علي متقيان
الرئيس التنفيذي لمؤسسة ايران الثقافية – الصحفية
شهدت حرب رمضان أحداثًا جسيمة. أولًا، واجه نظامان قمعيان مدججان بالسلاح جدارًا منيعًا في مواجهة الجمهورية الإسلامية الايرانية. أثبت جنودنا أن أمريكا، التي تدّعي أنها قوة عالمية، ليست سوى هيمنة دمية. بعد تضحيات جنود الجمهورية الإسلامية الايرانية، وفي معركة غير متكافئة، فقدت أمريكا المتعجرفة هيمنتها.
اليوم، لم تعد أمريكا تتمتع بمكانتها السابقة فحسب، بل إن النخب الأمريكية نفسها تؤكد أن الحكومة الأمريكية أصبحت مستعمرة للصهيونيين. يُعد استعمار الصهاينة للحكومة الأمريكية النتيجة الثانية لحرب رمضان. باتت النخب السياسية والاجتماعية الأمريكية تعتقد أن دخول أمريكا الحرب مع إيران كان نتيجةً لجهود الصهاينة، وليس بسبب الضرورات الجيوسياسية أو منطق القوة العالمية الذي تدّعيه أمريكا.
يقولون إنه وفقًا لمنطق أمريكا الجيوسياسي ومصالحها الخاصة، ما كان ينبغي لهذه الدولة أن تدخل في صراع عسكري مع إيران. لذا، لتفسير سبب اندلاع هذه الحرب، وجدوا سببًا واحدًا: نفوذ الصهاينة، وخاصة رئيس وزراء الكيان الصهيوني المجرم نتنياهو في البيت الأبيض. يعتقد الأمريكيون أن سبب الحرب هو تهويلات الصهاينة وتصويرهم لرئيس ضعيف الشخصية، مما أدى بالحكومة الأمريكية إلى مستنقع الهزيمة والإدانة الدولية.
هذا الادعاء ليس بلا أساس. تشير أدلة كثيرة إلى أن الحكومة الأمريكية الحالية مُلزمة بالحصول على إذن من رئيس وزراء الكيان الصهيوني الصهيوني لاتخاذ أي إجراء يتعلق بهذه الحرب، سواء كان هجومًا عسكريًا على أهداف في إيران أو مفاوضات لوقف إطلاق النار. وكأن الرئيس الأمريكي، الذي يعتبر نفسه رأس العالم، مُلزم بإبلاغ رئيس وزراء هذا النظام بأفعاله في الهجوم العسكري على إيران. هذه العلاقة استعمارية، وهو ما ترفضه النخب الأمريكية. بلغ هذا الاستعمار حدًا اضطر فيه نائب الرئيس الأمريكي، رغم ترؤسه وفد التفاوض المكون من 300 عضو في إسلام آباد، إلى تنحية منصبه السياسي والقانوني في الولايات المتحدة جانبًا، وإبلاغ شخصين فقط بمضمون المفاوضات: ترامب في واشنطن ونتنياهو في الأراضي المحتلة.
كان لهذا الاعتراف من قبل “جيه. دي. فانس” ثمن باهظ على النخبة الأمريكية. لكن السؤال هو: ما هي الشروط التي تُلزم نائب الرئيس الأمريكي، الذي يدّعي أنه قوة عظمى، بإبلاغ “تل أبيب” بكل خطوة تفاوضية؟ يبدو أن هذا نتاج عملية تتجاوز الاستعمار الصهاينة للولايات المتحدة. وكأن نائب الرئيس الأمريكي يعتبر رئيس وزراء الكيان الصهيوني أعلى مكانة من الرئيس الأمريكي، ويرى نفسه ملزمًا بإبلاغه بكل قرار تفاوضي والحصول على موافقته. فهل سيرضى الأمريكيون في المستقبل بتحمل هذه الإهانة، ويقبلون، كما قال المذيع الأمريكي الشهير “تاكر كارلسون”، أن يقود شعبٌ قوامه 10 ملايين نسمة دولةً يبلغ تعداد سكانها 365 مليون نسمة؟ أم سيعيدون النظر في علاقتهم مع الكيان الصهيوني، وينأون بالحكومة الأمريكية عن هذا الاستعمار؟
لقد خاطر الرئيس الأمريكي الحالي بكل مزاعمه واستعراضاته القائمة على القوة العسكرية، وقوة الردع، وأرواح جنوده، لدعم نظام عاجز بمفرده عن مواجهة محاربي الإسلام. واليوم، تبدد كل ذلك بسبب الانغماس في الأحلام والاستعمار الذي أصاب الحكومة الأمريكية.
أما النتيجة الثالثة لهذه الحرب فهي إثبات عجز الحكومة الأمريكية عن توفير الأمن لدول المنطقة، وعبثية الاستعانة بمصادر خارجية للأمن. فقد توقعت بعض دول المنطقة أن تشتري الأمن لنفسها بتسليم أراضيها ومنشآتها للولايات المتحدة. والآن، فشلت هذه الرؤية. لم تكتفِ هذه الدول بعدم الاستفادة من القدرات العسكرية للولايات المتحدة، بل إن بعضها انحاز فعلياً إلى مصالح الكيان الصهيوني الذي يقتل الأطفال، الأمر الذي تسبب لها، إضافة إلى الخسائر المادية، بخسائر معنوية فادحة في الرأي العام بالمنطقة.
أدركت هذه الدول أيضًا أنها لم تكن تدفع سوى تكاليف توفير الأمن للكيان الصهيوني. ويُؤمل أن تكون دول المنطقة قد أدركت ضرورة الأمن المحلي والإقليمي. فليس استقلال الحكومة الأمريكية عن الصهاينة أمرًا جوهريًا فحسب، بل إن أمن واستقلال دول المنطقة سياسيًا عن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أمرٌ بالغ الأهمية أيضًا، حتى لا تقع في دوامة الضرر التي أسسها الكيان الصهيوني.