إمامة قائد الأمّة وبداية الحضور الثوري

مسجد كرامت.. منبر الثورة وذاكرة النضال في مشهد المقدسة

لا يمكن أن يكون المرء من سكان مدينة مشهد المقدسة ويمرّ من أمام مسجد كرامت في تقاطع الشهداء دون أن يلاحظه. وعلى الرغم من أن هذا المسجد ليس من المباني ذات التاريخ الممتد لقرون، فإنه خلال عقود قليلة استطاع أن يحجز مكانة رفيعة ومشرّفة في قلوب أهالي مشهد المقدسة، ولا سيما المتدينين منهم.

لا يمكن أن يكون المرء من سكان مدينة مشهد المقدسة ويمرّ من أمام مسجد كرامت في تقاطع الشهداء دون أن يلاحظه. وعلى الرغم من أن هذا المسجد ليس من المباني ذات التاريخ الممتد لقرون، فإنه خلال عقود قليلة استطاع أن يحجز مكانة رفيعة ومشرّفة في قلوب أهالي مشهد المقدسة، ولا سيما المتدينين منهم.

 

استطاع هذا المسجد أن يحتفظ بآثار أقدام رجال كبار مثل القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) والشهيد هاشمي‌نجاد. إنه مسجد ارتبطت مراسمه الدينية بدماء الشهداء، واحتضن رجالًا صالحين قضوا جزءًا كبيرًا من حياتهم في أجوائه المعنوية والروحية.

 

عظمة بحجم الكرامة

تعود بداية تاريخ هذا المسجد إلى عام 1965م، حين تم ترميم بيت الحاج السيد محمود كرامت القديم، وتحويله إلى مبنى من ثلاثة طوابق، أُطلق عليه اسم «مبنى كرامت». وكان يُستخدم في المناسبات الدينية من أعياد ووفَيَات الأئمة الأطهار (عليهم السلام) لإقامة المجالس الدينية.

 

وفي المناسبات الكبرى مثل أيام محرم الحرام وصفر واحتفالات منتصف شعبان، كان يتم تغطية ساحة الفناء بخيمة خاصة لاستقبال المعزين. ثم في عام 1971م، تم بناء طابقين في ساحة الفناء؛ حيث خُصص الطابق السفلي كمسجد، والطابق العلوي كحسينية، وتم وقفه شرعًا وقانونًا باسم مسجد وحسينية كرامت من قبل الواقف.

 

في عام 1974م، عندما تولّى القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) إمامة هذا المسجد، كأن دمًا جديدًا قد جرى في عروق مسجد كرامت، لتبدأ مرحلة جديدة أصبح فيها هذا المكان مركزًا رئيسيًا يجتمع فيه جميع الثوريين، كما أن دعم الناس أسهم بشكل كبير في ترسيخ مكانة هذا المسجد في التاريخ.

 

شعار «الموت للشاه» على جدار المسجد

 

يقول كبار السن الذين عايشوا هذا المكان إن شعار «الموت للشاه» كُتب لأول مرة على جدران هذا المسجد، وقد وجّه جهاز السافاك القمعي إنذارًا للحاج محمود كرامت بضرورة منع مثل هذه الأنشطة، فأجاب بأنه لا يستطيع إغلاق باب المسجد.

 

* بين المنبر والحشود.. تجربة روحية مؤثرة

 

 

يستذكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) هذا المسجد في حديثه مع رجال الدين قائلاً:  لقد أعلنت، وأقول لكم أيها الإخوة الأعزاء، إنني ملتزم بالحجّة الشرعية. كان هناك يوم كنت فيه أؤمّ الصلاة في مسجد كرامت، وكنت أعتلي المنبر وأخطب بعد الصلاة، بل لم أكن أجلس على المنبر بل أقف وأتحدث. وعندما كنت أرى ذلك الجمع الكبير، لم يكن له نظير في مساجد مشهد المقدسة. كان الناس بعد الصلاة يأتون إما للاستماع إلى حديثي أو للصلاة خلفنا، وكان اجتماع مسجدنا يفوق بعشرة أضعاف اجتماعات أشهر وأهم مساجد مدينة مشهد المقدسة، دون استثناء. كان تجمعًا هائلًا، حتى إن الناس كانوا يتزاحمون على الأبواب والجدران ليتمكنوا من الدخول وسماع حديثنا أو أداء الصلاة.

 

كنت كلما أرى هذا الجمع الكبير ترتجف أوصالي، وأقول: يا رب، كيف سأجيب عن هؤلاء يوم القيامة؟ كيف أبرّر أمام الله أن هذا العدد الكبير من المساجد في مشهد  المقدسة كان فارغًا بينما مسجدنا ممتلئ؟ كنت أرتجف حقًا. وكنت أفكر كثيرًا في ذلك الوقت، وأنا أقوم بأعمالي؛ أصلي وأشرح التفسير وأكتب الأحاديث على السبورة، وهي أعمال كانت جديدة آنذاك وجذابة. كنت أقول ربما يجب أن أتوقف عن هذا وأتركه حتى لا يزداد هذا الحضور، ثم كنت أعود وأفكر في نداء الواجب والتكليف، وهل هذا جائز أم غير جائز.

 

* الأنشطة الخاصة للمسجد

 

كان ناشطو هذا المسجد في مرحلة ما قبل الثورة ينقسمون إلى ثلاث فئات، وهي: الحوزويون، وأصحاب السوق (التجار)، والطلاب الجامعيون. وكانت طبيعة الأجواء المغلقة في ذلك الوقت تقتضي عدم معرفة أفراد المجموعات المختلفة بعضهم ببعض، حيث كان يتم التعرف على هؤلاء الأشخاص عبر طرق متعددة ثم دعوتهم إلى المسجد للمشاركة في النشاط. وكانت الأعمال والمهام الأخرى تُدار أيضًا وفق نظام خاص ومنظّم.

 

وخلال جميع تلك السنوات، كان جهاز السافاك القمعي يضع المسجد تحت المراقبة، ويرسل عناصره إلى المكان تحت ذرائع مختلفة. ولحسن الحظ، وبعد الثورة وحتى اليوم، بقي هذا المسجد على النهج ذاته، محافظًا على مكانته كمرجع ومركز جذب للمواطنين المتدينين والثوريين في مدينة مشهد المقدسة، وكذلك لزوار مرقد الإمام الرضا(ع).

 

ابتكار في إدارة المسجد

 

بعد الثورة الإسلامية، تم تطوير هذا المسجد على يد عدد كبير من المحسنين، وبفضل قربه من مرقد الإمام الرضا(ع) حافظ على مكانته في قلوب الناس بشكل أكبر من السابق، وهو اليوم يُدار بطريقة منظمة ومستمرة، حيث تُقام فيه برامج ثقافية وأنشطة دينية بشكل متكرر.

 

 

المصدر: الوفاق