حوار «ترمذ» ومنافسة الممرات..

مشاريع النقل الجديدة تعيد رسم خريطة الممرات التجارية في أوراسيا

الوفاق / عُقدت الدورة الثانية من الاجتماع الدولي لحوار «ترمذ» في أوزبكستان تحت شعار الربط الإقليمي، وتطوير ممرات الترانزيت، وتعزيز التعاون الإقتصادي بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، في وقت دخل فيه التنافس على مسارات النقل والتجارة الجديدة في أوراسيا مرحلة جديدة؛ وهو تطور قد يترك تأثيراً على مستقبل الممرات العابرة لإيران، ومكانة البلاد كمحور للترانزيت، وكذلك على التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.

وقد تحوّل الاجتماع الدولي لحوار «ترمذ» في أوزبكستان، إلى ما هو أبعد من مجرد حدث دبلوماسي، ليصبح منصة لبحث مستقبل الربط بين آسيا الوسطى وأفغانستان وجنوب آسيا. وفي ظل سعي دول المنطقة إلى إنشاء مسارات جديدة للنقل والتجارة، يرى خبراء أن التطورات الأخيرة يمكن أن تؤثر بشكل ملحوظ في معادلات الممرات اللوجستية في أوراسيا وفي الموقع الاستراتيجي لإيران ضمن شبكة النقل الإقليمية.

 

 

ورغم أن إيران والمسارات المؤدية إلى الخليج الفارسي لم تكن ضمن جدول الأعمال الرسمي لاجتماع «ترمذ»، فإن جانباً مهماً من المناقشات التي طُرحت بشأن تطوير ممرات الترانزيت وربط آسيا الوسطى بالمياه المفتوحة يرتبط بصورة غير مباشرة بالمصالح الترانزيتية الإيرانية. ومن هذا المنطلق، يمكن لمشاريع مثل خط سكك الحديد العابر لأفغانستان والممرات الجديدة ذات المحور الجنوبي أن تشكل، إلى جانب الممر الدولي بين الشمال والجنوب، جزءاً من المنافسة القائمة وفي الوقت نفسه استكمالاً لشبكة الترانزيت في أوراسيا. وقد جعل ذلك من التطورات المرتبطة باجتماع «ترمذ» مسألة ذات أهمية خاصة بالنسبة لطهران من زاوية مستقبل الممرات الإقليمية ومكانة إيران في معادلات النقل بأوراسيا.

 

 

* «السلام والربط والمرونة؛ أسس الازدهار المشترك»

 

 

وعُقدت الدورة الثانية من «حوار ترمذ» الدولي خلال الفترة من 4 إلى 6 يونيو تحت شعار «السلام والربط والمرونة؛ أسس الازدهار المشترك» في العاصمة الأوزبكية طشقند. ووفقاً للمعلومات التي نشرها منظمو الحدث، شهد الاجتماع مشاركة مسؤولين حكوميين وممثلين عن منظمات إقليمية ودولية، إضافة إلى باحثين وخبراء في مجالات النقل والاقتصاد والأمن. وتضمّن جدول أعماله موضوعات من بينها أفغانستان، والربط الإقليمي، والتعاون الإقتصادي، والبنى التحتية للنقل، وتطوير ممرات الترانزيت.

 

 

وتتجلى أهمية هذا الاجتماع عند تقييمه في سياق التحولات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية الأوسع نطاقاً التي تشهدها أوراسيا. فخلال السنوات الأخيرة، سعت دول آسيا الوسطى إلى تقليص اعتمادها التاريخي على عدد محدود من مسارات النقل، والعمل على إيجاد خيارات جديدة للوصول إلى الأسواق العالمية. كما أكد البنك الدولي في إطار برنامج «الربط والتجارة في آسيا» PACT أهمية توسيع الروابط التجارية والبنى التحتية بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، واعتبر هذه المنطقة إحدى الساحات المهمة لتطوير أوجه التعاون العابرة للأقاليم.

