غزة تغرق.. حربٌ شرّدت أهلها وأمطارٌ تحاصر النازحين

 في خيام لا تقيهم الموت

الوفاق/تتطلب مأساة غزة رفع قيود المساعدات، وإدخال مستلزمات الإيواء والوقود والدواء، وحماية المدنيين، ومحاسبة الاحتلال دولياً، وإعادة إعمار البنية التحتية

في قطاع غزة، لم يعد المطر رحمةً من السماء، بل تحوّل إلى تهديد جديد لحياة شعب أنهكته حرب الإبادة الصهيونية، بعدما دمّرت المنازل وشرّدت العائلات وتركت مئات آلاف الفلسطينيين في مواجهة البرد والموت داخل خيام مهترئة. فهناك، لا يجد الأطفال سقفاً يحميهم، ولا الأمهات غطاءً يقي صغارهن قسوة الشتاء، ولا النازحون مكاناً آمناً يهربون إليه من مياه الأمطار التي تجتاح مخيماتهم. لقد حوّلت الحرب الأحياء السكنية إلى ركام، ودمّرت مقومات الحياة، وتركت خلفها واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، بات فيه النجاة من القصف لا تعني النجاة من الموت. وما تكشفه الأمطار اليوم ليس مجرد كارثة طبيعية، بل الوجه الآخر لدمار خلّفته العمليات العسكرية والقيود المفروضة على إدخال المساعدات ومواد الإيواء. فحين تغرق الخيام وتنهار المباني المتصدعة، ويقف الدفاع المدني أمام آلاف الاستغاثات بإمكانات محدودة، يصبح الصمت الدولي عجزاً عن حماية أبسط حقوق الإنسان.

 

غرق 70 ألف خيمة.. آلاف العائلات بلا مأوى

 

خلال 12 ساعة فقط من بدء المنخفض الجوي، غمرت مياه الأمطار نحو 70 ألف خيمة للنازحين، وفق تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، فيما بلغت الخسائر المباشرة الأولية نحو ثلاثة ملايين دولار. لكن هذه الأرقام لا تختصر حجم المأساة الحقيقية؛ فخلف كل خيمة حكاية عائلة فقدت منزلها، وأم تحاول إنقاذ أطفالها من المياه، وأب يبحث بين الوحل عن فراش جاف، ورضيع يرتجف من البرد بعدما ابتلت أغطية أسرته وملابسها.

 

ولم تقتصر الكارثة على غرق الخيام، بل امتدت إلى مراكز الإيواء والمناطق التي لجأت إليها العائلات بعدما فقدت منازلها. فقد أعلن الدفاع المدني الفلسطيني تلقيه أكثر من 1500 نداء استغاثة، وسط نقص حاد في المعدات والآليات والوقود اللازمين لسحب المياه وإنقاذ المتضررين. وأصبحت فرق الإنقاذ أمام حجم من الأضرار يفوق إمكاناتها، فيما وجدت عائلات بأكملها نفسها بلا مأوى أو مكان بديل تلجأ إليه.

 

النازحون في مواجهة البرد.. نقص في الأغطية والاحتياجات الأساسية

 

تتجاوز معاناة النازحين مسألة غرق الخيام، إذ إن كثيراً من العائلات فقدت ملابسها وأغطيتها وفرشها، ولم تعد تملك ما يكفي لتأمين احتياجات أطفالها الأساسية. فالأم التي تحاول حماية أبنائها من البرد لا تجد سوى ما تبقى لديها من ملابس، والأب الذي فقد منزله يجد نفسه عاجزاً عن توفير مأوى بديل، فيما يواجه الأطفال ليالي قاسية داخل خيام تتسرب إليها المياه من كل جانب.

 

وتزداد خطورة الأوضاع بالنسبة إلى الرضع وكبار السن والمرضى، الذين يحتاجون إلى التدفئة والرعاية الصحية وظروف معيشية لا تتوافر في أماكن النزوح. كما أن نقص الغذاء والمياه النظيفة والمستلزمات الطبية، إلى جانب تدهور شبكات الصرف الصحي، يزيد من هشاشة الوضع الإنساني ويرفع مخاطر انتشار الأمراض، خصوصاً بين الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً.

