تتجه محافظة هرمزغان، (جنوبي إيران)، إلى تعزيز مكانتها على خريطة السياحة الإيرانية، مستفيدةً من تنوع مقوماتها الطبيعية والتراثية والثقافية، الممتدة من الشواطئ والجزر إلى المواقع التاريخية والصناعات اليدوية. وفي هذا الإطار، تبرز مدينة ميناب بوصفها إحدى المناطق التي تستعد لمرحلة جديدة من التنمية، من خلال برنامج يجمع بين إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية السياحية، وصون التراث الثقافي، وتنشيط الحرف التقليدية، إلى جانب إطلاق مبادرات ثقافية واجتماعية تستهدف إحياء الحياة في المدينة وتعزيز حضورها على المستوى الوطني.
وجاءت زيارة وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، إلى ميناب، بمشاركة عدد من الفنانين والمثقفين والإعلاميين والمسؤولين المحليين، في إطار متابعة احتياجات المدينة والاطلاع على إمكاناتها السياحية والتراثية، وبحث سبل توظيف هذه المقومات في دعم مسار التنمية المحلية.
خطة وطنية لإعادة إعمار ميناب وتطوير بنيتها التحتية
تتصدر إعادة إعمار ميناب وتطوير بنيتها التحتية أولويات البرنامج الحكومي، إذ أعلن سيد رضا صالحي أميري، عن تعبئة 22 مؤسسة تنفيذية للمشاركة في تنفيذ مشروعات تنموية وخدمية، وفق خطة تستهدف معالجة الأضرار وتحسين الظروف المعيشية للسكان، والانتقال من ترميم المنشآت المتضررة إلى بناء مقومات تنموية أكثر استدامة.
وأوضح صالحي أميري، خلال الاجتماع الوطني الرابع للجنة شهداء ميناب، أن المؤسسات المعنية تعهدت بتحمل مسؤولياتها ضمن برنامج يمتد على مرحلتين؛ تبدأ الأولى حتى 28 فبراير 2027، فيما تستمر الثانية حتى 28 فبراير 2028، بما يتيح متابعة تنفيذ الالتزامات وتحويلها إلى مشروعات ملموسة.
وتتولى اللجنة الوطنية رسم السياسات وتوفير الدعم، فيما تقع مسؤولية تنفيذ المشروعات على عاتق محافظة هرمزغان بإشراف المحافظ، بالتعاون مع لجنة محلية تتولى متابعة الأعمال على مستوى المدينة. كما يجري التنسيق مع مجلس الشورى الإسلامي وممثلي المحافظة لتأمين الموارد المالية وإدراج المشروعات المقترحة ضمن موازنات المؤسسات المعنية.
وأكد صالحي أميري أن تمويل هذه البرامج لا يعتمد على تخصيص ميزانية مستقلة وضخمة لميناب، بل على تحديد احتياجاتها في صورة مشروعات واضحة وإدراجها ضمن الاعتمادات المالية للجهات المسؤولة، بما يضمن الاستفادة من الإمكانات المتاحة وتوجيهها نحو الأولويات التنموية.
المتاحف والصناعات اليدوية لتعزيز الجاذبية السياحية
ويحظى التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية بمكانة أساسية في خطة تطوير ميناب، باعتبارها قطاعات قادرة على إبراز هوية المدينة وفتح آفاق جديدة أمام النشاط الاقتصادي والسياحي.
وفي هذا السياق، أعلن صالحي أميري عن التخطيط لافتتاح متحف ميناب الوطني في منطقة سرآباد، إلى جانب إنشاء متحف متخصص داخل المدينة، بهدف صون الموروث التاريخي والثقافي للمنطقة والتعريف به، وتعزيز حضور التراث المحلي ضمن التجربة السياحية للزوار.
كما تتضمن البرامج مواصلة الدراسات المتعلقة بحماية المواقع والعناصر التراثية في ميناب ومحافظة هرمزغان، وتطوير البنية التحتية السياحية، وإنشاء ورش للصناعات اليدوية، بما يسهم في دعم الحرفيين المحليين وتوفير فرص العمل والإنتاج، فضلاً عن إتاحة المجال أمام الزوار للتعرف على المهارات التقليدية والمنتجات التي تعكس الهوية الثقافية للمنطقة.
وفي موازاة ذلك، تعمل الوزارة على استقطاب المستثمرين والناشطين الاقتصاديين للمشاركة في المشروعات التنموية، من خلال تشجيع الشركات العاملة في قطاعات البناء والصناعات المختلفة على تبني مشروعات محددة في المدينة، بما يعزز الشراكة بين القطاعين العام والخاص ويوسع قاعدة الاستثمار المحلي.
المحافظات والمصارف والشركات شريك في تنمية المدينة
وفي إطار توسيع المشاركة الوطنية، طرح صالحي أميري مقترحاً يقضي بأن تتولى كل واحدة من المحافظات الإيرانية الثلاثين الأخرى تنفيذ مشروع تنموي واحد في ميناب، بما يعزز التعاون بين مختلف مناطق البلاد ويسهم في تسريع وتيرة إعادة الإعمار.
