مـهـنـدسـو إيـران الـقـويّـة

«حسين سلامي» ومعادلة الردع البحري

الوفاق/ قبل 29 عامًا؛ في دورة تدريب القيادة العليا للحرب في حرس الثورة الإسلامية؛ كان عميد في السابعة والثلاثين من عمره منشغلًا بشرح فكرة الحرب اللامتماثلة مع الأعداء من خارج المنطقة: «إذا انتقلت الحرب من الجو إلى البحر والبر، فإن إمكانية الاشتباك مع القوات الأميركية تصبح متاحة، كما تصبح إمكانية الانتصار موجودة أيضًا.

هذا النوع من القتال يبطل فاعلية منظومات التسليح المتطورة لدى العدو، ويجرّده إلى حدٍّ ما من سلاحه. ومن المزايا الأخرى لهذا القتال فرض التكاليف الاقتصادية للحرب، وتحويلها إلى حرب استنزافية وطويلة الأمد، ولا سيما أن الكلفة الاقتصادية لدخول الأميركيين المعركة في نقاط بعيدة مرتفعة جدًا».

 

كانت إيران، منذ تلك الأيام، تفكر في إعداد بنية القتال لدى قواتها المسلحة لاحتمال المواجهة المقبلة مع أميركا. وفي هذا المناخ أيضًا، كانت تُهيّئ قواتها المسلحة تدريجيًا لهذا النوع من القتال مع قوة غير متماثلة. وفي إحدى الحالات، كان القادة والضباط قد اجتمعوا في دورة الحرب العليا التابعة لحرس الثورة الإسلامية في كلية القيادة والأركان، وكانوا يتلقّون التدريب. وكان أحد محاور الدورة يدرّسه شخص سبق له، خلال الحرب المفروضة من قبل النظام البعثي ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن جرّب هذا النوع من القتال ضدّ الوحدات البحرية العراقية والأميركية في مقر نوح النبي(ع) البحري. ذلك القائد الذي تولّى بعد 22 عامًا بنفسه دفّة القيادة العامة لحرس الثورة الإسلامية: «اللواء الحاج حسين سلامي».

 

يمكن اعتبار مقر نوح النبي(ع) البحري ومسؤوليه وقادته الحاضنة ونقطة الانطلاق لفكرة الدفاع البحري اللامتماثل الإيراني. فجزيرة خارك، باعتبارها المحطة الرئيسية لصادرات النفط الإيرانية، وكذلك المنطقة البحرية الوسطى والغربية من الخليج الفارسي، جعلت هذا المقر نقطة أساسية للرصد وفرض السيطرة والاشتباك مع القوات من خارج المنطقة في الخليج الفارسي. وهو مقر تحوّل، خلال حرب الناقلات والعمليات البحرية، إلى مركز لتنظيم العمليات البحرية لحرس الثورة الإسلامية ضدّ القوات الأميركية والقوات من خارج المنطقة. أمّا الأفكار التي كان «حسين سلامي» ورفاقه يدرّسونها في العقد التالي في كلية القيادة والأركان، فقد كانت قد أثبتت فاعليتها عمليًا في عقد الستينيات الهجرية الشمسية؛ أي عقد الثمانينيات الميلادية.

 

أفكار من قبيل الحرب والقتال اللّامتماثل، وتغيير الأدوات من القطع البحرية الكبيرة إلى زوارق صغيرة ورشيقة وسريعة لكنها سامة، واستخدام جغرافيا السواحل الطويلة وتحويل الساحل إلى شريط دفاعي مسلّح لكنه غير مرئي، وعمليات زرع الألغام البحرية الإزعاجية، وفرض القيود على الممرات البحرية والاقتصادية والحيوية للعدو، وتقنية تكثير الأساطيل الصغيرة ولكن الرشيقة؛ كلها خرجت من رحم تجارب عمليات مقر نوح النبي(ع) البحري. لقد كان مقر نوح النبي(ع) البحري مرحلة تعلّم وتمرين واختبار وخطأ في القتال مع القوات من خارج المنطقة في البحر. وهذا هو الشيء نفسه الذي كان يدرّسه في السنوات اللاحقة في دورة الحرب العليا.

 

لقد أظهرت تجربة الحرب في البحر، لاسيّما مع البحرية الأميركية، لسلامي وفدوي وتنكسيري وسائر رفاقهم، أن القتال مع قوة تمتلك أكبر قوة بحرية في العالم يقتضي التوجه نحو فرض القيود على حرية حركة العدو، وتنفيذ عمليات منع الوصول ضده. أي إيجاد بيئة وحاضنة مضادة للوصول أمام بحرية جيش الولايات المتحدة، بصفتها صاحبة أكبر أسطول بحري في العالم، على نحو يجعل هذه البيئة عالية الكلفة بالنسبة إليها. ثم، بالاعتماد على الأدوات اللّامتماثلة، جرى الحدّ من نطاق توسعه وانتشاره أكثر فأكثر.

 

وكان استمرار هذه الرؤية هو ما جعل القوة البحرية لحرس الثورة الإسلامية وجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية يتحولان تدريجيًا في منطقة مضيق هرمز والخليج الفارسي إلى لاعب استراتيجي. كما أن الأنشطة المذهلة في المجالين الصاروخي والمسيّر ملأت يد هذين اللاعبين، ووسّعت مجال عملهما وتأثيرهما. وقد أثبتت صحةُ كل هذه الاستثمارات وهذا الفهم الاستراتيجي نفسَها في حرب الأربعين يومًا، عندما انطلقت ساعة الصفر لعملية منع الوصول والإغلاق، وأُقفل مضيق هرمز، بوصفه أكثر الممرات المائية استراتيجية في العالم، والذي كان يمر عبره خُمس طاقة العالم، بإرادة القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. أما أكبر أسطول بحري في العالم، فما زال حتى اليوم يطرق أبوابًا موصدة.

 

كانت حرب السنوات الثماني مع العدو البعثي مختبرًا وجامعة كبرى للعسكريين والقادة، ومن بينهم «حسين سلامي». ورغم أنه نال في خرداد 1404ه.ش (أيار/ حزيران 2025)، الشهادة، جزاء سنوات جهاده في هجوم العدو الصهيوني، فإن التجربة التي اكتسبها في مقر نوح النبي(ع)، والبذرة التي زرعها في عقد التسعينيات الميلادية، مع سائر الاستراتيجيين العسكريين والدفاعيين في إيران، أثمرت في حرب الأربعين يومًا. والآن، باتت إيران الحاكم المطلق لمضيق هرمز والخليج الفارسي إلى الأبد.

 

 

المصدر: الوفاق