تغيّر لهجة أوروبا تجاه الحرب؛ من الدعم السياسي إلى التحذير من التكاليف
تمرّ القارة الأوروبية بواحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، على الأقل خلال نصف القرن الأخير. ففي ظل الاحتجاجات المتعددة التي تشهدها عواصم الدول الأوروبية، بمشاركة مختلف شرائح المجتمع والفئات المهنية من جهة، والارتفاع غير المسبوق في أسعار الطاقة، وما يترتب عليه من زيادة في تكاليف المعيشة من جهة أخرى، وجد مسؤولو هذه القارة أنفسهم مضطرين إلى تقديم اعتراف غير مباشر؛ لكنه جدير بالتأمل. فقد أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، يوم الجمعة 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، في ختام زيارته لكوريا الجنوبية، وردًا على التكهنات بشأن احتمال شنّ الولايات المتحدة هجمات جديدة على إيران، أن هذا النزاع لا حل عسكريًا له، وأنه يجب إنهاؤه عبر المسار الدبلوماسي.
وأوضح ميرتس، في إشارة إلى التداعيات الاقتصادية للحرب، أن برلين لديها مصالح اقتصادية مهمة في إنهائها بأسرع وقت ممكن، لأن ارتفاع أسعار الطاقة كلّف أوروبا حتى الآن أكثر من مئة مليار يورو. ويأتي هذا التأكيد من المستشار الألماني على الدبلوماسية، في وقت كان فيه ميرتس قد رحّب بهجمات الكيان الصهيوني على إيران خلال مايو/ أيار ويونيو/ حزيران 2025، واصفًا ما قامت به تل أبيب بأنه «العمل القذر لأوروبا».
وتكررت هذه التصريحات أيضًا في باريس وعلى لسان الرئيس الفرنسي. فقد اعتبر إيمانويل ماكرون، في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، خلال حوار مع شبكة إلكترونية، أن الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز من العوامل الرئيسية وراء ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وذلك في معرض تفسيره للاحتجاجات وحالة الاستياء الاجتماعي الأخيرة في فرنسا.
وكان المسؤولون الأوروبيون قد أعربوا قبل ذلك، خلال اجتماع وزراء خارجية ثماني دول أوروبية وإقليمية في إسطنبول، عن قلقهم إزاء تداعيات الحرب. وحذّر وزير الخارجية الفرنسي «جان نويل بارو» من تداعيات الجولة الجديدة من الحرب، قائلًا: إن تصاعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة سيضر بجميع الأطراف، وسيترك آثارًا خطيرة على أسعار حاملات الطاقة.
إن ارتفاع تكاليف الطاقة، وتصاعد الاستياء الشعبي، والمخاوف من اندلاع الحرب مجددًا في غرب آسيا، دفعت الدول الأوروبية إلى السعي لإنهائها، في حين أن مسؤولي هذه الدول، منذ مايو/ أيار ويونيو/ حزيران 2025 وحتى اليوم، انتهكوا أبسط قواعد النظام الدولي وأكثرها بداهة، والمتمثلة في معارضة العدوان العسكري غير المبرر وغير القانوني على أي دولة، بل تعاونوا حتى مع الطرف المعتدي.
وتناولت صحيفة «الغارديان»، في تقريرين نشرتهما خلال أكتوبر/ تشرين الأول 2026، التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب على أوروبا. فقد أفادت الصحيفة في 26 أكتوبر/ تشرين الأول بارتفاع أسعار الغاز في سوق الجملة الأوروبية إلى نحو 97 يورو لكل ميغاواط/ ساعة، نتيجة المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة وتصاعد الصراعات، وهو مستوى لم تشهده أوروبا منذ أزمة الطاقة عام 2022. كما أشار تقرير نشرته الصحيفة في 18 أكتوبر/ تشرين الأول إلى ارتفاع تكاليف الوقود والضغوط على القدرة الشرائية للأسر، باعتبارهما من العوامل التي أدت إلى تفاقم الاستياء الاجتماعي في بعض الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا. وتُظهر هذه التقارير أن تداعيات الحرب تجاوزت سوق الطاقة، وامتدت إلى تكاليف المعيشة والاستقرار الاجتماعي في أوروبا.