كما أعلن عن توجه لاستقطاب مساهمة 50 مصرفاً حكومياً وخاصاً، إلى جانب الشركات الاقتصادية الكبرى العاملة في قطاعات النفط والصلب والبتروكيماويات والنحاس وغيرها، للمشاركة في تمويل المشروعات وتنفيذ البرامج التنموية.
ومن بين المقترحات المطروحة أيضاً إنشاء صندوق في محافظة هرمزغان لتجميع الموارد المالية المتأتية من المؤسسات الخيرية وبرامج المسؤولية الاجتماعية للمصارف والشركات، على أن تتولى المحافظة إدارة هذه الموارد وتوجيهها إلى المشروعات والاحتياجات المحددة، وفق آليات للإشراف والرقابة المحلية.
مبادرات ثقافية لإحياء الحياة المجتمعية في ميناب
ولا تقتصر خطة التنمية على الجوانب العمرانية والسياحية، بل تشمل أيضاً تعزيز الحياة الثقافية والاجتماعية، والاهتمام بالآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها الأحداث الأخيرة على السكان وأسر الشهداء.
وفي هذا الإطار، شدد صالحي أميري على أهمية تنفيذ برامج للرعاية والتعافي النفسي والاجتماعي بالتعاون مع وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي والمؤسسات المعنية، إلى جانب تنظيم فعاليات ثقافية وفنية بصورة منتظمة، وتخصيص نشاط أسبوعي لأهالي ميناب، مع تعزيز حضور الفنانين والمثقفين والإعلاميين والرياضيين في المدينة.
كما دعا إلى توظيف السينما والموسيقى والشعر والأدب والرسم والفنون التشكيلية في التعريف بهوية ميناب وخصوصيتها الثقافية والاجتماعية، مؤكداً أهمية دور المؤسسات التعليمية في إبراز تاريخ المدينة والتعريف بشهدائها.
ومن المبادرات التي شهدتها الزيارة افتتاح أول مكتبة متنقلة في ميناب، تحمل اسم طلاب شهداء مدرسة «الشجرة الطيبة»، وتضم 1500 كتاب في مجالات متنوعة، بهدف نشر ثقافة القراءة وتوسيع نطاق الخدمات المكتبية، ولا سيما في المناطق التي تفتقر إلى مكتبات ثابتة.
وأوضح المدير العام للمكتبات العامة في هرمزغان، أنوشيروان بيشدار، أن المكتبة الجديدة ستوفر خدمات ثقافية وتعليمية للأطفال واليافعين وسائر المهتمين، وتسهم في تعزيز العدالة الثقافية وتسهيل الوصول إلى مصادر المعرفة. وأضاف أن عدد المكتبات المتنقلة في المحافظة ارتفع، بعد إطلاق هذه المبادرة، إلى ثلاث مكتبات، بينها مكتبتان في بندر عباس.
أسبوع ميناب لتعزيز حضورها الوطني والدولي
وفي سياق المبادرات الرامية إلى إبراز مكانة المدينة، يجري إعداد برنامج شامل لإقامة «أسبوع ميناب»، بإشراف اللجنة المختصة على مستوى محافظة هرمزغان، تمهيداً لعرضه على اللجنة الوطنية للمصادقة. ويهدف البرنامج إلى توحيد جهود المؤسسات المعنية، والتعريف بالمقومات الثقافية والاجتماعية والوطنية للمدينة، وتحويل المناسبة إلى مساحة للتفاعل المجتمعي وتعزيز حضور ميناب في الذاكرة الوطنية.
وأكد صالحي أميري أن مسؤولية دعم المدينة وأهاليها مسؤولية مشتركة، مشيداً بصمود سكان محافظة هرمزغان في مواجهة التحديات الأخيرة، ومعتبراً أن تضافر جهود المؤسسات التنفيذية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إلى جانب مشاركة المواطنين، يمكن أن يسهم في بناء نموذج وطني لدعم المناطق المتضررة وتنميتها.
كما أشار إلى أهمية متابعة الجوانب القانونية المتعلقة بأحداث ميناب عبر المسارات الدولية، والاستفادة من خبرات الحقوقيين الإيرانيين داخل البلاد وخارجها، إلى جانب تشجيع الشخصيات الثقافية والاجتماعية والوطنية والدولية على زيارة المدينة، بما يعزز التواصل مع سكانها ويسهم في التعريف بتاريخها ومقوماتها.
وتفتح هذه البرامج أمام ميناب آفاقاً لتنمية متكاملة تتجاوز إعادة إعمار المنشآت المتضررة، لتشمل حماية التراث، وتطوير المتاحف والبنية التحتية السياحية، وتنشيط الصناعات اليدوية، واستقطاب الاستثمارات، وإحياء الحياة الثقافية والاجتماعية. وبذلك، تصبح مقومات المدينة المحلية أساساً لبناء مستقبل اقتصادي وسياحي أكثر تنوعاً، وتعزيز مكانتها ضمن الوجهات الثقافية والسياحية في محافظة هرمزغان.