 

 

* تطوير مسارات الربط بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا

 

 

أحد أهم المحاور التي نوقشت في «ترمذ» يتمثل في تطوير مسارات الربط بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا عبر أفغانستان. وفي هذا الإطار، لا يزال مشروع خط سكك الحديد العابر لأفغانستان، الذي يشمل مسار ترمذ – مزار شريف – كابول – بيشاور، من بين المشاريع التي تحظى باهتمام حكومات المنطقة. ويرى الداعمون لهذا المشروع أن تنفيذه يمكن أن يسهم في تسهيل وصول دول آسيا الوسطى إلى الموانئ الباكستانية على بحر العرب، وخفض تكاليف النقل.

 

 

ومع ذلك، أكدت العديد من مراكز الدراسات الدولية، من بينها معهد الولايات المتحدة للسلام ومجموعة الأزمات الدولية، أن نجاح مثل هذه المشاريع يعتمد إلى حد كبير على الاستقرار السياسي والأمني في أفغانستان، وتأمين الموارد المالية، واستمرار التعاون بين الدول المعنية. ومن ثمّ، فإن مستقبل هذه المسارات لا يزال يواجه قدراً ملحوظاً من حالات عدم اليقين.

 

 

* التنافس بين ممرات النقل

 

 

وبالتوازي مع المسار الأفغاني، دخل التنافس بين ممرات النقل المختلفة مرحلة جديدة. فقد حظي «الممر الأوسط» أو «مسار عبر بحر قزوين» الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين وجنوب القوقاز وتركيا، باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة من قبل دول المنطقة والمؤسسات الأوروبية. كما تحدث البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في تقاريره عن إمكانات هذا المسار في تعزيز التجارة بين الشرق والغرب.

 

 

وفي الوقت نفسه، لا يزال الممر الدولي بين الشمال والجنوب أحد أهم مشاريع الترانزيت في أوراسيا. ويهدف هذا الممر، الذي تشارك فيه إيران والهند وروسيا وعدد من دول المنطقة، إلى تسهيل نقل البضائع بين جنوب آسيا والخليج الفارسي والقوقاز وآسيا الوسطى وروسيا. وتشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أنه بدلاً من تشكل مسار واحد مهيمن، تشهد السنوات الأخيرة تطور شبكة من الممرات المتوازية والمتكاملة. كما تؤثر التطورات في أفغانستان بصورة مباشرة على هذا المسار.

 

 

* مسارات النقل الإقليمية ومكانة إيران

 

 

وفي هذا السياق، لا تزال مكانة إيران تحظى بأهمية كبيرة من الناحية الجغرافية. فإيران تمتلك منفذاً مباشراً إلى المياه المفتوحة، وتقع عند تقاطع عدد من أهم مسارات النقل الإقليمية. ويرى خبراء النقل والاقتصاد الإقليمي أن تطوير ممرات جديدة لا يعني بالضرورة إقصاء المسارات القائمة، بل إن تصاعد المنافسة بين الممرات قد يقود إلى إنشاء شبكة أوسع من المسارات المتكاملة، وهي شبكة ستكون فيها كفاءة البنية التحتية، وتكاليف النقل، والاستقرار السياسي، وتيسير التجارة، عوامل حاسمة في تحديد مكانة كل مسار.

 

 

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار اجتماع «ترمذ» جزءاً من الجهود الأوسع التي تبذلها دول المنطقة للبحث عن آليات جديدة لتعزيز الترابط الاقتصادي والتجاري. وعلى الرغم من أن النتائج العملية للعديد من المشاريع المطروحة لم تصل بعد إلى مرحلة التنفيذ، فإن استمرار الحوارات بشأن الربط الإقليمي وأفغانستان وممرات النقل يدل على أن التنافس والتعاون حول مسارات الترانزيت سيظلان أحد أهم عناصر التحولات الجيوسياسية في أوراسيا خلال السنوات المقبلة.

المصدر: إرنا