رئيس مكتب سماحته في حوار مع KHAMENEI.IR:

الإمام الشهيد شخصية فذّة تربّت في مدرسة الإمام الخميني(رض) وعشقت نهجه

الوفاق/يُعتبر حجةالإسلام والمسلمين محمد محمدي كلبايكاني، رئيس مكتب القائد الشهيد، من أقرب الشخصيات وأكثرها ملازمة له؛ إذ إنّ مسيرة مرافقته لقائد الثورة الشهيد آيةالله العظمى السيد علي الخامنئي(رض) والتي ناهزت الأربعة عقود، وما تخللها من معاشرة وثيقة، أتاحت له فرصة تقديم قراءة شاملة وعميقة لأبعاد شخصيته. في هذا السياق، أجرى موقع KHAMENEI.IR حواراً موسّعاً مع رئيس مكتب القائد الشهيد، لتسليط الضوء على جوانب من سماته الشخصية، وسيرته العملية، وحياته العائلية. وقد أُجري هذا الحوار في الأيام الأولى التي تلت استشهاد قائد الثورة في شهر إسفند من عام 1404ه.ش (آذار/ مارس 2026).

س: لقد رافقتم القائد الشهيد لنحو 4 عقود، أين كانت نقطة البداية لهذه المعاشرة والتعارف؟

 

 

ج: بسم الله الرّحمن الرّحيم، وصلى الله على سيدنا محمد(ص) وآله الطاهرين. بدأت معرفتي به منذ عام 1979م، غداة انتصار الثورة الإسلامية. في ذلك الحين، كنت ممثلاً للإمام الخميني(رض) في قاعدة “شكاري الثامنة” الجوية في أصفهان، بينما كان هو متواجداً في طهران؛ لكنني كنت أنسّق معه شؤون القاعدة كافة. كان المناخ العام في القاعدة مسموماً للغاية آنذاك؛ إذ كانت مركزاً لنشاط منظمة المنافقين الذين كانوا يرفعون علناً شعار “الجيش التوحيدي غير الطبقي”.

 

 

بعد قضاء نحو عام هناك، انتقلت إلى طهران وتوليت مسؤولية الدائرة العقائدية السياسية للقوات الجوية. وكان سماحة القائد الشهيد يتولى وقتها إدارة مكتب تمثيل الولي الفقية في الجيش، والذي كان يُعرف باسم “مكتب مستشاري الإمام”. وبما أنني كنت أتردد عليه وكان يعرفني حق المعرفة، فقد عهد إليّ بفرع من مسؤولية هذا المكتب في القوات الجوية، وبذلك انتقلت من الدائرة العقائدية إلى مكتب المستشارين. واستمرت هذه المسؤولية حتى ارتحال الإمام الخميني(رض) وتولي سماحته أمانة القيادة. في ذلك المنعطف، أرسل في طلبي وقال لي: “أريد رؤيتك وثمة عمل بيننا”. تشرّفت بالذهاب إليه، فقال لي: “اطو صفحة العمل هناك وتعال لتعمل بجانبي وتعينني”. فقلت له: “وماذا عن مكتب مستشاري الإمام؟” فأجاب: “إن موضوعه قد انتفى أساساً؛ برحيل الإمام لا يبقى لمكتب المستشارين عمل”. ومنذ ذلك الحين، قضيت 37 عاماً كاملة في خدمته طوال فترة قيادته.

 

 

 

 

س: خلال هذه المرافقة الطويلة، ما هي أبرز سمات قائد الثورة الشهيد وخلفياته الشخصية التي كانت مشهودة لكم؟

 

 

ج: لقد كان عالماً حكيماً، وخطيباً مفوهاً، وسياسياً فذاً بدرجة استثنائية. وفي اللقاءات الرسمية التي كانت تجمعه برؤساء الدول -سواء رؤساء الجمهوريات أو غيرهم من أصحاب المناصب- والتي كنت أحضر معظمها، كان من الملموس تماماً أنه يعلو الجميع قامةً؛ فبمجرد أن يتحدث ببضع كلمات، كان الحاضرون يذعنون لهيبته. وعندما زار الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إيران للقاء القائد الشهيد لأول مرة، حرص بوتين بعد انتهاء اللقاء على إبداء إعجابه الشديد به وأوصاني به.

