مناسك الحج ودلالاتها الفلسفية.. بين رداء الإحرام وكفن الآخرة

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تحلّ أيام التشريق المباركة، ويهفو حجاج بيت الله الحرام نحو جبل عرفات لأداء مناسك حج التمتع. هناك، تكتسي العبادة أبعاداً روحية أعمق وهي تجري على وقع دعاء عرفة الخالد للإمام الحسين(ع)؛ ذلك الدعاء الذي يربط شعائر الحج بعمق الثورة الحسينية.

علي متقيان

مديرعام مؤسسة إيران الثقافية والإعلامية

 

 

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تحلّ أيام التشريق المباركة، ويهفو حجاج بيت الله الحرام نحو جبل عرفات لأداء مناسك حج التمتع. هناك، تكتسي العبادة أبعاداً روحية أعمق وهي تجري على وقع دعاء عرفة الخالد للإمام الحسين(ع)؛ ذلك الدعاء الذي يربط شعائر الحج بعمق الثورة الحسينية.

 

 

وفي تلك الأجواء الإيمانية، تلهج ألسنة الحجيج بالنداء والتضرُّع، مستحضرين حقيقة كبرى: «يا أبا عبدالله، لولا خروجك في ذلك اليوم التاريخي لحفظ قيم الدين، لما بقي للإسلام الأصيل، ولا للحج الحقيقي، ولا للصلاة والصيام رسم ولا أثر، فكل هذه العبادات إنّما استمدّت ديمومتها من اسمك ومن ثورتك المباركة».

 

 

قبل الدخول إلى أرض العرفان والمعرفة في عرفات، واقتداءً بنهج خليل الله إبراهيم(ع)، وتلبية لأوامر الرسول الخاتم محمد(ص) الذي أحيا وأقرّ مناسك الحج الإبراهيمي في حجة الوداع؛ يتعين على الحجاج خلع زينة الدنيا وثياب التفاخر والتميز، ليرتدوا رداء الآخرة بقلوب خاشعة ملبية.

 

 

في هذه المرحلة من حجّ التمتع، يرتدي الرجال رداءين أبيضين غير مخيطين، وتكتسي النساء بالبياض، دون الحاجة للذهاب إلى المواقيت الخارجية؛ فالإحرام هنا ينطلق من قلب مكة نفسها. وثمة حكمة بالغة في الإحرام من داخل مكة؛ فالبيت إنما يُفتح لأهله، وحين يخلص المرء في تعلقه بالبيت ويصبح من جملة أهله، يُؤذن له أن يبدأ رحلته من جواره.

 

 

أمّا في المرّة الأُولى (خلال العمرة المفردة)، وحينما كان المرء لا يزال غريباً عن الدار، جاء الأمر الإلهي بالإحرام من مواقيت بعيدة خارج حدود الحرم، كشرط لنزع علائق الدنيا المادية، وارتداء رداء أشبه بالكفن، يخلو من أي دلالة على منصب أو جاه أو رتبة اجتماعية، ليتساوى الجميع في محضر الرب الجليل.

 

 

وحين ينال العبد شرف الدخول ويؤدي سجدة الشكر على هذا الإنعام، يُشرع له الطواف بالبيت العتيق، تليها صلاة الطواف خلف مقام النبي إبراهيم(ع) بقلب مطمئن؛ مستحضراً كيف تجاوز خليل الرحمن شتى الابتلاءات الإلهية، وكيف قاد ابنه إسماعيل إلى مذبح التضحية مستسلماً للقضاء، ومستذكراً في الوقت ذاته ثبات إسماعيل ويقينه وهو يقول: “سَتَجُدَنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ“.

 

 

ينطلق الطواف من الحجر الأسود -تلك الآية الإلهية على الأرض- ليتمّ الحجيج أشواطهم السبعة وسط أجواء قد يشتدّ فيها الهجير والزحام؛ لكنها تؤول في النهاية إلى بئر زمزم العذب، ليُسلِّم الحاج على إسماعيل الذي لم يُذبح، ليخرج من نسله الطاهر الرسول الخاتم محمد(ص) ليحدث تحولاً وهداية عالمية، ويولد من نسل خاتم الرسل الإمام الحسين(ع)، ثم يستحضر الحاج تدفق البركة الإلهية لنصرة السيدة هاجر وابنها، والتي امتدت بركتها لتشمل البشرية إلى قيام الساعة.