وقد أثار التحول الواضح في الموقف الأوروبي ردود فعل من المسؤولين الإيرانيين أيضًا. وفي تعليقه على هذه المواقف، ذكّر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني «اللواء محسن رضائي» الدول الأوروبية، قائلًا: «بالأمس فقط، كانت أوروبا تتباهى بالأعمال القذرة للكيان الصهيوني؛ لكنها اليوم تصرخ من شدة الألم بسبب مليارات الدولارات التي كلّفتها إياها الحرب مع إيران». وأضاف، في إشارة إلى الدعم السياسي للحرب: «عندما كنتم تهتفون تأييدًا لجرائم الحرب، ألم يخطر ببالكم أن تداعياتها ستطالكم أنتم أيضًا؟ إن للحرب والإرهاب ثمنًا يجب دفعه؛ وقد جاء دوركم الآن لتدفعوا هذا الثمن».
اختارت أوروبا، في تعاملها مع الحرب على إيران، أن تؤيد وتشجع كل إجراء يتخذه الرئيس الأمريكي، حتى لو كانت على يقين من خطئه. ويجب البحث عن جذور هذا التأييد في مجمل المعادلات التي حكمت العلاقات الأوروبية الأمريكية خلال السنوات الخمس الأخيرة.
وفي ردّه على تصريحات ميرتس، ذكّر وزير الخارجية الإيراني «عباس عراقجي» بأن المستشار الألماني كان قد رحّب في بداية الهجمات الأمريكية – الصهيونية على إيران بهذا العدوان. وأكد عراقجي، في إشارة إلى التكاليف البالغة 100 مليار يورو التي تكبدتها أوروبا نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، أن هذا الرقم ضئيل مقارنة بما يمكن أن تفرضه القوات المسلحة الإيرانية على المعتدين في حال تعرض البلاد لعدوان جديد، محذرًا بالقول: «لن تبقى هناك أي خطوط حمراء بعد الآن».
وكان عراقجي قد صرّح أيضًا، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن الحرب على إيران بدأت بناءً على خطأ في الحسابات، إذ كان المعتدون يتصورون أن إيران قد ضعفت، وأنها ستستسلم بعد عملية عسكرية قصيرة الأمد؛ لكن أشهرًا مضت الآن منذ بدء الحرب، وبات الطرف المقابل يواجه صعوبات في إيجاد مخرج من الأزمة. كما اعتبر عراقجي أوروبا شريكة في تطورات الحرب، مشيرًا إلى استخدام القواعد الأوروبية لدعم العمليات الأمريكية، والدعم السياسي الذي قدمته بعض الحكومات الأوروبية، وإعلان فرنسا استعدادها لمساعدة واشنطن. وقيّم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة التي تشهدها هذه الدول على أنها من تداعيات السياسات التي انتهجتها بنفسها على الساحة الدولية.
كذلك، توخّى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية «إسماعيل بقائي» الحذر في استخدام تعبير «تغيير النهج»، لدى إجابته عن سؤال بشأن تغير الموقف الأوروبي والتأكيد الجديد لمسؤولي هذه القارة على الدبلوماسية، وقال: «لست متأكدًا من أنه يمكننا تسمية هذه المسألة تغييرًا في النهج؛ فقد لا تكون سوى استعراض سياسي». وأشار بقائي إلى أداء الدول الأوروبية الثلاث خلال العامين الماضيين، موضحًا أن هذه الدول لم تكتفِ بعدم إدانة العدوان العسكري الأمريكي – الصهيوني على إيران بصورة صريحة، بل تحولت إلى جزء من المشكلة من خلال اتخاذ مواقف تقوم على الدعم أو المسايرة أو التقاعس. واعتبر بقائي أن انضمام أوروبا إلى الولايات المتحدة في قضية آلية «سناب باك» لإعادة فرض العقوبات، وامتناعها عن إدانة الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، من مصاديق هذا النهج. ودعا الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في سجل أدائها، واعتماد سياسة مستقلة وبنّاءة تجاه منطقة غرب آسيا.