 

 

كان يتمتع بذكاء خارق وفوق العادة، وكان حقاً حالة استثنائية. كما امتلك ذاكرة قوية للغاية تختزن تفاصيل ذكريات الماضي البعيد. علاوة على ذلك، كان متبحراً في “علم الرجال” بشكل ملفت؛ وتعلمون أن علم الرجال هو أحد الأدوات الرئيسية للإجتهاد، إذ يجب على المجتهد أن يكون عارفاً بالرجال ليميز الحديث الصحيح من الضعيف، ويُقوّم السند بدقة، وقد كان في هذا المضمار فذاً. أضف إلى ذلك معرفته العميقة بكبار العلماء عبر العصور المختلفة؛ فلو سُئل مثلاً عن المحقق البهبهاني ومَن هم تلامذته، لعدّهم جميعاً عن ظهر قلب وكأنه كان حاضراً في مجالسهم ويعيش بينهم.

 

 

كان شديد الأنس بالقرآن الكريم، وهو أمر لمسته وشاهدته بنفسي. وفي شهر رمضان المبارك كان يلتزم بختم القرآن مرّتين كاملتين. وكانت له في الآيات تفاسير ورؤى واستنباطات متجددة، وهو ما كان يقرّ به جميع أصحابه. لقد كان مسيطراً تماماً على الآيات القرآنية ومستوعباً لأمّهات التفسير.

 

 

إلى جانب ذلك، كان شاعراً مجيداً. إن مشكلتنا تكمن أحياناً في “حجاب المعاصرة”؛ أي أننا عندما نعاصر شخصية استثنائية، قد لا ندرك كنهها كما ينبغي، ويتطلب الأمر مرور الزمن لنعرف قدرها الحقيقي. إن ثقل المسؤولية السياسية والمتمثلة في قيادة الأمّة، حجب كنزاً من المحاسن والفضائل الأخرى التي كان ينطوي عليها؛ فقد كان شاعراً، وخطيباً، وحكيماً، وعالماً، وفقيهاً، ومجتهداً؛ لكن البُعد السياسي كان الطاغي في نظر عامة الناس. وهو مَن حبب إليّ الشعر؛ فكنت أنظم الغزل والقصائد أحياناً وأقرأها عليه، فكان يُثني عليها ويوجهني لتصويب الأخطاء. كان عارفاً بكبار الشعراء؛ وفي زيارتنا السنوية التي كنّا نرافقه فيها إلى مدينة مشهد المقدسة، كان يخصص يوماً محدداً للقاء كبار الشعراء القدامى وأصدقائه الخلص هناك، فيقضي معهم ساعات يسترجعون الماضي وينشدون الشعر. ورغم أنه في حياته كان يتعمد عدم نشر أشعاره، فإنه من المناسب الآن أن يبادر المسؤولون المعنيون إلى طباعة ونشر هذه المنظومات؛ فالأمر ضروري للغاية.

 

 

ثمة محطات تشكل درساً بليغاً لنا جميعاً في حياة القائد الشهيد الشخصية، لقد كان مناهضاً للترف ومظاهر البذخ بشدة، وعاش حياة في غاية البساطة. وهذه كلمته الشخصية لي: “إن كل أثاث بيتي وحياتي الشخصية، باستثناء كتبي، لا يتعدّى حمولة شاحنة صغيرة، وربما أقل!”. وهذا ليس بالأمر الهين؛ فنحن نعرف الكثيرين ممن استهوتهم مظاهر الدنيا فمالوا معها؛ لكنه كان يدحر هذه الدنيا التي أقبلت عليه بكل ما فيها. وهنا أستذكر قول جدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع): “يا دُنيا غُرِّي غَيْرِي.. قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً”. كانت تأتيه هدايا ثمينة من مختلف بقاع العالم، ومن داخل إيران وخارجها، فكان لا يلتفت إليها مطلقاً؛ يأخذ منها قدر حاجته البسيطة جداً، ويوجه بالباقي إلى لجنة الإمداد والمؤسسات الخيرية لرعاية الفقراء في أقاصي البلاد.