 

 

وهناك، يرفع العبد يده بالدعاء طالباً “العلم النافع والرزق الواسع”؛ حيث يطلب من الله العليّ القدير علماً نافعاً يصير به عالماً ببصيرته، ليدرك كنه مسيرته: من أين أتى؟ وأين يقف الآن؟ وإلى أين يمم وجهته ومقصده؟ فإذا جهل المرء المقصد ولم يكن على علم وبصيرة به، تلاقفته أيدي المضلين، وظهروا في طريقه واحداً تلو الآخر ليقطعوا عليه حركته ومسيره. كما يسأل الله رزقاً واسعاً يغنيه عن الحاجة إلى الآخرين.

 

 

في هذا المسار العبادي الممتد، وحين يستذكر الحاج بوجدانه الأب والابن (إبراهيم وإسماعيل)، يبرز دور الأُمّ جلياً؛ وهو دور لا يقلّ شأناً وعظمة عن دور الزوج والابن. فالمرء يؤدي السعي بين جبلي الصفا والمروة اللذين جُعلا من شعائر الله، استذكاراً وتخليداً لركض السيدة هاجر، أُمّ إسماعيل، التي لم تطق رؤية عطش وليدها، فكانت تهرول بين الجبلين تتبع السراب علّها تجد ماءً تروي به طفلها.

 

 

وكم هو بليغ ومبارك ذلك السعي؛ إذ إنّ ركضها لسبع مرّات قد آتى أكله، فنبعت من تحت قدمي إسماعيل عين فوّارة متدفّقة اتسعت أرجاؤها، وبقيت بركة هذا النبع الإلهي تفيض إلى الأبد، ومهما غُرف من مائه فلن ينضب، وغدت بركته دائمية مستمرة لأهل الأرض قاطبة إلى قيام الساعة.

 

 

إنّ مناسك الحج تعيد صياغة الوجود الإنساني؛ فبعد السعي بين الصفا والمروة -تخليداً لركض السيدة هاجر بحثاً عن الماء لوليدها- يُسمح للحاج بالتقصير، عبر قصّ شيء من شعر الرأس أو الأظافر، ليتخلى بذلك عن إحرامه ويصبح “محِلاً”، ويخلع لباس الإحرام، ثم يُباح للحاج الإقامة في رحاب مكة المكرمة كبلد آمن. وهنا تكتسب إقامته صفة الاستقرار، فتغدو صلواته كاملة غير مقصورة، لأنه لم يعد في حكم المسافر، بل أصبح في بيته ومستقره.

 

 

ومع حلول اليوم الثامن من ذي الحجة، تبدأ مرحلة مغايرة تماماً؛ فبعد أن كان الدخول في المرة الأولى يتطلب الإحرام من خارج مكة، بات الانطلاق الآن من عمق البيت نفسه، حيث يُؤذن له من باب قوله تعالى:

 

“ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ”.

 

 

فبعد أن يرتدي المرء لباس الآخرة في البيت، ويقرّ ويعترف بأنه -بمحض إرادته وباختياره- قد نزع في بيته لباس الدنيا ذي العلامات والاعتبار المادي، وارتدى رداء الآخرة، يكون على أهبة الاستعداد لتنفيذ مناسك وأحكام الحج.

 

 

وحين يختار الطريق ويرتدي لباس العبودية، يُمنح الإذن بالتلبية وأخذ الإذن المتجدد: “لبّيك اللّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك”. ومع النطق بالتلبیة عقب عقد نيّة حج التمتع، تحرم على الحاج محرمات الإحرام؛ ومنذ تلك اللحظة يصير محرماً، وتجب عليه أعمال وتُلقى على عاتقه فريضة كبرى.