جذور تبعية أوروبا للولايات المتحدة وتداعياتها
إن الحماسة المفرطة التي اتسمت بها مواقف المسؤولين الأوروبيين في بداية العدوان العسكري على إيران، وإن كانت تحمل مؤشرات واضحة على قلة خبرتهم وسطحية نظرتهم تجاه الحرب، فإن هذا النوع من التعامل مع قصف دولة مستقلة لم يكن مقتصرًا على الأخطاء الإدراكية للمسؤولين الأوروبيين فحسب. فقد اختارت أوروبا، في تعاملها مع الحرب على إيران، أن تؤيد وتشجع كل إجراء يتخذه الرئيس الأمريكي، حتى لو كانت على يقين من خطئه. ويجب البحث عن جذور هذا التأييد في مجمل المعادلات التي حكمت العلاقات الأوروبية – الأمريكية خلال السنوات الخمس الأخيرة. فعلى مدى العقود الماضية، حدّدت أوروبا أمنها، إلى حدٍّ كبير، في إطار حلف شمال الأطلسي «الناتو»، بالاعتماد على القوة العسكرية الأمريكية والمظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة.
وقد أدّى هذا الاعتماد، ولا سيما في ظل استمرار الحرب الأوكرانية بوصفها أولوية أمنية للعديد من العواصم الأوروبية، إلى زيادة تكلفة المعارضة العلنية لواشنطن بالنسبة للحكومات الأوروبية. وفي مثل هذه الظروف، اعتبرت الحكومات الأوروبية أن تأييد الرئيس الأمريكي ومسايرته يمثلان الطريق الوحيد الممكن للبقاء تحت هذه المظلة الأمنية. أمّا الوجه الآخر لهذه الحماسة الأوروبية تجاه الحرب على إيران، فيجب البحث عنه في العزلة التي فرضتها بروكسل على نفسها خلال السنوات الأخيرة نتيجة سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها.
«صديقي! يمكننا أن نقوم بأشياء عظيمة بشأن إيران»، هذه العبارة جزء من رسالة نصية أرسلها الرئيس الفرنسي إلى نظيره الأمريكي في 19 يناير/ كانون الثاني 2026، أي قبل فترة من بدء الحرب على إيران. ورغم أن الجزء الأهم من الرسالة كان يتمثل في دعم قرارات ترامب وإجراءاته، فإن استخدام صيغة الجمع وربط فرنسا بالولايات المتحدة من أجل القيام بعمل كبير، يعكسان صورة عن ذلك السعي الحثيث الذي تبذله أوروبا للاضطلاع بدور في تطورات النظام الدولي.
إن تغيّر لهجة المسؤولين الأوروبيين ومواقفهم تجاه الحرب على إيران، إذا كان من المفترض أن يؤدي إلى استعادة دور هذه القارة ومصداقيتها في المعادلات الدولية، فلابدّ أن يتجاوز مستوى التصريحات، وأن يتحول إلى تغيير ملموس في السلوك السياسي والدبلوماسي.
وتناولت صحيفة «الغارديان»، في تقرير نشرته بتاريخ 23 أكتوبر/ تشرين الأول بقلم محرر شؤونها الدبلوماسية باتريك وينتور، هذا المسعى في إطار اجتماع إسطنبول، مؤكدة أن أوروبا بقيت إلى حد كبير على هامش أزمات غرب آسيا، بما في ذلك الحرب على إيران، وأن اجتماع إسطنبول شكّل فرصة نادرة لعودة الوزراء الأوروبيين إلى ساحة الدبلوماسية الإقليمية. ووفقًا لما كتبه وينتور، فقد حذّر وزراء الخارجية المشاركون من اتساع نطاق الحرب وارتفاع أسعار النفط بصورة أكبر. ويكشف هذا التقرير عن تناقض استراتيجي؛ فأوروبا تتأثر بتداعيات الحرب؛ لكنها، بسبب افتقارها إلى المبادرة والانسجام الكافيين، أصبحت تواجه قيودًا أيضًا في قدرتها على تشكيل مسار التطورات وتحديد الطريق المؤدي إلى إنهاء الحرب.