 

مبانٍ متصدعة وطرق مدمرة.. مخاطر الدمار تتفاقم مع الأمطار

 

لم تقتصر آثار العمليات العسكرية على تدمير المنازل وتشريد العائلات، بل خلّفت أحياء سكنية مدمرة ومباني متصدعة باتت تشكل خطراً على حياة السكان. فقد تحولت منازل كثيرة إلى أكوام من الحجارة والحديد، وسُوّيت مبانٍ سكنية بالأرض، فيما تعرضت الطرق وشبكات البنية التحتية لأضرار واسعة. ولم يعد لدى كثير من الفلسطينيين بيت يعودون إليه، ولا جدران تحمي أطفالهم، ولا سقف يقيهم برد الشتاء.

 

وتكشف الأمطار خطورة هذا الدمار بصورة أكثر قسوة؛ إذ تسببت المياه والرياح بانهيار أجزاء من مبانٍ سبق أن تضررت بفعل قصف العدو الصهيوني، ما أدى إلى إصابة فلسطينيين، وسط تحذيرات من انهيار مبانٍ أخرى آيلة للسقوط. وهكذا يجد النازحون أنفسهم أمام خيارين كلاهما محفوف بالمخاطر: خيام تغمرها المياه والرياح، أو مبانٍ متصدعة قد تنهار فوق رؤوسهم في أي لحظة.

 

تضررر البنية التحتية وقيود الإمدادات يفاقمان الأزمة

 

لا يمكن فصل ما يحدث عن حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية وشبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي والطرق في قطاع غزة. فمع تضرر هذه المرافق، أصبحت تجمعات المياه أكثر خطورة، خصوصاً في المناطق المنخفضة التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، فيما تعرقل الطرق المدمرة وصول فرق الإنقاذ والمساعدات إلى المناطق المتضررة.

 

وتتفاقم الأزمة مع استمرار القيود على إدخال مواد الإيواء والإعمار، الأمر الذي يحرم العائلات من الحصول على خيام مناسبة ومساكن مؤقتة ومواد أساسية لإصلاح المنازل المتضررة. كما أن النقص في الوقود والمعدات يعرقل عمل الدفاع المدني ويحد من قدرته على الاستجابة لنداءات الاستغاثة.

 

وتكشف البيانات الأممية حجم الاحتياجات؛ إذ يحتاج نحو 1.98 مليون شخص في قطاع غزة، وفق بيانات الأونروا، إلى المأوى والمساعدات غير الغذائية. كما حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن نحو 950 ألف فلسطيني يعيشون في مواقع نزوح معرضة لمخاطر الفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مناطق مرتفعة الخطورة. وتشير التقديرات أيضاً إلى حاجة نحو 294 ألف أسرة إلى مساعدات إيواء خلال الشتاء، بينما لا تكفي الإمدادات المتوافرة إلا لتقديم مساعدات جزئية لنحو 52 ألف أسرة.

 

وتعكس هذه الأرقام فجوة هائلة بين احتياجات السكان وحجم المساعدات المتاحة، وتؤكد أن الأزمة لا ترتبط بمنخفض جوي عابر، بل بواقع إنساني متدهور يحتاج إلى استجابة عاجلة ومستدامة، تبدأ بتأمين المأوى وتنتهي بإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

 

ختاماً، إن استمرار معاناة النازحين في غزة يحمّل الاحتلال مسؤولية الدمار والقيود المفروضة على المساعدات، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والإنسانية. ويتطلب ذلك ضمان إدخال الخيام والكرفانات والأغطية والمواد الطبية والوقود ومعدات سحب المياه، ورفع العراقيل أمام المنظمات الإنسانية وفرق الإغاثة. كما يفرض القانون الدولي الإنساني حماية المدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق الآليات القانونية المختصة. ولم تعد المساعدات المحدودة وبيانات التضامن كافية، بل أصبح التحرك الدولي العاجل ضرورة لرفع القيود، وضمان الإغاثة، وحماية السكان، وإعادة تأهيل البنية التحتية. فالمأساة لم تنتهِ بوقف إطلاق النار، والمطر كشف حجم الكارثة وجذورها المتمثلة في الدمار والنزوح ونقص مقومات الحياة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة