لم تعد موجة الاحتجاجات التي تجتاح عدداً من الدول الأوروبية مجرد تحركات مطلبية متفرقة يمكن احتواؤها ببيانات حكومية ووعود مؤجلة، بل تحولت إلى مؤشر على أزمة أعمق تضرب العلاقة بين الحكومات والمجتمعات، وتكشف اتساع الهوة بين الخطاب الأوروبي عن الرفاه والعدالة الاجتماعية، وبين واقع معيشي يزداد قسوة على قطاعات واسعة من المواطنين. فمن فرنسا وألمانيا إلى البرتغال وإسبانيا وإيطاليا وألبانيا، تتصاعد التحركات على خلفية الغلاء وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة، فيما يجد الشباب أنفسهم أمام مستقبل أكثر غموضاً، تتقلص فيه فرص العمل والاستقلال الاقتصادي والحصول على مسكن وتعليم جيد.
والأكثر دلالة أن الاحتجاجات لم تتوقف بانتهاء المظاهرات الكبرى في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول، بل امتدت إلى تحركات جديدة ودعوات لاستئناف الإضرابات والاعتصامات. فبينما عادت التحركات الطلابية في فرنسا مع استئناف الدراسة في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني، تستمر الاعتراضات على أزمة السكن في البرتغال وإسبانيا، وتتواصل الاحتجاجات السياسية في ألبانيا، فيما تلوح إضرابات نقابية جديدة في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا خلال نوفمبر/ تشرين الثاني.
فرنسا وألمانيا.. غضب الشباب يصطدم بأولويات الحكومات
في فرنسا، تتواصل الاحتجاجات للأسبوع الثالث على التوالي، بعدما بدأت بمطالب طلابية مرتبطة بأوضاع المدارس ونقص المدرسين، ثم اتسعت لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية والخدمات العامة. وفي 2 نوفمبر، عادت التحركات الطلابية عقب انتهاء العطلة المدرسية، وتأثرت 41 مدرسة بمحاولات إغلاق أو إغلاق فعلي، وفق تقارير إعلامية. ورغم أن التحركات الأخيرة كانت أصغر من المظاهرات السابقة، فإن رفض الطلاب المقترحات الحكومية والتلويح بمواصلة الاحتجاج يؤكدان أن الأزمة لم تُطوَ. كما تترقب البلاد دعوات نقابية إلى إضرابات وتحركات جديدة.
أما في ألمانيا، فقد تجاوز عدد المشاركين في احتجاجات 31 أكتوبر مئة ألف شخص، وفق التقارير، في تحركات تناولت تكاليف المعيشة والتعليم والاعتراض على خطط توسيع الخدمة العسكرية. وشهدت فرانكفورت مواجهات مع الشرطة وإصابات وتوقيفات، بينما تستعد نقابة «آي جي ميتال» لتحركات تحذيرية في قطاعي المعادن والكهرباء بسبب الخلاف على الأجور.
وتضع هذه الاحتجاجات الحكومة الألمانية أمام سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن مطالبة المجتمع بتحمل كلفة تعزيز القدرات الدفاعية، فيما تتزايد المخاوف بشأن التعليم والخدمات ومستقبل الشباب؟ فالأمن لا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل أيضاً قدرة المواطنين على تأمين السكن والعمل والحياة الكريمة.
البرتغال وإسبانيا.. أزمة السكن تشعل الشارع
في البرتغال، تحولت أزمة السكن إلى واحدة من أبرز بؤر الغضب الاجتماعي، بعدما باتت الإيجارات وأسعار العقارات تفوق قدرة شرائح واسعة من الشباب والعائلات محدودة الدخل. ولم يعد الحصول على منزل مناسب مجرد تحدٍ اقتصادي، بل أصبح عائقاً أمام الاستقلال وتأسيس الأسر والاستقرار في المدن التي يعمل فيها المواطنون. ويحمّل المحتجون السياسات العقارية والحكومية جزءاً من مسؤولية تفاقم الأزمة، مطالبين بتوفير مساكن بأسعار معقولة وحماية المستأجرين من ارتفاع الإيجارات والإخلاء.
وتصاعدت المواجهة مع خروج احتجاجات في لشبونة وبورتو، حيث نصب محتجون خياماً للتعبير عن رفضهم مشروعاً حكومياً يتعلق بقواعد الإيجار والإخلاء، قبل أن تتدخل الشرطة لإزالة المخيمات في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني. وفي إسبانيا، تتواصل الاعتراضات على أزمة السكن وتكاليف المعيشة، مع دعوات نقابية إلى إضراب عام في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني.