وقد وضعت الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي قواعدها وإمكاناتها تحت تصرف واشنطن، انطلاقًا من تصور مفاده أن المسايرة السياسية لواشنطن وتل أبيب يمكن أن تخفف التوتر مع الولايات المتحدة، أو تمنحها امتيازات في المعادلات الإقليمية، من دون أن تدرك أنها تقدم دعمًا سياسيًا وعسكريًا لحرب لم يكن لها دور حاسم في اندلاعها، ولا تملك أي سيطرة على تداعياتها، وأن هذه الحرب تؤثر فيها أكثر من أي منطقة جغرافية أخرى، بل وتهددها أيضًا من خلال الاحتجاجات الداخلية الواسعة.
وتزداد هذه الظروف تعقيدًا عندما تكون السياسة الخارجية الأمريكية، بحسب تعبير الباحثة البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية «ماجدا روغه»، خاضعة لمزيج من القرارات المتغيرة والارتجالية أحيانًا، والناتجة عن التنافس بين التيارات المختلفة داخل إدارة ترامب. ومن وجهة نظر الكاتبة، كانت لهذه الظروف تداعيات سلبية على أوروبا؛ ففي الملف الأوكراني، اتجهت واشنطن نحو تقليص دعمها. أما في الملف الإيراني، فقد أدّى النهج الذي يتبناه التيار الساعي إلى الحفاظ على التفوق العالمي للولايات المتحدة إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وانتشار انعدام الأمن في الجوار الجنوبي لأوروبا؛ لكن الجهود الرامية إلى استعادة النفوذ الأوروبي، وفقًا للشواهد المتاحة، لم تتحقق على أرض الواقع، فيما فرض التعاون مع نزعة ترامب إلى إشعال الحروب ومسايرتها تكاليف باهظة على هذه القارة. ورغم أن التعاون مع واشنطن يمكن أن يحقق جزءًا من مصالح بروكسل، وهي حقيقة لا يمكن إنكارها، فإنه عندما يتحول هذا التعاون إلى تبعية مطلقة للقرارات الأمريكية الأحادية، من دون إجراء تقييم مستقل لتداعيات هذه التبعية، والأهم من ذلك كله، مع تجاهل القواعد الدولية، فإنه لن يكون عديم الجدوى فحسب، بل سيفرض على أوروبا أيضًا التكاليف المشار إليها.
وفي نهاية المطاف، فإن تغيّر لهجة المسؤولين الأوروبيين ومواقفهم تجاه الحرب على إيران، إذا كان من المفترض أن يؤدي إلى استعادة دور هذه القارة ومصداقيتها في المعادلات الدولية، فلابدّ أن يتجاوز مستوى التصريحات، وأن يتحول إلى تغيير ملموس في السلوك السياسي والدبلوماسي. وهذا هو الموقف الذي تؤكد عليه إيران في تعاملها مع الدول الأوروبية. وفي هذا الإطار، ينصح وزير الخارجية الإيراني «عباس عراقجي» الدول الأوروبية بأن تفتح أعينها على الواقع، وتتخلى عن النهج القائم على المعايير المزدوجة، وتعود إلى مسار العقلانية والدبلوماسية.
من وجهة نظر طهران، لا يمكن لأوروبا أن تؤكد، من جهة، ضرورة إنهاء الحرب وخفض التوتر والعودة إلى المفاوضات، وأن تتخذ، من جهة أخرى، موقفًا سلبيًا أو داعمًا إزاء القرارات الأمريكية الأحادية أو انتهاك المبادئ الأساسية للقانون الدولي. فمثل هذا الوضع لن يعيد ثقة الأطراف الإقليمية بأوروبا، ولن يعزز قدرة هذه القارة على التأثير في التطورات المستقبلية.
إن عودة أوروبا إلى مسار التأثير تتطلب اتخاذ موقف واضح ومستقل إزاء استخدام القوة وضرورة احترام القانون الدولي، وتجنب المسايرة التلقائية للقرارات العسكرية الصادرة عن واشنطن، والسعي إلى إعادة بناء قنوات الحوار مع إيران وسائر الأطراف الفاعلة في المنطقة، والاستفادة من القدرات الاقتصادية والسياسية للاتحاد الأوروبي في تقديم دعم عملي للحلول الدبلوماسية؛ وهو النهج الذي كانت هذه القارة قد اتبعته خلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب، عندما انسحب من الاتفاق النووي «خطة العمل الشاملة المشتركة» عام 2018.