 

 

ومن المسجد الحرام ومن جوار الكعبة المشرفة، يخرج الحاج مرتديًا رداء الآخرة (الإحرام) متوجهاً نحو صعيد عرفات. هذا المسار يحمل دلالات عميقة؛ وعادة ما يُنقل الحجاج إلى عرفات قبل ليلة واحدة (ليلة التاسع) ليتسنى لهم الاستعداد الروحي والنفسي بشكل أكبر، بيد أن الأعمال والإقامة الفعلية في أرض العرفان والمعرفة هذه تبدأ من زوال شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، حيث يتوجب على الحاج المبيت والوقوف في هذه الأرض ليصل إلى كنه المعرفة. وفي هذا الجبل، يكون لباس الجميع أبيض ناصعاً، وكأنهم جميعاً مرتدو أكفان قد حُشروا صفًّا واحدًا ليوم القيامة والنشور. وحينها يتذكّر المرء القيامة وأهوالها في أرض عرفات، ويبكي على الإمام الحسين(ع) الذي غادر هذه الأرض لتبقى عزيزة مصونة شامخة.

 

 

وفي عرفات، حيث يمتزج العرفان بالدموع والاستغفار، تُبيَض الصحائف وتُغفَر الذنوب إكراماً لقدسية المكان، ليعود المرء طاهراً كاليوم الذي ولدته فيه أُمّه، شريطة أن يكون المرء قد تحلل من مظالم العباد وحقوق الناس، وهي التبعة التي لا تسقط إلّا بعفو أصحابها.

 

 

وبانتهاء الوقوف بعرفة، يفيض الحجيج نحو مزدلفة (المشعر الحرام) ليمضوا ليلتهم في وادٍ فسيح بلا بناء أو سقوف؛ وهو تمرين عملي آخر على مشهد المحشر، حيث يتساوى قاطنو القصور بساكني الأكواخ تحت مظلة العبودية المطلقة. وفي المشعر، يتزوّد الحاج بالوعي والبصيرة وينال السلاح الروحي الذي يؤهله مع شروق الشمس للانطلاق نحو منى لمقارعة الشياطين.

 

 

وفي أرض منى، تحظى محاربة الشيطان الأكبر بالأولوية القصوى؛ فما لم تطأ الشيطان الأكبر بقدميك وتدحره، لن يكون تطهير النفس من الشياطين الصغار أمراً ممكناً.

 

 

هناك، يسير الحاج على خطى النبي إبراهيم(ع) الذي رجم وسواس الشيطان وأقصاه عن نفسه، ليمضي قدماً في إنفاذ الأمر الإلهي، حتى فداه الله بذبح عظيم صار سنّة متبعة ومناسك للحج.

 

 

وعندما يفرغ الحاج من أداء واجب القربان في المذبح وينفذ الأمر الإلهي، تخلیاً عن الأنانيات والمطامع الذاتية، يثبت الرجال عبوديتهم لله عبر “الحلق”؛ فنحر الشعر -وهو من مظاهر زينة الإنسان- يُعدّ تعبيراً عن الطاعة المطلقة والتسليم التام.

 

 

وبعد هذه المحطة الشاقة من الجهاد الروحي، يُؤذن للحاج بارتداء ثيابه الاعتيادية والعودة إلى مكة؛ لكنه يعود هذه المرّة بصفة جديدة: لقد بات “محْرَماً” وأهلاً للمنزل، والمحرم الصادق لا يحتاج إلى مظاهر الإحرام المادية ليدخل بيت ربّه، بل يدخله بزاده من المعرفة والعرفان والبصيرة التي استقاها من رحلته.

 

 

وفي الختام، يطوف الحاج طواف الإفاضة، ويؤدي طواف النساء وصلاته إجلالاً وإكراماً للمرأة والمُثل التي جسّدتها الأمومة في تاريخ هذا الدين العظيم. وبانتهاء هذه المناسك، لا يعود هناك مجال للتقصير أو الغفلة؛ فالذي عاهد ربّه في هذه المواقف العظيمة ونال صكّ الغفران، يغدو إنساناً رسالياً، يترفّع عن الدنايا، ويتحرّك في المجتمع كعبد صالح يسعى لإحقاق الحق وبث الخير، محصناً بنور الحج الذي لا ينطفئ.

 

 

المصدر: الوفاق