 

 

تأمّلوا اليوم ماذا فعل الاستهلاك والتفاخر بحياة الناس! لقد كان يشترط في عقود الزواج التي يجريها ألّا يتجاوز المهر 14 مسكوكة ذهبية. وإذا زاد المهر عن ذلك، كان يرفض قراءة الخطبة قاطعاً، حتى لو كان العرسان من أقرب أصدقائه أو أقاربه. وأذكر أشخاصاً كانوا مقربين جداً لقلبه، جاؤوا يطلبون منه عقد قران أبنائهم بمهر قدره 110 مسكوكات، فكان يقول لهم: “أرجوكم خذوا العقد إلى مكان آخر، فأنا لا أقرأ عقداً يزيد عن 14 مسكوكة”.

 

 

ابنته الكبرى كانت عروساً لولدي، وقد استشهدت في هذا الاعتداء الغادر؛ وحينها قلت له: “يا سماحة السيد، هذا القلم وهذه الورقة بيدكم، اكتبوا ما تشاؤون من المهر”، فأجابني: “أتظن أنني سأستثني نفسي وعائلتي مما أوصي به عامة الناس؟ كلا، ما ينطبق على الآخرين ينطبق عليّ تماماً؛ هما الـ14 مسكوكة فقط”. هكذا كان نهجه وطريقته.

 

 

ومن سماته الراسخة، أنه كان من أهل التهجد وإحياء الليالي؛ إذ كان يستيقظ عادة قبل ساعتين من أذان الفجر، يقرأ في كل سحر سورة “يس”، ويخلو بربّه مناجياً ومصلياً، وكان من أهل البكاء وسكب العبرات في جوف الليل. ويستمر هذا الاستيقاظ حتى أذان الفجر، فيصلي الصبح، ثم يأخذ قسطاً يسيراً جداً من الراحة عند شروق الشمس، لتبدأ بعدها ساعات العمل الطويلة.

 

 

كان دؤوباً ونشطاً للغاية. ورغم أن عمره شارف على 87 عاماً قبل نيله وسام الشهادة، إلا أنه كان يردد دائماً: “إن الوقت يضيق بي، المهام كثيرة والوقت قصير”. لقد كان حريصاً على ألّا يضيع من وقته هباءً. وعلى سبيل المثال، كان يتولى شخصياً القيادة العامة للقوات المسلحة؛ فبينما كان الإمام الخميني(رض) قد فوّض القيادة العامة لآية الله هاشمي رفسنجاني وسماحة القائد الشهيد ولم يكن يتدخل مباشرة، فإن سماحته كان يقود الدفة بنفسه. وكان يخصص يوماً في الأسبوع، وهو يوم الأحد عادة، للمسؤولين العسكريين وقادة القوات المسلحة، وتتوقف فيه بقية معاملات المكتبية؛ فيقضيه كاملاً في المساءلة، والاستفسار، والبحث، وإصدار الأوامر وإدارة القوات.

 

 

ولكي تدركوا حجم حنكته الإدارية في هذا القطاع، انظروا إلى وضع قواتنا المسلحة عندما تسلم المسؤولية، وإلى ما وصلت إليه اليوم من اقتدار ترتعد له فرائص أمريكا والكيان الصهيوني. إن الكيان الصهيوني الذي هزم ثلاثة جيوش عربية كبرى في ستة أيام عام 1967م (الأردن، سوريا ومصر)؛ فقد أمنه واستقراره وانكسرت هيبته! ولم يقتصر الأمر عليه بل طال أمريكا؛ فمن كان يجرؤ سابقاً على مجرد انتقاد واشنطن؟ كانوا يفعلون ما يحلو لهم. ونحن نرجو أن تكون هذه الإنجازات من مقدمات ظهور ولي الأمر صاحب العصر الزمان (عجل الله فرجه).

