة تنفيذ مقترحها، ومن جهة أخرى، أوضحت بصورة جلية شروطها الاقتصادية والأمنية. ورغم أنه لا يمكن الحديث عن الاقتراب من التوصل إلى اتفاق، فإنه بات بالإمكان تحديد موضع الاختبار بصورة أوضح، ويتمثل في ردّ واشنطن العملي على الشروط التي أُعلن عن جزء مهم منها بصورة علنية.

 

 

وتستند رسالة عراقجي الأخيرة أيضاً إلى هذين المسارين: السعي إلى الدبلوماسية، بالتوازي مع الاستعداد لاحتمال فشلها. فهو لم يستبعد احتمال عودة الحرب، وأكد أن إيران مستعدة لجميع السيناريوهات.

 

 

وبذلك، فإن استمرار المشاورات في الدوحة لا يعني التخلي عن الجاهزية الدفاعية، تماماً كما أن الاستعداد لأي تصعيد محتمل للتوتر لا يعني إغلاق باب التفاهم. فلا تزال طهران تمنح الدبلوماسية فرصة؛ لكنها لا تربط أمنها بنتائجها.

 

 

المصدر: الوفاق / خاص