يمثّل الهجوم القاتل والمتعمّد الذي شنّه أعداء يوصفون بالوحشية واستهدافهم لمدرسة «شجرة طيبة» في مدينة ميناب، والذي أودى بحياة عشرات الطلاب والمعلمين والعاملين في المدرسة، واحداً من أكثر الأحداث الإنسانية مأساوية في العصر الحديث. ويؤكد العديد من المختصين والمهتمين ضرورة الحفاظ على بقايا هذه المدرسة وتسجيلها بوصفها وثيقة تاريخية ونُصباً تذكارياً للأجيال القادمة.
ففي 28 فبرایر 2026م وخلال الساعات الأولى من الاعتداء الصهيو امريكي على ايران، تعرّضت مدرسة شجرة طيبة في ميناب لثلاث ضربات صاروخية متتالية في جريمة وُصفت بأنها جريمة حرب غير مبررة ومقصودة، أُدرجت ضمن سجل الانتهاكات في عصر الأسلحة فائقة الذكاء والتطور.
وقد أسفر هذا الحدث الإنساني المأساوي عن مقتل 168 طفلاً من الطلاب، من الذكور والإناث، إلى جانب عدد من المعلمين والعاملين في المدرسة وأولياء أمور الطلاب في مدينة ميناب، ما أدخل العالم في حالة من الصدمة العميقة.
ومنذ وقوع هذه الحادثة المؤلمة وغير المسبوقة، شهدت الساحة المحلية والدولية موجات واسعة من التضامن، تمثلت في مواقف رسمية ودبلوماسية، ومراسم حداد شعبية في مختلف أنحاء إيران والعالم، إضافة إلى إنتاج أعمال فنية من قبل شعراء ومنشدين، ولا تزال هذه النشاطات مستمرة حتى اليوم.
كما تم الإعلان حتى الآن عن مشاريع متعددة، من بينها إنشاء نصب تذكارية ومراسم تخليد، أو تخصيص جناح خاص في أحد متاحف مجمع سعدآباد في طهران، إضافة إلى بناء 168 مدرسة في مختلف أنحاء إيران تخليداً لذكرى شهداء مدرسة شجرة طيبة في ميناب.
وقد أثار مشروع إعادة بناء المدرسة موجة إعلامية واسعة، حيث أعلنت مؤسسات متعددة، من بينها هيئة تجديد وتطوير وتجهيز المدارس، إلى جانب شركات ومؤسسات خيرية وأفراد من عامة الناس، استعدادها للمساهمة في هذا المشروع بروح من الصدق والدعم الإنساني.
كيف تحفظ الإنسانية آثار الحروب للأجيال القادمة؟
ومع أهمية جميع هذه المبادرات والبرامج، يشدّد المختصون على ضرورة عدم نسيان أن مدرسة «شجرة طيبة» وما تبقى من آثارها تمثل وثائق مادية لجريمة غير إنسانية، ينبغي الحفاظ عليها بوصفها شاهداً تاريخياً على ما حدث.
كلُّ طوبةٍ وكلُّ جزءٍ من جدار تلك المدرسة، وكلُّ صفحةٍ من كتابٍ دراسيٍّ محترق، وكلُّ سطرٍ من دفتر واجبات ممزّق داخل هذه المدرسة، وكل قلم، يجب أن يُصان ويُحفظ ليبقى شاهداً للأجيال القادمة، كي يعرفوا أيضاً ما الذي فعلته حروبُ قتلة العالم بالبشر وبالأطفال.
ومن الجدير بالذكر أن حفظ آثار الحروب وبقاياها في مواقعها الأصلية وبشكلها غير الممسوس، له سوابق معروفة في العالم.
فحتى اليوم ما تزال هناك مبانٍ متعددة، معظمها من مخلفات الحرب العالمية الثانية، محفوظة كما هي، إما على حالها الأصلية أو كأنقاض لم تُمسّ.
حين تتحول الأنقاض إلى ذاكرة
ومن بين أبرز الأمثلة، «القبة الذرية» في هيروشيما وهي مبنى يقع بالقرب من مركز انفجار القنبلة الذرية عام 1945، وقد تم الحفاظ على أنقاضه دون أي تغيير يُذكر، وأُدرج لاحقاً ضمن «حديقة السلام في هيروشيما»، كما سُجّل ضمن قائمة التراث العالمي لـليونسكو.
كما تُعدّ قرية أورادور-سور-غلان في فرنسا مثالاً آخر، إذ دُمّرت بالكامل في يونيو/حزيران 1944 على يد قوات «إس إس» الألمانية، وتمت إبادة سكانها. وبعد ذلك قرّر الفرنسيون الإبقاء على القرية كما هي، مدمّرة ومهجورة، وبناء قرية جديدة بجانبها، لتبقى شاهداً وطنياً على تلك المأساة.
ميناب في مرآة التاريخ
وبناءً على هذا السياق والسوابق العالمية، فإن مدرسة «شجرة طيبة» في ميناب لا ينبغي فقط أن تُصنّف باعتبارها وثيقة على جريمة حرب جماعية حديثة، بل يجب أيضاً متابعة الإجراءات القانونية والتنفيذية اللازمة لتسجيلها في المحافل الدولية مثل منظمة اليونسكو، على غرار «القبة الذرية» في هيروشيما.
وبهذا الشكل، لن يتحقق فقط شكل من أشكال التكريم والذكرى، بل سيكون هناك أيضاً إدانة دائمة في محكمة الرأي العام العالمي، بحقّ المتسببين والمنفذين لهذه الجريمة غير المبررة.
والجدير بالذكر أن إيران ليست غريبة عن هذا النوع من التجارب، إذ تمتلك منذ سنوات طويلة تجربة منظّمة تحت اسم «قوافل النور»، التي تعمل على ربط مواقع المعارك تاريخياً بمضامينها المعنوية والثقافية، بمشاركة شرائح واسعة من المجتمع.
ومن الممكن القول إن تحويل موقع مدرسة شجرة طيبة في ميناب وبقاياها إلى وجهة توثيقية وإنسانية جديدة، سيخلق مساراً للباحثين عن الحقيقة من مختلف أنحاء العالم، لفهم كيف يمكن لانحدار القيم الأخلاقية الأساسية لدى دعاة الحروب أن يقود إلى مثل هذه الجرائم الدموية والمخزية.
وبذلك، قد يصبح مشهد طفل من ميناب رمزاً مؤثراً في وعي شعوب العالم، بحيث يدفع المواطنين في الأنظمة التي تدّعي الديمقراطية إلى التوقف والتأمل أكثر قبل الإدلاء بأصواتهم لمن يسعون إلى السلطة.