وأكد حسين أفشين، خلال هذه الزيارات، على الدور المحوري للأكاديميين والمبتكرين في حماية الحدود العلمية للبلاد، كاشفاً عن خطط حكومية جديدة لترميم المراكز البحثية المتضررة والارتقاء بالمستوى التقني للصناعات الاستراتيجية، وهو المسار الذي يصفه بأن العلم والعمل هما جناحا الحركة الإيرانية في خضم “حرب الإرادات”.
الحدود العلمية.. الخط الأمامي للاقتدار الوطني
في الشطر الأول من جولته، قام نائب رئيس الجمهورية بزيارة “جامعة أصفهان للتكنولوجيا”، حيث عقد لقاءً مع رئيس الجامعة وأعضاء هيئة التدريس، معتبراً صيانة الحدود العلمية للبلاد لا تقل شأناً عن حماية الحدود الجغرافية.
وأشار أفشين إلى التصريحات الأخيرة لقائد الثورة الإسلامية بمناسبة يوم المعلم وعيد العمال ويوم الخليج الفارسي، قائلاً: تماماً كما تُصان الحدود البرية والبحرية للبلاد، فإن الحدود العلمية تُحفظ وتُعزز بفضل جهود العلماء الشباب والأساتذة والباحثين في الوطن؛
فالعلم هو رأس مالنا الوطني.
وأضاف أفشين في تصريحات لمراسلين في محافظة أصفهان: إن الشعب الإيراني يمتلك تاريخاً طويلاً في مواجهة التهديدات الخارجية، وما نشهده اليوم ليس إلا استمراراً لتلك المعركة بين الإرادات؛ إرادة شعبٍ يشيد أركان حضارته بالمعرفة والسعي.
وشدد على أن الحضارات لا تُبنى ولا تُهدم بالسلاح، موضحاً: لم يستطع السيف أو القنبلة أو الصاروخ يوماً أن يبني حضارة أو يمحوها؛ بل إن ما يضمن بقاء الأمم واستدامتها هو إرادتها وعمق معرفتها. وسيواصل الشعب الإيراني، بالاعتماد على ثروته البشرية، مسار الاقتدار العلمي والتقني بكل قوة.
إعادة الإعمار العلمي والبحثي.. من المباني إلى الدافع الإنساني
وفي ردّه على سؤالٍ حول برامج الحكومة لإعادة بناء الجامعات والمراكز البحثية المتضررة، أشار أفشين إلى خطة متماسكة ومتعددة المراحل، قائلاً: في المرحلة الأولى يتم جمع بيانات الأضرار، ثم تُرمَّم الجهات التي أصابها تلف جزئي، وبعد ذلك يُباشَر تنفيذ مشروع إعادة إعمارٍ كامل للمراكز التي تعرضت لأضرار جسيمة.
وأضاف، مؤكداً أن العنصر البشري يُعدّ في هذا المسار الشاغل الأهم للحكومة: إن الضرر لا يقتصر على المعدات أو المباني فحسب؛ بل إن هاجسنا الأساسي هو استمرار الحراك الفكري والإنساني في البلاد. ولا بدّ من ضمان عودة الأنشطة العلمية والبحثية سريعاً إلى مسارها المعتاد.
العلم والعمل.. جناحا التحليق في “حرب الإرادات”
وخلال استكمال جولته في الجامعة، وبمناسبة يوم المعلّم وعيد العمّال، أشاد أفشين بالكوادر العلمية والعمالية في البلاد، واصفاً إياهم بـ«جناحي التقدم في إيران»، حيث قال: بعد أن اجتزنا ميادين شتى، من الحرب إلى الدبلوماسية، نحن اليوم في نقطة يمكن تسميتها “حرب الإرادات”. وفي هذه المرحلة، يتوجب علينا تعزيز اقتصاد البلاد وتقنياتها عبر العلم والإرادة والانسجام الوطني. وأضاف: إن تاريخ إيران يشهد بأن أمّتنا كلما تكاتفت، استطاعت بناء البلاد والخروج من الأزمات مرفوعة الرأس. وهذا المسار سيمضي قُدماً من خلال التآزر بين الجامعة والصناعة والشعب.
فولاذ مباركه.. إعادة إعمار تكنولوجية لا عودة بسيطة
في المحطة الثانية من الزيارة، توجّه نائب رئيس الجمهورية إلى مجمّع فولاذ مباركه العملاق في أصفهان؛ وهو قطاع صناعي رغم الأضرار الأخيرة، لا يزال يُعدّ القلب النابض للاقتصاد الوطني. وقال خلال لقائه مديري المصنع: إن إعادة إعمار فولاذ مباركه ليست مجرّد إحياء للماضي، بل خطوة نحو الارتقاء بالتكنولوجيا، وأتمتة خطوط الإنتاج ورفع مستوى ذكائها، إلى جانب إنشاء حديقة متخصصة للعلوم والتكنولوجيا في مجال الفولاذ.
وأضاف، مستعرضاً المسار التاريخي لصمود الشعب الإيراني: لقد استطاعت إيران على امتداد تاريخها -من الغزو المغولي إلى الحروب المفروضة الأخيرة- أن تنهض كطائر الفينيق من تحت الرماد. وفي عهد الخواجة نصير الدين الطوسي، حتى في ذروة الأزمة، تحوّل العلم في مراغة إلى مرصد عالمي. إن حضارتنا حيّة بالمعرفة.
