من منظور القانون الدولي، لم تُصادق إيران على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982م لقانون البحار UNCLOS، شأنها شأن الولايات المتحدة وتركيا والكيان الصهيوني وفنزويلا، وهي تكتفي بالاعتراف بـ«حق المرور البريء» وفق اتفاقية جنيف لعام 1958م، لا «حق المرور العابر». وهذه الوضعية القانونية الخاصة يمكن أن تشكّل أساسًا لطرح فكرة تقوم على استيفاء رسوم أو «بدل حماية» مقابل المرور، استنادًا إلى مسؤوليات مثل تأمين سلامة الملاحة ومكافحة التهريب ومنع التلوث، ومرافقة السفن.
وقد نجحت دول مثل مصر في توريق إيرادات قناة السويس، كما استفادت تركيا اقتصاديًا من موقع مضيقي البوسفور والدردنيل. وبإمكان إيران، استلهامًا من هذه التجارب، أن تخطو خطوة أبعد وتفتح صفحة جديدة في المعادلات الاقتصادية الإقليمية عبر توظيف موقعها الجيوسياسي.
يسعى هذا الطرح إلى رسم إطار حديث لتحويل مضيق هرمز إلى مؤسسة مالية قوية، من خلال الاعتماد على التدفقات النقدية المستقبلية الناتجة عن رسوم عبور السفن. ومن خلال تصميم أدوات مالية متنوعة، وإرساء نظام رقابي شفاف، وتنظيم الحوكمة على الجهات المستفيدة من المضيق، حيث يمكن توفير دخل مستدام لتطوير البنى التحتية الوطنية. وبهذا، يتحول هرمز من مجرد ممر مائي إلى مركز مالي دولي، تُتداول أوراقه المالية في البورصات العالمية، وقد يصبح على المدى الطويل أحد المؤشرات الاقتصادية الإقليمية المهمة.
المعمارية المالية الجديدة لمضيق هرمز.. أدوات التمويل
يمكن تنفيذ أدوات التمويل القائمة على رسوم العبور عبر منصتين متكاملتين: السوق الخارجية Offshore والسوق الداخلية. ففي السوق الخارجية، ونظرًا لندرة السيولة بالريال في النظام المالي العالمي، يصبح تطوير «الريال الخارجي» ضرورة، ما يقتضي تمكين الفاعلين الدوليين من فتح حسابات بالريال في فروع بنوك إيرانية أو مؤسسات مالية مرخّصة في الخارج.
وفي حال قبول الريال كوسيلة لدفع الرسوم، يُتوقع أن يحظى المشروع بإقبال واسع. إذ يمكن للتجّار تحويل أرصدتهم إلى حسابات خارجية، أو أن يدفع مالكو السفن بالعملات الأجنبية ليُحوَّل ما يعادلها إلى الريال لتسديد الرسوم. ويساهم هذا النظام في تسهيل المدفوعات وتعزيز قيمة العملة الوطنية، خاصة أن الريال لا يخضع للعقوبات الأولية مثل الدولار، ما يتيح إنشاء سوق مالية بديلة أقل تأثرًا بالعقوبات. وبالاستفادة من الطلب العالمي الحقيقي على خدمات تأمين الملاحة، يمكن لإيران جذب طيف واسع من الأدوات المالية والتجارية دون الاعتماد على الدولار، ما يشكّل انفراجة مهمة في إدارة القيود الاقتصادية.
وتشير التجارب الدولية إلى أن سعر الريال الخارجي يكون عادة أعلى من سعره في السوق المحلية. ومع توسّع استخدامه، يمكن تطوير أدوات متقدمة مثل «الاعتمادات التجارية الخارجية» و«العقود الآجلة غير القابلة للتسليم»، بما يعزز النظام المالي المرتبط به.
أما في السوق الداخلية، فيمكن للبنك المركزي أو تحالف من البنوك إصدار أدوات مالية قصيرة الأجل، مثل الأوراق التجارية وشهادات الإيداع، مدعومة بالتدفقات النقدية المستقبلية من رسوم العبور. وتُستخدم هذه الموارد في تمويل رأس المال العامل، وإدارة السيولة، ودعم المشاريع الاقتصادية، بما يعزز متانة النظام المصرفي.
الأدوات طويلة الأجل والاستثمار الهيكلي
تمثّل الأدوات طويلة الأجل العمود الفقري لتمويل المشاريع الوطنية الكبرى، حيث يمكن تحويل إيرادات المضيق إلى استثمارات إنتاجية مستدامة. وتنقسم هذه الأدوات إلى ثلاث فئات: السندات، صناديق الاستثمار، والأدوات الهيكلية.
في مجال السندات، هناك مساران:
– سندات مضيق هرمز: تُصدرها جهة عامة، ويُعتمد في سدادها على إيرادات الرسوم فقط
– سندات مشاريع هرمز: مخصّصة لتطوير البنية التحتية المرتبطة بالمضيق، مثل الموانئ، والمنشآت البحرية، وخطوط الأنابيب
أما صناديق الاستثمار، فتشمل:
– صندوق البنية التحتية الوطنية
– صندوق استثمارات المضيق
– صندوق الاستقرار والتنمية الإقليمية بمشاركة دول الجوار
وفي مجال الأدوات الهيكلية، يمكن تحويل التدفقات النقدية إلى أصول قابلة للتداول عبر التوريق، مع ابتكار أدوات مثل:
– مقايضة الرسوم بالسلع
– عملات رقمية مدعومة بالإيرادات
– عقود خيارات المرور
– بورصة لامركزية لمضيق هرمز
إطار الحوكمة والرقابة
نظرًا لحجم الإيرادات المحتملة “نحو 100 مليار دولار سنويًا وفق بعض السيناريوهات”، يتطلب تحقيق أقصى استفادة تصميم «معماريّة مالية حديثة» تشمل أنظمة تسوية، وتعزيز السيولة، ودعم التفاعل مع تقنيات مثل البلوكشين والعملات الرقمية.
وبسبب تعقيد هذا النظام، يصبح من الضروري إنشاء إطار حوكمة شامل يغطي الجوانب المالية، والقانونية، والأمنية، والتنموية، ويشمل:
– قوانين مكافحة غسيل الأموال
– تنظيم عمليات الملاحة والمرافقة
– شفافية العقود
– هياكل قانونية مستقلة
كما أن إنشاء «منطقة اقتصادية خاصة لهرمز» مع حوافز ضريبية وتخفيضات تشغيلية يمكن أن يجذب المستثمرين ويخفض التكاليف.
الخلاصة الاستراتيجية
في حال تحقق هذا التصور، لن يبقى مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل سيتحول إلى مركز مالي عالمي تتجاوز حدوده الجغرافيا إلى الفضاء الرقمي والأسواق الدولية. فالقوة الحقيقية لن تكون لمن يمتلك النفط، بل لمن يتحكم بآليات التسعير والتسوية.
غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب:
– بنية إدارية ومالية متقدمة
– كوادر بشرية عالية الكفاءة
– نظام رقابي شفاف
– أمن سيبراني قوي
وكما أن امتلاك منجم ذهب يستدعي حمايته، فإنّ إدارة هذا المشروع تفرض على إيران اعتماد منظومة أمنية متطورة. وفي النهاية، فإن نجاح هذا النموذج يعتمد على الجمع بين الابتكار المالي، والذكاء الدفاعي، والدبلوماسية الاقتصادية النشطة.