تثبت إيران، أن فنونها البصرية ليست مجرد جماليات ساكنة، بل ذاكرة حية، ومقاومة نابضة، ورسالة إنسانية تتجاوز الحدود. في وقت تتسارع فيه الأحداث والتحديات، يتحول الفن الإيراني إلى لغة عالمية تعبر عن الهوية، الأمل، والصمود.
من طهران إلى شيراز، ومن الخط النستعليق إلى التركيبات المفاهيمية، يروي الفنانون الإيرانيون «صورة الوطن» بالألوان والحروف والخشب والمعدن، بعيداً عن الشعارات الجامدة، مؤكدين أن الحياة تستمر، والإبداع أقوى من أي عدوان.
نقدم المقال التالي الذي يستعرض أبرز المعارض والفعاليات الفنية التي حملت اسم إيران أو أقيمت من أجلها.
الفنون البصرية ورقة إيران الرابحة في العالم

قال مهدي شفيعي، نائب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي للشؤون الفنية: الفنون البصرية هي إحدى أوراقنا الرابحة في العالم. إن إقامة الفعاليات الجماعية الكبرى مثل «من أجل إيران» و«باسم إيران» في زمن الحرب والأزمات هو أمر بالغ الأهمية.
مما لا شك فيه أن من أكثر المواضيع تأثيراً في مرونة المجتمع، وإعطاء الأمل، وتقليل القلق، وزيادة التماسك الاجتماعي، وأخيراً «نحن» المجتمع والوقوف معاً، هي الفعاليات الفنية في البلاد.
وأشار شفيعي إلى أن الأعمال الفنية المعروضة حالياً في صالات العرض تتفاعل مع الأحداث والظروف الحربية، ولاقت إقبالاً مضاعفاً من الجمهور، مما يدل على حاجة الناس إلى الفضاءات الفنية.
«صورة الوطن»

وأطلقت معاونية التعليم في «الجهاد الجامعي» بالتعاون مع وحدة الفنون، دعوة وطنية بعنوان «تصوير وطن» أي «صورة الوطن» في مجال الفنون البصرية، مخصصة لموضوع حرب رمضان. يهدف الحدث إلى عكس مفاهيم المقاومة، الصمود، والهوية الوطنية في مواجهة العدوان الصهيو- أمريكي.
يُدعى الفنانون من جميع أنحاء البلاد في مجالات: الرسم، الجرافيك، التصوير، الفنون الرقمية، الخط، النحت، والطباعة على الورق والقماش. تشمل المحاور: المقاومة الوطنية، الروايات الإنسانية للحرب، التضامن الاجتماعي، الأمل والسلام، والذكريات الجماعية. المشاركة مجانية، ويُسمح لكل فنان بإرسال ثلاثة أعمال أصلية كحد أقصى لم يسبق لها الفوز في أي حدث آخر.
«خط الوطن»
في معرضه الثالث والعشرين داخل إيران وخارجها، قدم الفنان كاوه تيموري معرض «خط الوطن» بشعار «في مديح اسم إيران». افتتح المعرض في مرحلته الثانية بتاريخ 13 مايو في متحف الكتاب والتراث الوثائقي التابع لمنظمة الوثائق والمكتبة الوطنية الإيرانية، بعد أن عرض 40 عملاً في قاعة المرآة بمجمّع برج آزادي الثقافي.

يضم المعرض أعمالاً خطية بمحور إيران، الهوية الثقافية، والمفاهيم المرتبطة بالوطن. إلى جانب أعمال تيموري، عُرضت رسوم فنية لطلاب شهداء من مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب. بدأ تيموري معرضه بلوحة مذهّبة للبسملة، واختتمه بمفهوم «الأمل» مستشهداً ببيت للشاعر فخر الدين أسعد الكركاني: «أنا آمل، أنا آمل، أنا آمل».
وقال تيموري: الارتباط الوثيق بين الهوية الوطنية والأدب، في طقس الخط النستعليق الأصيل، هو تلاقي الحكمة والجمال.
«من أجل إيران»

في بيت الفنانين الإيراني بطهران، أقيم معرض «من أجل إيران» الجماعي على مدى عشرة أيام خلال فترة 18-29 مايو، وتم عرض أكثر من 300 عمل فني، منها 180 لوحة، و70 لوحة من الرسم بالخط، وأكثر من 50 منحوتة بمقاسات مختلفة، موزعة على سبع صالات. تميز المعرض بإقامة ورش تعليمية في الرسم بالخط والتصميم المعاصر، تحولت إلى فضاءات للحوار المباشر بين الفنانين والجمهور.
أبرز ما في المعرض كان قسم الرسم بالخط، حيث لم يعد الخط الفارسي أداة كتابة بل عنصراً بصرياً ذا شحنة وجدانية؛ حروف تتكسر، تتمدد، تتلاشى، وتصل أحياناً إلى التجريد. الهم المشترك للفنانين كان: كيف نتحدث عن إيران دون شعارات أو حنين ماضوي؟ وكان الجواب: العودة إلى لغة الرسم التي لا تزال قادرة على التعبير عن المشاعر المعقدة.
«باسم إيران» و«العنقاء»

كما أقيم معرض جماعي تحت عنوان «به نام إيران» أي «باسم إيران» في مركز نياوران الثقافي خلال فترة 15-29 مايو، بالتعاون مع ست صالات عرض، وبإشراف إلهام دانش. ضم المعرض 90 عملاً من 70 فناناً. قالت دانش: أكبر تحدٍ كان بدء الحياة من جديد، ولكن لا شيء يمكنه أن يمنعنا من العيش.

أما في شيراز، فكشف الفنان عادل يزدي عن عمل فني تحت عنوان «العنقاء» تخليداً لـ200 شهيد من أهالي المدينة، عبر 200 حمامة معدنية ترمز للصمود والخلود، تستقر على هيكل حافلة تعرضت للقصف. يذكر أن يزدي معروف بلوحاته الجدارية في زقاق نارنجستان التاريخي.
وهكذا مرة أخرى، يثبت الفنانون الإيرانيون أن الفن ليس ترفاً، بل حاجة وجودية للمجتمع في لحظات الألم والمقاومة.