مرسخاً التفوّق الميداني للمقاومة

جنوب لبنان.. ميدان استنزاف يُفشل التوغلات الصهيونية ويُسقط التفوق الناري

 تُظهر المقاومة قدرة ميدانية عالية على إدارة الاشتباك وفرض معادلة استنزاف تُفشل محاولات التوغل وتمنع تثبيت أي سيطرة للاحتلال

يتقدّم المشهد الميداني في جنوب لبنان اليوم كدليل صارخ على أنّ معادلة القوة لم تعد تُقاس بحجم النيران، بل بقدرة الطرف الأقوى إرادةً وتنظيماً على فرض إيقاعه على الميدان. وهنا تتقدّم المقاومة الإسلامية بوصفها الطرف الذي يمسك بزمام المبادرة، ويُعيد تشكيل خطوط التماس وفق حساباته، فيما تتكشّف حدود القدرة الصهيونية على تحويل التفوق الناري إلى أي شكل من أشكال السيطرة الأرضية. فكل ما يروّجه الاحتلال عن «إنجازات نوعية»، بما فيها وصول بعض وحداته إلى مجرى الليطاني، يتهاوى أمام حقيقة أنّ هذا التقدم لم يكن سوى حركة ضيقة ومحدودة عبر أقصر المحاور وأكثرها هشاشة، احتاجت إلى ثلاثة أشهر من القصف العنيف وسياسة الأرض المحروقة، من دون أن تنجح في تثبيت وجود أو فرض واقع عملياتي جديد.

 

في المقابل، تظهر المقاومة كقوة صلبة ومرنة في آنٍ معاً، تُدير الاشتباك بذكاء ميداني يُربك العدو ويمنعه من التقاط أنفاسه. فإيقاعها ليس ردّ فعل، بل فعلٌ مُحكم يُعيد صياغة المعركة لحظة بلحظة، ويحوّل كل محاولة توغّل صهيونية إلى عبء عملياتي يتآكل من الداخل. ومع كل خطوة يتقدمها العدو، تتسع دائرة الاستنزاف التي تحاصره، ويتبدّى عجزه عن التمركز أو المناورة، فيما تبقى المقاومة ثابتة في موقع المبادرة، تُمسك بالأرض وتتحكم بإيقاع النار، وتحوّل الميدان إلى مساحة اختبار تُظهر فيها هشاشة القوة الصهيونية أمام صلابة المقاتل الذي يعرف أرضه ويقاتل بثبات لا يتزعزع.

 

 

«إنجاز الليطاني» بين الخطاب الدعائي وحقيقة الميدان

 

تؤكد مصادر ميدانية أنّ وصول قوات الاحتلال إلى مجرى الليطاني لم يكن اختراقاً استراتيجياً، بل تقدماً محدوداً لا تتجاوز مسافته ثلاثة كيلومترات عن نقطة الانطلاق في إصبع الجليل، وهو المحور الأقرب والأضيق والأقل تعقيداً. وحتى هذا التقدم احتاج إلى ثلاثة أشهر من القصف الجوي والمدفعي المكثف، وإلى تدمير كامل القرى الواقعة على خط الحركة، مثل العديسة وكفركلا ورب ثلاثين، وهي مناطق كانت خالية من المدنيين ومن أي وجود ثابت للمقاومة. ومع ذلك، لم يتمكن الاحتلال من تثبيت وجوده في أي من هذه النقاط، إذ بقيت خطوطه الخلفية وتجمعاته تحت نيران المقاومة، ما جعل كل خطوة إلى الأمام تتحول إلى عبء عملياتي جديد يفتقر إلى الأمن والاستقرار.

 

محاولات التوغل.. تقدّم بلا سيطرة واستنزاف بلا توقف

 

تعتمد قوات العدو الصهيوني في محاور الجنوب على نمط عملياتي يقوم على التقدم المدرع تحت غطاء ناري كثيف، يتبعه إدخال وحدات مشاة وهندسة لمحاولة تثبيت نقاط تموضع. إلا أنّ هذا النمط يصطدم ببيئة اشتباك لا تسمح بالاستقرار، حيث تتحول كل نقطة تموضع إلى هدف مكشوف، وتتعرض خطوط الحركة لضغط ناري متواصل منذ لحظة دخول الآليات إلى العمق. ومع كل محاولة إسناد أو إخلاء، تتصاعد الخسائر، وتفقد قوات العدو القدرة على المناورة، فتضطر إلى التراجع أو إعادة التموضع تحت غطاء القصف. وهكذا يتبدّى العجز الصهيوني عن تحويل التفوق الناري إلى سيطرة فعلية، إذ ينتج القصف مساحات تدمير واسعة من دون أن ينجح في فرض تمركز مستدام.

 

أداء المقاومة.. تفكيك القدرة الهجومية بدل مواجهتها المباشرة

 

في المقابل، تعتمد المقاومة الإسلامية نهجاً يقوم على المرونة الميدانية وتفكيك القدرة الهجومية للعدو عبر تحويل محاور التقدم إلى بيئات استنزاف نشطة. لا تقوم استراتيجيتها على التمركز الثابت، بل على حركة اشتباك مرنة تُبقي القوات المتقدمة تحت ضغطٍ مستمر، وتستهدفها في لحظات الحركة حيث تكون أكثر عرضة للإرباك. ومع تنويع أدوات الاشتباك بين الكمائن، والاستهدافات الدقيقة، والمسيرات الانقضاضية المفخخة، تتشكل بيئة قتالية متعددة الطبقات تمنع العدو من ضبط الميدان أو تحويل التقدم إلى سيطرة. ومع تكرار هذا النمط، تتعرض السلاسل اللوجستية الصهيونية لاضطراب متصاعد، ما يحد من القدرة على الاستمرار في الهجوم ويحوّل كل محاولة اختراق إلى معركة مستقلة تتآكل فيها القدرة التنظيمية للقوات المهاجمة.

