وتمكّن الباحثون، في إطار مشروع بحثي رائد، من تحقيق دقة عالية في المرحلة الأولية لتصنيف سرطان البروستات، وذلك من خلال استخدام صور PET/CT مع المادة المتتبعة Ga-PSMA، وتحليلها بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أعلن الدكتور إسماعيل جعفري، الباحث في مركز أبحاث الطب النووي وعضو الهيئة التدريسية في جامعة بوشهر للعلوم الطبية، أن هذه الدراسة التي أُجريت على عددٍ ملحوظ من المرضى أظهرت أن فحص PET/CT باستخدام المادة المتتبعة Ga-PSMA قادر على إظهار البؤرة الرئيسية لورم البروستات بوضوحٍ عالٍ في أكثر من 97% من الحالات، ما يعكس الحساسية الفائقة لهذه الطريقة التصويرية مقارنةً بالأساليب التقليدية.
وفي شرحه لآلية هذه التكنولوجيا، أوضح أنّ التصوير بتقنية PET/CT باستخدام المادة المتتبعة Ga-PSMA يعتمد على مركّب يعمل كـ«صاروخ موجَّه»، إذ يرتبط ببروتين يُعرف باسم PSMA، والذي يوجد بكثافة عالية على سطح خلايا سرطان البروستات. وتتيح هذه الخاصية للباحثين والأطباء تتبّع حتى أصغر الخلايا السرطانية داخل الجسم بدقةٍ بالغة.
غير أنّ نقطة التحوّل في هذا البحث تمثّلت في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل هذه الصور، إذ قام الفريق البحثي باستخلاص معايير متعددة، من بينها الحجم الكلي للورم (PSMA‑TV)، وشدّة امتصاص المادة المتتبعة (SUVmax وSUVmean)، إضافة إلى المؤشرات المركّبة مثل (TL‑PSMA)، وذلك بهدف تصميم نماذج تنبؤية قادرة على تقدير شدة المرض بدقة أعلى.
دقّة بنسبة 86% في تشخيص الأورام العدوانية
وفي شرحه للنتائج المتحصّل عليها، أوضح هذا العضو في الهيئة التدريسية بجامعة بوشهر للعلوم الطبية أنّ الباحثين توصّلوا إلى وجود علاقة مباشرة بين هذه المعايير الحجمية ومستوى «PSA» (وهو بروتين يرتفع في دم مرضى سرطان البروستات)، وكذلك «درجة غليسون» التي تُعدّ مقياساً لعدوانية الخلايا السرطانية. فكلّما بدا الورم أكبر وأكثر إشراقاً في الصور (أي مع امتصاص أعلى للمادة المتتبعة)، ازدادت درجة عدوانيته.
وأضاف جعفري: أنّ الفريق البحثي، في المرحلة التالية، قام بتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على هذه البيانات من أجل التنبؤ بالحالة المرضية للمرضى. وكانت النتائج لافتة؛ إذ تمكّن مؤشر TL‑PSMA في الورم الرئيسي من التفريق بين الأورام منخفضة الدرجة (منخفضة الخطورة) والأورام عالية الدرجة (مرتفعة الخطورة) بدقّة بلغت 86%. كما نجح المؤشر نفسه، على مستوى الجسم بالكامل، في التنبؤ بمستوى PSA لدى المرضى، وتقسيمهم إلى مجموعتين أقل أو أكثر من 20، بدقّة وصلت إلى 81%.
تقليل الخزعات غير الضرورية بفضل التكنولوجيا الجديدة
وبحسب الباحثين، فإن هذا الإنجاز العلمي يمكن أن تكون له تطبيقات عملية واسعة في اتخاذ القرارات العلاجية، إذ تساعد هذه الطريقة الأطباء على تحديد ما إذا كان المريض بحاجة إلى علاجات تدخلية مثل الجراحة أو العلاج الكيميائي، أم أنه يمكن السيطرة على المرض من خلال نهج «المراقبة النشطة».
وفي هذا الإطار، شدّد جعفري على أنّ الهدف النهائي لهذا المشروع هو الوصول إلى «الطب المُخصّص»، أي بدلاً من اعتماد بروتوكول علاجي واحد لجميع المرضى، يتم اختيار العلاج الأمثل والأكثر فاعلية استناداً إلى الخصائص الفريدة لورم كل مريض. وأوضح أنّ هذه المقاربة لا توفّر دقة أعلى في تصنيف مخاطر المرضى فحسب، بل يمكن أن تسهم مستقبلاً في تقليل عدد الخزعات غير الضرورية والتدخّلية أيضاً.
تعاون فريقٍ متعدد التخصصات في هذا البحث
أُنجز هذا المشروع البحثي بإشراف الدكتور إسماعيل جعفري، وبمشاركة كلٍّ من الدكتور مجيد أسدي، والمهندس أمين زارعي، والدكتور أحمد كشاورز، والدكتور حبيبالله دادغر، والدكتور قاسمعلي ديوبند.
ويأمل الباحثون، من خلال إجراء دراسات أوسع في المستقبل، أن يتمكّنوا من تحويل هذه الأدوات التنبؤية إلى برنامج سريري عملي، يتيح للأطباء في مختلف أنحاء البلاد الاستفادة منه في تشخيص المرض واتخاذ القرارات العلاجية.