وقد وصل وزير الخارجية عباس عراقجي مساء السبت الماضي (25 نيسان/ أبريل) على رأس وفد دبلوماسي إلى مسقط، لكي تدخل علاقات إيران مع سلطنة عُمان مرحلة جديدة؛ مرحلة ما بعد حرب قاسية لا يزال ظلّها مخيمًا على المنطقة، وقد يكون قادرًا على تغيير معادلات الجوار مرة أخرى.
وفي صباح اليوم التالي، كان وزير الخارجية الإيراني ضيفًا على السلطان هيثم بن طارق آل سعيد في قصر البركة بمسقط. وهناك، أعرب عراقجي عن تقديره للنهج المسؤول الذي اتبعته عُمان في مساعدة المسارات الدبلوماسية قبل الحرب، كما شكر الموقف المدبّر والحكيم لسلطان عُمان إزاء الحرب الأمريكية – الصهيونية المفروضة على إيران.
من جانبه، قدّم سلطان عُمان التعازي باستشهاد قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي(رض)، وسائر المسؤولين السياسيين والعسكريين والمواطنين الإيرانيين خلال العدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران، كما نقل تحياته إلى قائد الثورة الإسلامية ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وأكد عراقجي في هذا اللقاء عدة قضايا ومواقف إيرانية واضحة تجاه عُمان على نحو خاص، وتجاه المنطقة على نحو عام، وهي:
– عزم إيران على صون العلاقات الودية مع عُمان وسائر دول الضفة الجنوبية للخليج الفارسي.
– التأكيد على أن الوجود العسكري الأمريكي هو العامل الأساسي في بثّ الفرقة وزعزعة أمن المنطقة.
– ضرورة اعتماد دول المنطقة نهجًا بنّاءً ومسؤولًا من أجل بلورة آليات أمن جماعي داخلية المنشأ وخالية من التدخل الأمريكي.
كما أعرب سلطان عُمان عن أمله في إنهاء الحرب بأسرع وقت وبصورة قطعية، وعودة الاستقرار والأمن إلى المنطقة، معلنًا استعداد بلاده لتقديم أي مساعدة في هذا المسار. غير أن المحور المهم في هذا اللقاء، إلى جانب الموضوعات المشار إليها، كان بحث مضيق هرمز؛ إذ إن إيران وعُمان، بوصفهما بلدين تقع هذه الممرات المائية ضمن مياههما الإقليمية، بحثتا ترتيبات الإدارة والقضايا المرتبطة بسلامة وأمن الملاحة فيه. كما جرى، في هذا اللقاء وكذلك في لقاء وزير الخارجية مع نظيره العُماني، بحث العلاقات الاقتصادية الثنائية والمتعددة الأطراف، إلى جانب مفاوضات إنهاء الحرب بوساطة باكستانية.
وانتهت زيارة عراقجي التي استغرقت يومًا واحدًا إلى مسقط، في حين أعلن عراقجي في تغريدة، معربًا عن شكره لمضيفيه الكرماء في عُمان، أنه أجرى مع مسؤولي هذا البلد، بوصفه أحد البلدين الساحليين لمضيق هرمز، محادثات مهمة، وأن هذه المحادثات ركّزت على ايجاد حلول لضمان العبور الآمن في هذا المضيق. وهو أمر شدد وزير الخارجية على أنه يصبّ في مصلحة جميع جيران إيران الأعزاء والمجتمع الدولي، مؤكدًا أن «الجيران هم أولوية إيران» من وجهة نظر طهران.
وأوضح عراقجي لدى وصوله مطار سان بطرسبورغ في روسيا، في شرحه لزيارته إلى عُمان، المبادئ المشار إليها، وقال: إن هناك قدرًا كبيرًا من الاشتراك في وجهات النظر بين طهران ومسقط في مجال تأمين أمن مضيق هرمز، وإن توافقات قد حصلت أيضًا على استمرار المشاورات على المستويات الفنية والخبراتية.
كما أكد عراقجي في هذه التصريحات أمرًا مهمًا آخر، قائلًا: «كان من الضروري أن نعقد لقاء من أجل إقامة علاقات أوسع مع جيراننا، ولا سيما في منطقة الخليج الفارسي، لكي نتمكن من إدارة المشكلات القائمة».
ولم تقتصر إدارة المشكلات القائمة مع الجيران على زيارة عُمان؛ إذ أجرى وزير الخارجية خلال هذه الزيارة اتصالين هاتفيين مع نظيريه في السعودية وقطر. ففي اتصاله الهاتفي مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، شرح عراقجي مختلف أبعاد الوضع الراهن في المنطقة، ولا سيما التطورات المرتبطة بوقف إطلاق النار، ووضعه في أجواء آخر الجهود والتحركات الدبلوماسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية الرامية إلى إنهاء الحرب وخفض التوترات. كما تبادل رئيس السلك الدبلوماسي الإيراني، في اتصال هاتفي مع الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء وزير خارجية قطر، الآراء بشأن آخر التطورات الإقليمية والمسارات الدبلوماسية الجارية.
