يبرز في التطورات الراهنة مضيق هرمز كشريان حيوي للاقتصاد العالمي ورمز للسيادة الإيرانية، نقدم هذا المقال حول مسرحية «ذرات آشوب» أي «جُسيمات الفوضى» التي تعود إلى خشبة المسرح هذه الأيام، مؤكدة أن الفن لا يسبق الأحداث فحسب، بل يعيد تشكيل الوعي بها.
حين يتحدث التاريخ بلغة المسرح
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتصارع فيه الروايات حول مضيق هرمز والخليج الفارسي، تأتي مسرحية «جُسيمات الفوضى» لتذكرنا بأن المقاومة الإيرانية ليست وليدة اليوم، بل متأصلة في الجذور التاريخية لهذه الأرض.
هذا العمل المسرحي، الذي يعود إلى خشبة المسرح الرئيسي في طهران هذه الأيام، ليس مجرد استعراض لحدث تاريخي، بل هو مرآة تعكس عظمة الروح الإيرانية وقوتها في مواجهة الاستعمار، تماماً كما يواجه الإيرانيون اليوم التحديات الراهنة دفاعاً عن سيادتهم ومضيق هرمز الاستراتيجي.
تأصيل المقاومة
تُجسّد المسرحية، التي هي من تأليف وإخراج المبدع «إبراهيم بُشت كوهي»، شجاعة وبسالة سكان جزيرة هرمز في مواجهة الاحتلال البرتغالي، مما يعكس روح النضال والعزة الوطنية لدى الشعب الإيراني.
تتناول المسرحية حقبة زمنية تمتد إلى 117 سنة مضت، حين كان البرتغاليون يحتّلون هذه الجزيرة الاستراتيجية، وتقدّم صراعاً محتدماً بين سكان الجزيرة المتمسكين بأرضهم وبين المحتل الذي يستخدم شتى الوسائل لإخضاعهم.
ولعل أبلغ ما في العمل هو تلك الجملة التي تتردد كالنبض في قلب القصة: «بالنسبة للسفن التي لا مرساة لها، الأمواج هي من تقرّر؛ لدي ثلاثة عشر ألف عرق يهيم عشقاً بهذه الأرض».
هذه الكلمات ليست مجرد سطر في نص مسرحي، بل هي خلاصة الوجود الإيراني في الخليج الفارسي. كما أبرز المؤلف دور المرأة في مقاومة المحتل كشريك أساسي في الدفاع عن الجزيرة، متحمّلة تداعيات المقاومة من فقدان الأخ أو الزوج أو الابن.
العرض الدولي في العراق
قبل عودتها إلى طهران، كانت «جُسيمات الفوضى» قد حلّت رحالها في بغداد، حيث عُرضت ضمن فعاليات الدورة السادسة لمهرجان بغداد الدولي للمسرح، على خشبة المسرح الوطني العراقي، ولاقت إقبالاً جماهيرياً كبيراً تزاحم الجمهور على مشاهدتها.
وقد حصدت المسرحية جائزة أفضل أداء جماعي، بالإضافة إلى جائزة أفضل ممثلة، فيما كان «بُشت كوهي» قد نال الجائزة الرئيسية للمهرجان سابقاً عن مسرحيته «مكبث زار».
هذا التتويج العربي–الدولي للمسرحية الإيرانية يؤكد أن قيم المقاومة والدفاع عن الأرض تتجاوز الحدود، وأن الفن الراقي الذي يخدم قضايا الشعوب العادلة يجد صداه في كل مكان.
المشهد البصري والموسيقى
نجح المشهد البصري للمسرحية في نقل المتلقي إلى السنوات الماضية، من خلال تبني عنصر الواقعية في الديكور والأزياء التي قدّمت الجانب الوثائقي لسكان جزيرة هرمز. إضافة إلى الموسيقى الشعبية التي تشكل جزءاً من هويتهم التي يتمسكون بها رغم قسوة المحتل البرتغالي.
روح الوطنية تموج في كل زاوية من هذه المسرحية، والموسيقى – تلك الرفيقة التي لا تنفصل عنه – تلعب دوراً كبيراً في إبراز الأصالة والجذور الأرضية. لقد تم توصيف المسرحية بأنها مليئة بالحماس والحيوية، ونجحت في تصوير المشاهد التراجيدية والمبهجة للمشاهدين في آن واحد.
تكريم أبطال الإنسانية
في أحد عروضها، وتحديداً يوم الثلاثاء 2 يونيو، استضافت مسرحية «جُسيمات الفوضى» أكثر من مئة عائلة من المتبرعين بالأعضاء، وأُهدي العرض إلى أولئك الأبطال المقدّمين الذين تبرعوا برضاهم بأعضاء جسد أعزائهم، فأنقذوا حياة العديد من المرضى.
وكان العرض قد أهدى أول عروضه إلى الناجين من الجريمة الأمريكية باستهداف فرقاطة «دِنا» وعوائل شهدائها، وفي عروض لاحقة إستضاف مسعفي الهلال الأحمر ورجال الإطفاء المضحين بأنفسهم في حرب رمضان المفروضة. وهذه المرة، أهدى عرضه إلى عائلات المتبرعين بالأعضاء.
هذا التكريم ليس عابراً، بل هو تأكيد على أن روح الفداء التي جسّدها أبطال هرمز ضد المحتل البرتغالي، هي نفسها الروح التي تدفع اليوم عائلات إيرانية للتبرع بأعضاء أعزائها، ونفس الروح التي تدافع بها إيران اليوم عن مضيق هرمز وسيادتها البحرية.
الخليج الفارسي في قلب العمل
تُذكّر هذه المسرحية بأن الخليج الفارسي ليس مجرد اسم، بل هو منبع الهوية والمقاومة والفخر التاريخي للإيرانيين؛ حيث يجد الحرية معناه في أمواجه، ويتنفس التاريخ على شاطئه.
المؤلف سبق عصره بلغة الفن الحساسة للجذور، والإقبال الجماهيري عليها يثبت أن الفوضى لا تفرّق شعباً متحداً بحب أرضه. والخليج الفارسي يبقى فارسياً، والأمواج تعرف من هو ربّها.