الإضرار بالصناعة.. إضرار بالبشرية
وأشار أفشين إلى الطبيعة العالمية للعلم والصناعة، قائلاً: عندما يُكتشف دواء أو يُنتَج منتج صناعي، فإن البشرية جمعاء تستفيد منه، وإن استهداف صناعة مدنية مثل “فولاذ مباركه” يُعدّ في الحقيقة مساساً بالأمن والرفاه العالميين. وأضاف مشيراً إلى البُعد الإنساني لهذا الصرح الصناعي: ترتبط أنشطة مئات الشركات الخاصة والحكومية، إضافة إلى آلاف العمال وأسرهم، بعمل مجمّع فولاذ مباركه، وأي ضرر يلحق بهذه الصناعة هو ظلمٌ للمواطنين وللاقتصاد الوطني.
حديقة علم وتكنولوجيا متخصصة للفولاذ.. تكامل المعرفة والصناعة
وفي جزء آخر من تصريحاته، أعلن نائب رئيس الجمهورية لشؤون العلوم عن بدء برنامج لإنشاء حديقة علم وتكنولوجيا متخصصة في قطاع الفولاذ، قائلاً: يمكن لهذه الحديقة أن تشكّل نقطة التقاء بين الجامعات والشركات المعرفية والصناعات الفولاذية؛ فضاءً لولادة التقنيات المحلية، وتعزيز الإنتاجية، وتطوير الصادرات القائمة على المعرفة. وأضاف: أن إنشاء مثل هذه الحديقة يُعد جزءاً من استراتيجية تطوير التكنولوجيا في الصناعات الأساسية، موضحاً:
الفولاذ ليس مجرد صناعة، بل هو بنية تحتية لمئات التقنيات الأخرى؛ فمن الخوارزميات الذكية إلى المواد المتقدمة، يمكن لجميعها أن تنمو وتثمر في إطار هذه الحديقة.
الأزمة فرصةٌ لقفزة تكنولوجية
واعتبر أفشين أن الأزمات قد تتحول إلى فرص، قائلاً: أحياناً يتيح توقف خطوط الإنتاج فرصة لإعادة التقييم، وتركيب أجهزة الاستشعار، وتصميم الأنظمة الذكية. واليوم ينبغي استثمار هذه الفرصة لرفع فولاذ مباركه إلى المعايير العالمية في مجال التحول الذكي.
وأكد أن مقاربة معاونته في إعادة إعمار البلاد لا تقتصر على التعويض فحسب، بل تقوم على التحديث والارتقاء، مضيفاً: في كل مجال يتاح لنا، يجب أن نتجه نحو تقنيات أكثر تقدماً؛ وهذا ليس شعاراً، بل برنامج عملٍ تنفيذي.
الاقتصاد.. ساحة المقاومة الجديدة
ووصف أفشين «الاقتصاد» بأنه الضلع الرابع في ميدان المقاومة، قائلاً: إن الحفاظ على فرص العمل، واستمرار عجلة الإنتاج، وضمان استدامة نشاط الشركات، يكتسب اليوم قيمة لا تقل عن سائر ميادين المقاومة. إن دعم الاقتصاد الوطني هو في جوهره دعمٌ للكرامة الوطنية. وأضاف: تُسهم الشركات الخاصة والحكومية، من خلال مواصلة العمل والحفاظ على الكوادر البشرية، في إبقاء أعمدة الاقتصاد الوطني قائمة وصامدة.
التعاون الإقليمي.. التكنولوجيا بديلاً عن سباق التسلّح
وفي ختام كلمته، تطرّق أفشين إلى دور إيران في مسار التعاون الإقليمي، مؤكداً أن «أمن المنطقة وتنميتها الاقتصادية يتحققان عبر التعاون بين دول الخليج الفارسي، لا من خلال تدخل القوى الأجنبية»، وقال: إن إيران مستعدة للتعاون مع دول المنطقة في مجالات العلم والتكنولوجيا، بما يسهم في تحويل الخليج الفارسي إلى قطب للمعرفة والاقتصاد.
دعم كامل من المعاونية العلمية لمجمع فولاذ مباركه والجامعات
وأكد نائب رئيس الجمهورية، في حديثه إلى صحفيي محافظة أصفهان، أن المعاونية العلمية على استعداد للمشاركة في تحديث وتطوير التكنولوجيا في مجمع فولاذ مباركه، وذلك بالاستعانة بالشركات المعرفية والفرق التخصصية من مختلف أنحاء البلاد. كما شدد على أن إعادة إعمار المراكز البحثية في الجامعات ستحظى بدعم كامل بوصفها إحدى أولويات الدولة. وأضاف: إن استدامة مسار العلم والتكنولوجيا في الظروف الصعبة تمثل دليلاً على نضج الأمة الإيرانية؛ أمة ترى في العلم رصيدها المقاوم.
وفي هذه الجولة ذات البُعدين العلمي والصناعي، برزت رسالة واضحة من الدولة والشعب في إيران، مفادها أن المعرفة والإرادة والتضامن هي العناصر الثلاثة الأساسية لتجاوز الأزمات وصناعة المستقبل.
وفي رؤية نائب رئيس الجمهورية لشؤون العلوم، لا تُصان حدود البلاد بالجندي وحده، بل بالباحث والعامل أيضاً؛ ومن رحم جهود الأكاديميين والتقنيين، سيولد مستقبل أكثر رسوخاً ومناعة.