من جانبه، رحّب وزير الخارجية القطري بالنهج الدبلوماسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مؤكدًا استعداد بلاده لمواصلة أداء دور فاعل في مسار الوساطة وتسهيل الحوارات بهدف إنهاء الحرب.
كانت أول زيارة رسمية لوزير الخارجية بعد حرب الأربعين يومًا المفروضة، وفي فترة وقف إطلاق النار، إلى عُمان؛ الوسيط الذي لا يعرف الكلل في حوارات إيران وأمريكا، على الأقل خلال العقدين الماضيين. هناك، تغلّب المنطق العُماني أحيانًا على نزعات أميركا المفرطة في مطالبها، فوُضع أساس اتفاق مثل الاتفاق النووي، وأحيانًا أخرى، ومع غلبة النزعة الشمولية على المنطق والعقلانية، وُضعت أسس حربين فُرِضتا على إيران؛ واحدة استمرت 12 يومًا، وأخرى استمرت 40 يومًا.
ويمكن تقييم اختيار مسقط من زاوية هذا الجهد الصادق والدؤوب، كما يمكن النظر إليه من زاوية أن عُمان، طوال الحرب الأربعين يوماً المفروضة ضد إيران، وعلى الرغم من كل التزاماتها وشراكتها مع أمريكا، اتخذت، بتعبير وزير الخارجية الإيراني، موقفًا مدبّرًا، وحافظت على مصالحها من جهة، وحافظت أيضًا على علاقاتها الجيدة مع إيران من جهة أخرى عبر نهجها المستقل وإعطائها الأولوية لمبدأ الجوار.
ويمكن لهذا النهج المدبّر الذي اتبعه سلطان عُمان أن يشكّل نموذجًا لسائر دول المنطقة أيضًا؛ تلك الدول التي شكل وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، نظرًا إلى أنها توفّر الإمكانات اللوجستية اللازمة للهجوم، أحد أهم أسباب الهجوم على إيران وعلى دول أخرى في المنطقة.
إنّ الحقيقة غير القابلة للإنكار في الحرب المفروضة على إيران من جانب أمريكا والكيان الصهيوني أوضح من أن تستطيع دول المنطقة إنكارها؛ فقد شُنّت، من القواعد العسكرية الأمريكية المتمركزة على أراضي هذه الدول، هجمات واسعة ضد وحدة أراضي إيران، واستشهد كثير من الإيرانيين، ومن بينهم فتيات مدارس “الشجرة الطيبة” في ميناب، كما دُمّر كثير من الصناعات والممتلكات الإيرانية، واستشهد قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي(رض) وكثير من القادة العسكريين.
وقد نُشرت خلال الأربعين يومًا الماضية دلائل واضحة ووثائق محكمة لا يمكن إنكارها، واعترافات علنية وتقارير مؤكدة تثبت هذه الحقيقة. ولعل أحدثها، والأكثر مدعاة للتأمل، تقرير أشار إلى وجود منظومات عسكرية تابعة للقبة الحديدية للكيان الصهيوني في إحدى دول المنطقة.
وكانت القواعد العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت والإمارات والسعودية وقطر ضمن أهداف الجمهورية الإسلامية الإيرانية في حرب الأربعين يومًا، في وقت كانت طهران قد حذّرت، قبل بدء هذه المغامرة، وتحديدًا عندما كان الرئيس الأمريكي يغرّد بشأن إرسال «أسطول جميل!» إلى الخليج الفارسي، من عواقب ذلك، مؤكدة أن هذه الحرب لن تبقى محدودة بإيران وأمريكا والكيان الصهيوني، بل ستطال المنطقة كلها.
والواقع أن الجيران، خلال الحرب الأخيرة التي استمرت أربعين يومًا، لم يراعوا حُسن الجوار، أو بعبارة أبسط، لم يؤدّوا حق الجوار تجاه إيران. فإطلاق صواريخ «هيمارس» الأمريكية أرض – أرض من البحرين باتجاه جنوب إيران، والهجمات الإماراتية على جزيرتي سيري ولافان، أو الهجمات المسيّرة التي شنّتها الإمارات على أجزاء من إيران، ووجود القوات العسكرية الصهيونية والقبة الحديدية على أراضيها، ليست سوى أمثلة على مئات الهجمات التي انطلقت من أراضي هذه الدول ضد إيران، وقد جرى توثيقها ونشرها.
إنّ هذا العداء لإيران، في منطقة ذات خصائص ومواصفات مثل الشرق الأوسط وغرب آسيا -حيث تُعدّ طهران أحد أهم بلدانها، إنْ لم تكن أهمها- كان العامل الأساسي في زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن وغياب التنمية المستدامة.