 

 

كان يولي الحوزات العلمية، ولا سيما حوزة قم المقدسة، عناية فائقة وخاصة. ولولا دعمه المستمر للحوزات العلمية لكان وضعها اليوم مختلفاً تماماً. لقد أسسنا بتوجيه منه لجنة خاصة تتولى رعاية العلماء والخطباء الذين قضوا عقوداً في خدمة المساجد بالمناطق النائية ثم تقدم بهم السن وأقعدهم المرض وضاق بهم الحال؛ فكانت هذه اللجنة تنتقل إلى تشابهار أو أرومية لتقصي أحوالهم وتقديم الدعم المالي وتلبية احتياجات عوائلهم وتزويج بناتهم، مما كان يدخل السرور على قلوبهم ويلهج ألسنتهم بالدعاء له. لذا، فإن الحوزات العلمية ستبقى مدينة لرعايته.

 

 

كذلك كان اهتمامه بالجامعات والطلبة؛ إذ كان يخصص في شهر رمضان المبارك لقاءات تمتد لساعات في الحسينية للشباب والطلبة، يتيح لهم الحديث بحرية مطلقة خلف المذياع دون قيود، فيستمع إليهم ويجيب عن تساؤلاتهم ثم يتناول معهم وجبة الإفطار. لقد عمل على بناء وتنمية قدرات هؤلاء الشباب مراهناً عليهم دائماً.

 

 

ومن مآثره، تربيته لأبنائه الأفاضل؛ وهم مصداق لقول أمير المؤمنين(ع) في اختيار الجليس: “مَن يذكركم الله رؤيته”. وأنا أشهد بالله أن أبناء سماحته هم على هذه الشاكلة؛ وجوه نورانية وزهد تام عن الدنيا والمناصب، وإذا ما قورنوا بغيرهم تظهر الفوارق الجلية. لديه أربعة أبناء وكلهم من طلاب العلوم الدينية، وابنتان؛ الكبرى كانت عروساً لولدي واستشهدت في هذا الحادث، والصغرى هي زوجة الدكتور مصباح الهدى باقري (والذي نال بدوره وسام الشهادة في هذه الحادثة الأليمة). ابنته الكبرى المستشهدة كانت لها طفلة صغيرة تدعى “زهراء”، وكان سماحته يبدي أنساً وعطفاً خاصاً بها، وكان يغمرها بحنانه في معظم الأوقات عند حضوره للمنزل.

 

 

كان سماحته يلهج دائماً بذكر الشهادة ويظهر عشقاً عارماً لنيلها. هل تذكرون الأبيات التي أنشدها في أحد اللقاءات وبكى بحرقة حتى غلبه البكاء؟ “كنّا ندّعي أنّنا في الصف الأول / لكن جرى اختيار الشهداء من آخر المجلس”. وفي إحدى المرّات عندما جرى الحديث عن الشهادة، قلت له: “يا سماحة السيد، إن لك عائلة وأبناءً يعيشون في ظل وجودك ورعايتك”، فأجابني بابتسامة: “إن شاء الله سنستشهد جميعاً معاً”.

 

 

تأمّلوا في صورة حفيدتي هذه؛ انظروا إليها جيداً، إنها كالملاك. هذه الطفلة أصبحت اليوم تحت التراب، ولا علم لي؛ لعلها الآن تنام على صدر أمّها الشهيدة. أي ذنب اقترفته هذه البريئة؟ «وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ». في هذه الأشهر القليلة الماضية، كانت “زهراء” هي السلوى والبهجة لسماحته، وكنت كلما التقيته وسألته عن أحوالها يجيبني متبسماً: “ماشاءالله، إنها شقية ومرحة”.

 

 

ولأنني كنت وثيق الصلة به، كنت أشعر في الشهرين أو الثلاثة الأخيرة أنه يهيئ نفسه للرحيل؛ هكذا كان يتبادر إلى ذهني. وكان كلما جاءه القادة العسكريون لتقديم التقارير، يبعث في نفوسهم الطمأنينة ويقول لهم: “لا توجد أي مشكلة، ثقوا تماماً بأنكم منتصرون”، وكانت كلماته تفعل فعل السحر في رفع معنويات القادة. ومن عبقريته الإدارية، أنه بنى جيلاً من القادة الشباب؛ ففي تلك الحرب التي دامت 12 يوماً واستشهد فيها خيرة قادتنا العسكريين في يوم واحد، كان بدلاؤهم جاهزين ومعدين لديه فوراً، ولم يختل زمام الأمور مطلقاً.