 

زوطر الشرقية ويحمر الشقيف.. نموذج الاشتباك المركّب

 

يُعدّ محور زوطر الشرقية – يحمر الشقيف نموذجاً واضحاً لفشل الاحتلال في التثبيت. فقوات العدو الصهيوني لم تتمكن من السيطرة على البلدتين، ولا تزال عند أطرافهما الجنوبية، فيما تستمر الاشتباكات العنيفة التي تمنع أي تموضع ثابت. وفي كل موجة تقدم، تتحول لحظة دخول الآليات إلى العمق إلى نقطة انهيار عملياتي، إذ تبدأ عمليات استهداف مباشر تُربك الحركة وتدفع نحو التوقف أو الانسحاب. ورغم القصف المكثف الذي يستهدف القرى المحيطة ومحاور الحركة، تبقى خطوط التماس متحركة، ويتبدل المشهد مع كل محاولة تقدم جديدة. ويكشف هذا المحور أنّ الاحتلال عاجز عن تجاوز نطاق جغرافي محدود يتراوح بين ثلاثة وخمسة كيلومترات داخل العمق، وأنّ أي تقدم يبقى هشاً وغير مستقر بفعل الضغط الناري المستمر الذي يطال خطوط الإمداد ومسارات الحركة.

 

تفكّك القدرة الصهيونية تحت ضغط الاستنزاف

 

مع تراكم العمليات، تتضح ملامح خلل بنيوي في القدرة الصهيونية على إدارة المعركة. فكل تقدم جديد يضيف عبئاً عملياتياً إضافياً، وكل محاولة تثبيت تتحول إلى نقطة استنزاف جديدة، ما يخلق حلقة مغلقة من التحرك والتراجع. ومع مرور الوقت، يفقد العدو القدرة على المبادرة، ويصبح البقاء في الميدان أكثر كلفة من التقدم فيه. وهكذا يتحول العامل الزمني نفسه إلى عنصر ضغط إضافي، فيما تستفيد المقاومة من طول أمد الاشتباك لإعادة إنتاج ميزان القوة وإبقاء العدو في حالة إنهاك مستمر.

 

القصف الصهيوني.. غطاء ناري لغياب السيطرة

 

كلما فشل الاحتلال في التقدم أو التثبيت، يلجأ إلى تكثيف القصف الجوي والمدفعي على القرى ومحيط محاور الاشتباك. إلا أنّ هذا القصف، مهما اشتدّ، لا يعكس قوة بقدر ما يعكس عجزاً عن تحقيق أهدافه البرية. فبدلاً من السيطرة على الأرض، يحاول الاحتلال خلق «إنجاز ناري» يعوّض غياب الإنجاز الميداني، وغالباً ما يستهدف المناطق التي ينسحب منها أو يفشل في التقدم داخلها، في محاولة لإظهار أنّ الانسحاب كان «تكتيكياً». لكنّ هذا القصف لا يُغيّر حقيقة أنّ الميدان هو الذي يحكم، وأنّ التفوق الناري لا يتحول إلى سيطرة، بل يكشف حجم الإرباك داخل القيادة العسكرية الصهيونية.

 

ختاماً يتبيّن اليوم أنّ جنوب لبنان لم يعُد مجرّد ساحة اشتباك، بل تحوّل إلى محراب استنزاف مفتوح تُعيد فيه المقاومة صياغة قواعد الحرب وتفرض على العدو واقعاً ميدانياً لا يستطيع الفكاك منه. فكل محاولة توغّل صهيونية، مهما رافقها من قصف جوي ومدفعي، تسقط عند أول احتكاك مع الأرض التي تُدار فيها المعركة بإيقاع المقاومة لا بإيقاع القوة النارية. وهكذا يتبدّد التفوق الناري أمام عجزٍ واضح عن التثبيت، إذ تبقى محاور التقدم ضيقة، هشّة، ومكشوفة، فيما تتعرض قوات الاحتلال لضغط متواصل يمنعها من الاستقرار أو المناورة، ويحوّل وجودها داخل العمق إلى عبء عملياتي يتآكل مع كل ساعة.

 

في المقابل، تُمسك المقاومة بزمام المبادرة عبر إيقاع ميداني مرن وذكي، يُبدّل شكل الاشتباك ويمنع العدو من تحويل أي خطوة إلى إنجاز. فالميدان يتحرك وفق حساباتها، والضغط يتراكم على القوات المتقدمة التي تجد نفسها محاصرة بين نار الاستهداف المباشر ونار العجز عن التقدم. ومع استمرار هذا النسق، تتكرّس معادلة واضحة: العدو يتقدّم ليُستنزف، والمقاومة تُقاتل لتُبقي الميدان مفتوحاً على إنهاك متواصل يضرب قدرة الاحتلال على الصمود، ويحوّل المعركة إلى اختبار إرادة لا تُقاس بالمسافات بل بميزان الثبات والقدرة على تحمّل الكلفة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص