الوفاق/خاص – سهامه مجلسي
لا يقدّم فكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي (رض) الأسرة والمجتمع بوصفهما وحدات اجتماعية تقليدية فحسب، بل باعتبارهما ركيزتين مركزيتين في مشروع حضاري متكامل يسعى إلى بناء الإنسان وصياغة هوية الأمة في إطار رؤية تُعرف بـ«الحضارة الإسلامية الحديثة». ففي هذا التصور، تتحول الأسرة إلى نقطة الانطلاق الأولى في إنتاج القيم والوعي والسلوك، بينما يُعاد تعريف المجتمع ككيان حيّ يتجاوز التجمع البشري ليصبح فضاءً للرسالة والعدالة والاستقلال. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل التحولات الثقافية العالمية الراهنة، حيث قدم الإمام الشهيد إطاراً فكرياً يربط بين البنية الأسرية واستقرار المجتمع ومسار النهضة الحضارية للأمة الإسلامية، هذا الصدد اجرت صحيفة الوفاق حواراً مع مسؤولة الدراسات في مركز امان للإرشاد السلوكي والاجتماعي الدكتورة اللبنانية سحر مصطفى وفيما يلي نص الحوار:
الإمام الشهيد ورؤيته حول الأسرة والمجتمع
بداية، سألنا الأستاذة كيف كانت رؤية قائد الأمّة حول الأسرة والمجتمع فقالت: لم يكن سماحة القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) مرجعاً دينياً وولياً فقيهاً وقائداً للأمة فحسب، بل كان أيضاً صاحب رؤية حضارية متكاملة تستند إلى فهم عميق للإسلام وقيمه ومقاصده. فقد امتلك بصيرة نافذة مكّنته من استشراف عوامل سعادة الإنسان وازدهار المجتمع، وتقديم معالجات فكرية وعملية لمختلف التحديات التي تواجه الأمة.
وقد حمل الأمانة الفكرية والروحية التي أرساها الإمام الخميني(قدس)، مستلهماً نهج الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، فحافظ على هذا الإرث الأصيل وطوّره وأغناه بما امتلكه من فكر متجدد، وحكمة راسخة، وروح قيادية استثنائية، ليقدّم نموذجاً معاصراً للقيادة الإسلامية يجمع بين الأصالة والفاعلية، وبين الثبات على المبادئ ومواكبة متطلبات العصر.
وقد شكل موضوع الأسرة والمجتمع أحد المحاور المركزية في فكر الإمام الشهيد، حيث تتجاوز معالجته لها حدود البحث الاجتماعي التقليدي، لتندرج ضمن مشروع حضاري شامل يستهدف بناء الإنسان المسلم والمجتمع الإسلامي وصولاً إلى تحقيق «الحضارة الإسلامية الحديثة». ومن خلال مراجعة خطابات الإمام الشهيد وبياناته منذ توليه مسؤولية القيادة عام 1989م، يتضح أن الأسرة تمثل في منظومته الفكرية الحلقة الأولى في سلسلة البناء الحضاري، وأن سلامة المجتمع وقوته واستقلاله ترتبط بصورة مباشرة بسلامة الأسرة وتماسكها.
ولا ينظر الإمام الشهيد إلى الأسرة باعتبارها مجرد مؤسسة اجتماعية، بل يراها مظهراً من مظاهر السنن الإلهية في حياة الإنسان، وأساساً لتكوين الشخصية الإيمانية والأخلاقية والثقافية. كما يرى أن المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يحقق أهدافه في العدالة والاستقلال والتقدم العلمي ومقاومة الهيمنة الخارجية، ما لم يمتلك قاعدة أسرية متينة قادرة على إنتاج الإنسان المؤمن والواعي والمسؤول.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة رؤية القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) للأسرة والمجتمع، ليس فقط بوصفها رؤية اجتماعية، بل باعتبارها جزءاً من مشروعه الفكري والحضاري المتكامل.
الأسرة بوصفها الخلية الأساسية لبناء الإنسان
وقالت الدكتورة يقدّم القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) الأسرة بوصفها «الخلية الأساسية للمجتمع» و«أهم وحدة اجتماعية في الإسلام». ويؤكد في مناسبات متعددة أن الأسرة ليست مجرد إطار لإشباع الحاجات المادية أو العاطفية، بل هي البيئة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان وتتأسس فيها القيم والمعتقدات والسلوكيات، وتستند هذه الرؤية إلى المرجعية القرآنية التي تجعل السكن والمودة والرحمة أساساً للعلاقة الأسرية، بحيث تتحول الأسرة إلى فضاء للتكامل الإنساني والتربية القيمية. ومن هذا المنطلق يؤكد الإمام الشهيد أن استقرار الأسرة ليس مصلحة فردية فحسب، بل مصلحة اجتماعية وحضارية عامة، لأن سلامة المجتمع تبدأ من سلامة الأسرة.
وفي التفاصيل، ترتكز رؤيته على المفاهيم القرآنية التالية:
السكينة، المودة، الرحمة، التكامل الإنساني، المسؤولية المشتركة، يقول الإمام الشهيد: «لا يمكن للمجتمع الإسلاميّ أن يتقدّم ما لم ينعم بمؤسّسة أسريّة سليمة وحيويّة ونشيطة. لا إمكان للتقدّم في المجالات المختلفة، والمجالات الثقافيّة خاصّة، بدون أُسر جيّدة، فالأسرة ضرورة».
شرط الاستفادة من وجود الاسرة في المجتمع متعلق بمواصفات هذه الأسرة، وليس مجرد تشكيلها، ويشدد سماحته على السلامة والحيوية والنشاط في هذه المؤسسة. كما يرفض الإمام النزعات الفردانية التي تفكك الروابط العائلية، وتحوّل الإنسان إلى كائن معزول، ويرى أن من أخطر مظاهر الحداثة الغربية المعاصرة إضعاف مؤسسة الأسرة وإعادة تعريف العلاقات الإنسانية على أسس مادية أو استهلاكية.
المجتمع في رؤية الإمام الشهيد
وفيما يتعلق برؤية المجتمع في رؤية الإمام الشهيد قالت مصطفى: ينظر قائد الأمَة إلى المجتمع باعتباره كياناً حياً يمتلك هوية ورسالة، وليس مجرد مجموع أفراد متجاورين. ولذلك يركز على مفهوم «المجتمع الإسلامي» بوصفه مجتمعاً قائماً على الإيمان والعدالة والتكافل والمسؤولية المشتركة.
وفي هذا السياق، يربط الإمام الشهيد بين بناء المجتمع وبين مجموعة من القيم المركزية، أبرزها:
العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية، الاستقلال السياسي والثقافي، المسؤولية الجماعية، مقاومة الهيمنة والاستكبار، تعزيز روح التعاون والتضامن.
ويؤكد أن المجتمع الإسلامي القوي لا يمكن أن يتشكل عبر المؤسسات الرسمية وحدها، بل من خلال شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والثقافية والتربوية التي تبدأ من الأسرة وتمتد إلى مختلف البنى الاجتماعية.
وفي هذا السياق يركّز الإمام الشهيد، على أهمية حضور الشعب لحل المشكلات ومواجهة المخاطر المحدقة به، «الشعب إذا عقد العزم وإذا تبصر في أموره، وتأهب عملياً، ودخل الساحة، يستطيع حل المشاكل كلها»، «ان أعظم الجبال ليزول في مقابل حضور جماهير الشعب»، كما يلفت الى ان حنكة الامام الخميني(قدس) تكمن في انه وعى أهمية هذا الأمر وفعله عملياً، في مقابل ان الكثير من المحللين الاجتماعيين لم يلمسوا هذا الأمر .
ولذلك فإن المجتمع في رؤيته يحمل وظيفة حضارية وتاريخية تتجاوز المصالح الفردية الضيقة، فهو البيئة الأوسع التي تساهم في تشكيل هوية الأفراد وتؤثر على اعتقاداتهم وسلوكهم.
تميز مقاربة الإمام الشهید للأسرة والمجتمع
وقالت الدكتورة: إن الأسرة والمجتمع يشكلان في فكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) ركيزتين أساسيتين في مشروع الحضارة الاسلامية الحديثة، ومعالجة قضاياهما تمثل شرطاً ضرورياً لتحقيق نهضة الأمة واستعادة دورها الحضاري في العالم المعاصر. ويمكننا تلخيص ما تتميز به مقاربة الإمام الشهيد للأسرة والمجتمع بالنقاط التالية:
– الانتقال من المقاربة الأخلاقية إلى المقاربة الحضارية: من أبرز ما يميز رؤية الإمام الشهيد أنه لا يتعامل مع الأسرة باعتبارها قضية أخلاقية أو فقهية فقط، بل يعتبرها قضية حضارية استراتيجية.
ففي كثير من الأدبيات الإسلامية التقليدية يتم التركيز على الأحكام الشرعية أو الفضائل الأخلاقية المرتبطة بالأسرة، بينما يربط الإمام الشهيد بين الأسرة ومستقبل الأمة وقدرتها على بناء الحضارة. فالأسرة بالنسبة إليه هي المصنع الأول للإنسان الذي سيشارك لاحقاً في بناء المجتمع والدولة والحضارة.