ألبانيا.. احتجاجات تهز حكومة راما وتفتح ملف الفساد والمحاسبة
في ألبانيا، تجاوزت الاحتجاجات حدود الاعتراض على مشروع عقاري أو قرار حكومي، لتتحول إلى حركة غضب سياسية واجتماعية تستهدف طريقة إدارة الدولة، وتضع حكومة رئيس الوزراء إيدي راما أمام تحدٍ متصاعد. فقد بدأت التحركات على خلفية مشروع منتجع سياحي فاخر في منطقة ساحلية ذات قيمة بيئية، قبل أن تتسع لتشمل اتهامات بالفساد والمحسوبية، ومطالب بتحسين التعليم وتوفير فرص العمل ومحاسبة المسؤولين.
ومع انضمام الطلاب إلى الاحتجاجات خلال أكتوبر/ تشرين الأول، تحولت المطالب إلى مواجهة سياسية أكثر وضوحاً، وخرج آلاف الشباب إلى شوارع تيرانا ومدن أخرى، رافعين شعارات تطالب باستقالة راما، الذي يتولى السلطة منذ عام 2013. وشهدت العاصمة مواجهات مع الشرطة، استخدمت خلالها قوات مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، فيما سُجلت أعمال تخريب واعتقالات.
ولا تكمن أهمية هذه الاحتجاجات في المواجهات التي رافقتها فحسب، بل في اتساع الملفات التي تعكسها، من حماية البيئة والشفافية إلى اتهامات الفساد وضعف الفرص أمام الشباب. كما أن طموح ألبانيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يضع الحكومة أمام اختبار إضافي يتعلق بالمحاسبة وسيادة القانون وحماية الحقوق.
إيطاليا وبلجيكا وسويسرا.. الشارع يعترض على الاقتصاد والسياسة
في إيطاليا، تتداخل مطالب تحسين الأجور والقدرة الشرائية وتكاليف السكن والخدمات العامة مع الاعتراض على أولويات الإنفاق الحكومي. وقد دعت أكبر نقابة عمالية في البلاد إلى إضراب عام في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، في مؤشر إلى استمرار التوتر النقابي خلال الأسابيع المقبلة.
أما في بلجيكا، فتتركز الاحتجاجات على إصلاحات تعليمية أقرتها سلطات اتحاد والونيا وبروكسل، تتضمن زيادة الرسوم الجامعية وتقليص الإنفاق على التعليم، ضمن خطة تستهدف خفض الميزانية بنحو 500 مليون يورو بحلول عام 2029. ويعترض الطلاب على رفع الرسوم السنوية في مؤسسات التعليم العالي من 835 إلى 1194 يورو، معتبرين أن هذه الزيادة ستضع مزيداً من العوائق أمام الطلاب ذوي الدخل المحدود، إلى جانب مخاوف من تراجع جودة التعليم وارتفاع أعباء النقل والمواد الدراسية. وامتدت التحركات إلى بروكسل ولييج ومدن أخرى، حيث شهدت بعض التظاهرات مواجهات مع الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وسُجلت اعتقالات وأعمال تخريب في عدد من المواقع.
وفي سويسرا، وصلت أصداء موجة الاحتجاجات إلى زيورخ وبازل، حيث شارك مئات الأشخاص في تحركات غير مرخصة ليلة 31 أكتوبر/ تشرين الأول، تحت شعار «لقد طفح الكيل.. في سويسرا أيضاً»، في إشارة إلى الاحتجاجات التي شهدتها دول أوروبية أخرى. وشهدت زيورخ مواجهات مع الشرطة، التي استخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، فيما أُحرقت حواجز وسيارة وتضررت واجهات متاجر. وفي بازل، شارك نحو 150 شخصاً في مسيرة تخللتها أعمال تخريب وإحراق حواجز، ما أدى إلى تعطيل حركة النقل العام مؤقتاً. وترافقت الدعوات إلى هذه التحركات مع اعتراضات على ارتفاع الإيجارات وأقساط التأمين الصحي، بينما يستعد موظفو القطاع العام في كانتون فو للاحتجاج في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني رفضاً لتقليص الإنفاق. كما يجري التحضير لتحركات شبابية في عدد من المدن السويسرية يوم 20 نوفمبر/ تشرين الثاني ضد سياسات التقشف والعسكرة.
ختاماً، رغم غياب قيادة احتجاجية أوروبية موحدة، تتقاطع مطالب الشارع حول الغلاء والسكن وتراجع الخدمات والقلق من المستقبل. ومع استمرار الإضرابات والتحركات، تجد الحكومات نفسها أمام اختبار حاسم: إما إصلاحات حقيقية تعيد ثقة المواطنين، أو موجات غضب جديدة تهدد استقرار النموذج الاجتماعي الأوروبي. فالشوارع لم تعد تكتفي بالوعود، بل باتت تحاسب الحكومات على ما تقدمه لمواطنيها، لا على ما تعدهم به.