لماذا تؤكد إيران على الأمن الإقليمي؟
إنّ نظرة دول جنوب الخليج الفارسي إلى إيران متأثرة بالتاريخ، واللاوعي الجمعي، والثقافة، والقوة الجيوسياسية لإيران؛ وهي عوامل جعلت مفهوم إيران، لا الآن فقط بل منذ قرون، تحديًا بالنسبة إلى هذه الأراضي. كما أن لجوء كثير من هذه الدول إلى القوى العابرة للإقليم من أجل ضمان أمنها يعود بجذوره إلى هذه النظرة التاريخية نفسها.
وقد ألقى ثنائي الطاعة للغرب والعداء مع إيران، على الأقل خلال القرن الماضي، بظلال ثقيلة على العلاقات الثنائية. كما يُعدّ الهجوم على إيران من أراضي هذه الدول من جانب أمريكا عبئًا جديدًا أُضيف إلى هذا الثقل. ومع ذلك، فإن طهران ترى أن دول هذه المنطقة ونهجها في الحرب الأخيرة أمر قابل للفهم، وتطلب منها في المقابل أن تُبدي الفهم نفسه.
إنّ المبدأ الواضح جدًا في توفير الأمن، ليس في غرب آسيا فقط، بل في جميع مناطق العالم، هو أن هذه النعمة إمّا أن تكون لجميع الدول الموجودة في تلك المنطقة، أو لا تكون لأحد.
ويمكن رؤية المظهر العملي لهذا الفهم في تصريحات كثير من المسؤولين الإيرانيين في خضم الحرب، حيث جرى التأكيد مرارًا على استمرار علاقات الجوار والأخوة مع هذه الدول، والإعلان أن إيران لا تضمر أي عداء أو خصومة لهذه الحكومات، وأن الهجوم على القواعد العسكرية الموجودة على أراضي هذه الدول يجب ألّا يُفهم بوصفه هجومًا عليها. كما أن زيارة وزير الخارجية إلى عُمان، ومحادثاته مع نظيريه السعودي والقطري، تعكس في ميدان العمل النظرة الإيجابية والأبوية لإيران تجاه هذه الدول.
وفي إطار هذه النظرة، تشدد طهران منذ مدة طويلة على أهمية مسألة توفير الأمن؛ أمن داخلي المنشأ يكون موفّروه الدول الموجودة في هذه الجغرافيا نفسها، لا قوى ذات أطماع مختلفة، وأحيانًا متعارضة، تسعى إلى توفير الأمن من مسافة آلاف الكيلومترات.
إنّ المبدأ الواضح جدًا في توفير الأمن، ليس في غرب آسيا فقط، بل في جميع مناطق العالم، هو أن هذه الأمن إمّا أن يكون لجميع الدول الموجودة في تلك المنطقة، أو لا يكون لأحد.
وتُظهر نظرة إلى جميع الحروب التي وقعت في العالم والمنطقة هذه الحقيقة بوضوح: إنّ انعدام الأمن والنزاع ليسا أمرًا محصورًا داخل جغرافيا بلدين، بل إنّ قدرتهما على الانتقال إلى دول أخرى عالية جدًا.
ومن هنا، تؤكد إيران في جميع خططها المقترحة خلال المفاوضات مع أمريكا على هذا المبدأ: أي اتفاق لإنهاء الحرب يجب أن يشمل جميع الجبهات المنخرطة في القتال، كما يجب أن يؤدي اللاعبون الأساسيون في المنطقة، مثل السعودية وقطر وعُمان من جهة، وباكستان وتركيا ومصر من جهة أخرى، دورًا في ضمان أي مسار سلام وتنفيذه.
إنّ الواقع الذي تشكّل بعد الهجوم العسكري الأمريكي – الصهيوني على إيران، في العالم وفي جنوب الخليج الفارسي، فرض ظروفًا خاصة على النظام الدولي بأسره، وإدارته تحتاج إلى تعاون جميع شعوب العالم، ولا سيما دول المنطقة. كما أنّ إصرار إيران على مشاركة دول الخليج الفارسي في أي خطة، على الرغم من جميع الإجراءات التي اتخذتها ضد إيران، يمكن تقييمه في إطار إدراك ضرورة هذا التعاون.
وينبغي لعواصم الدول المطلة على الخليج الفارسي أن ترحّب بهذا التعاون من جانب المنطقة، بالنظر إلى تجربة الحرب الأخيرة والحضور المكلف للقواعد الأمريكية في بعض الدول؛ وذلك لأن واقع قصف إيران طوال أربعين يومًا أثبت لها أن تغيير النظام في إيران سيكون أمرًا مستحيلًا، وأنّ عليها، شاءت أم أبت، أن تراعي حسن الجوار في علاقتها مع جارها الكبير، وإلا فلن يتمكن أحد من الحصول على الأمن اللازم لتنمية مدنه الذكية.