– الربط بين الفرد والمجتمع والحضارة: تتميز رؤيته أيضاً بتجاوز الثنائية التقليدية بين الفرد والمجتمع. فالفرد الصالح لا يُنتج تلقائياً مجتمعاً صالحاً، كما أن المجتمع القوي لا يمكن أن يقوم من دون أسر سليمة وأفراد يتمتعون بالوعي والمسؤولية.
لذلك يقدم الإمام الشهيد تصوراً متدرجاً يبدأ من: الفرد ← الأسرة ← المجتمع ← الدولة الإسلامية ← الحضارة الإسلامية.
وهذا التسلسل يشكل أحد المرتكزات الأساسية في مشروعه الفكري.
– الجمع بين الأصالة والتجديد: لا يدعو الإمام الشهيد إلى الانغلاق أو العودة إلى نماذج تاريخية جامدة، بل يؤكد ضرورة الاستفادة من منجزات العصر العلمية والتقنية مع الحفاظ على القيم الإسلامية الأساسية. ولذلك فهو يطرح نموذجاً للأسرة يجمع بين الأصالة الدينية ومتطلبات الحياة الحديثة، بعيداً عن التقليد الأعمى للغرب أو الانغلاق على الذات.
الأسرة والمجتمع في المشروع الحضاري للإمام الشهيد
اما عن مفهوم المشروع الحضاري للإمام الشهيد قالت الدكتورة: يشكل مفهوم «الحضارة الإسلامية الحديثة» الإطار المرجعي الأوسع لفكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض). ويقوم هذا المشروع على مراحل متدرجة تبدأ بالثورة الإسلامية ثم النظام الإسلامي فالدولة الإسلامية فالمجتمع الإسلامي وصولاً إلى الحضارة الإسلامية الكبرى.
ضمن هذا التصور تحتل الأسرة موقعاً محورياً في مرحلة بناء المجتمع الإسلامي. فالمجتمع المنشود لا يمكن أن يتحقق من خلال القوانين والمؤسسات فقط، بل يحتاج إلى قاعدة ثقافية وأخلاقية راسخة تنتجها الأسرة.
ومن هنا تصبح قضايا: الزواج، التربية، العلاقات الأسرية، دور المرأة، تربية الأبناء، المسؤولية الاجتماعية، قضايا حضارية وليست مجرد شؤون خاصة.
كما يرى الإمام الشهيد أن نجاح مشروع الحضارة الإسلامية مرهون بقدرة الأمة على إنتاج نموذج أسري واجتماعي مختلف عن النموذج المهيمن في الحضارة الغربية المعاصرة، نموذج يحافظ على الكرامة الإنسانية والتوازن بين الحقوق والواجبات والبعد الروحي للحياة.
البعد الاستراتيجي للأسرة في مواجهة التحديات الحضارية
وفي الختام تقول الدكتورة مصطفى يرى الإمام الشهيد أن الصراع الحضاري المعاصر لا يقتصر على السياسة والاقتصاد، بل يمتد إلى الثقافة ونمط الحياة. ولذلك يولي أهمية كبيرة لما يسميه «الغزو الثقافي» أو «الحرب الناعمة» التي تستهدف الهوية والقيم والعلاقات الاجتماعية.
وفي هذا الإطار تصبح الأسرة خط الدفاع الأول عن الهوية الإسلامية، كما تصبح التربية الأسرية أداة استراتيجية لحماية الأجيال الجديدة من التفكك الثقافي والاغتراب القيمي.
ومن هنا يمكن فهم تأكيده المتكرر على: تعزيز ثقافة الزواج، حماية الروابط العائلية، ترسيخ القيم الأخلاقية، الاهتمام بالشباب، تقوية روح المسؤولية الاجتماعية.
فكل ذلك يمثل، في نظره، جزءاً من معركة بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية الحديثة.
تكشف دراسة رؤية القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد الإمام علي الخامنئي(رض) للأسرة والمجتمع أن مقاربته تتجاوز الحدود التقليدية للمعالجة الاجتماعية أو الأخلاقية، لتندرج ضمن رؤية حضارية شاملة. فالأسرة في فكره ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي المؤسسة للإنسان، والمجتمع ليس مجرد تجمع بشري، بل حاضنة للرسالة والقيم. ومن خلال الربط العضوي بين الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والحضارة، يقدم الإمام الشهيد نموذجاً فكرياً متكاملاً يجعل من إصلاح الأسرة وبناء المجتمع شرطاً أساسياً لتحقيق مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة. ولهذا يمكن اعتبار البعد الحضاري هو السمة الأكثر تميزاً في مقاربته لقضايا الأسرة والمجتمع، وهو ما يمنح هذه الرؤية أهمية خاصة في الدراسات المعاصرة المتعلقة بالفكر الإسلامي والحضاري.