 

 

 

 

س: ما هو السرّ الكامن وراء هذا الثبات الراسخ واستحكام الإرادة في شخصيته؟

 

 

ج: ثمة عاملان رئيسيان كانا يمدانه بالقوة والصمود، وهو أمر ملموس وعشته معه؛ الأول هو التوكل المطلق وحسن الظن بالله عزّوجلّ بأن وعوده صادقة ومنجزة: «إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ». والعامل الثاني هو التوسل بأهل بيت النبوة(ع). فقد كان يحرص على إقامة مجالس العزاء في المكتب بانتظام؛ ولم تكن مجالس عزاء الليالي الفاطمية تقام بهذا الزخم سابقاً؛ لكنه سنّ إقامتها لخمسة أيام كاملة في المكتب، فضلاً عن بقية المناسبات للأئمة المعصومين. وكان أشدّ ما يكون توجهاً وتوسلاً بالصديقة الطاهرة السيدة فاطمة الزهراء(س)، وبالإمام الحسين(ع)، وبالإمام المهدي(عج).

 

 

في شهر آذر الماضي (نوفمبر/ ديسمبر 2025)، دُعيت لحضور افتتاح صحن السيدة فاطمة الزهراء(س) في النجف الأشرف، وتشرّفت بزيارة العتبات المقدسة. وعند عودتي، التقيت بسماحته وقلت له: “يا سماحة السيد، لقد طلبت من الإمام الحسين والتجأت إليه أن يرزقكم التوفيق لزيارته في القريب العاجل”، فقال لي: “إن شاء الله يستجيب الله دعاءك”. كانت أمنيته الكبرى أن يكحل عينيه بتلك الزيارة لكن المنية عاجلته؛ فقد كان شديد الارتباط بالإمام الحسين(ع) وبالإمام الحجة(عج)، وكان يتردد مراراً بشكل سرّي وخفي لزيارة مسجد جمكران في أوقات تخلو من الازدحام، فيقضي الساعات الطوال ساجداً ومستغيثاً بالإمام المنتظر(عج).

 

 

س: هل تحدّث سماحته معكم حول الوضع والمرحلة التي تلي استشهاده؟

 

 

ج: كنّا كلما سألناه عن ذلك، يجيبنا بثقة: “إن الله لن يكلكم إلى أنفسكم، فلا تقلقوا”. عندما ارتحل الإمام الخميني(رض)، لم يكن أحد يتصور أن تسير الأمور بهذا الانضباط والاستقرار؛ وسماحته كان في طليعة الرافضين والمعترضين على اختيار نفسه للقيادة في مجلس الخبراء كما رأيتم في التسجيلات. فمن كان يظن أن يتولى قيادة الثورة شخصية بهذه القيمة العالية والدرّة الثمينة؟ لقد كان فريداً في العالم؛ وكما أسلفت، فإن حجاب المعاصرة يحجب عنّا الكثير، وستمرّ السنوات لتكشف للأجيال حجم وأبعاد هذه الشخصية الفذة التي تربت في مدرسة الإمام الخميني(رض) وعشقت نهجه. وخطاباته السنوية في ذكرى رحيل الإمام تجسد هذا الوفاء؛ فلم يروج أحد لفكر الإمام ومبادئه كما فعل هو، و”لا يعرف قدر الذهب إلّا الصائغ”.

 

 

وفي الختام، أتوجّه بالتعازي والمواساة لعامة الشعب؛ إن أبناء شعبنا الأبي قد ضربوا أروع الأمثلة في الوفاء والالتفاف حول راية الثورة رغم كل الصعاب والتحديات، ونسأل الله أن يجبر هذا المصاب الجلل. وبرغم قول الرسول الأكرم(ص): “لَمَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ”، فإننا نرجو من الله التوفيق والسداد لشبابنا الأعزاء ليدركوا قيمة هذه المرحلة التي يعيشونها في ظل نظام الجمهورية الإسلامية؛ فالبنيان راسخ والأساس متين، والإمام الخميني(رض) أرسى القواعد ورحل، ثم جاء سماحة السيد قائد الثورة الشهيد ليقود هذه المسيرة ويصل بها إلى برّ الأمان محققاً الإنجازات تلو الأخرى، والحمد لله رب العالمين.

 

 

المصدر: الوفاق