موناسادات خواسته
في لحظة فارقة من تاريخ الثورة الإسلامية، وبينما كانت إيران تخوض أعتى معاركها ضدّ الاستكبار العالمي والصهيونية، ارتقى قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) إلى جوار ربّه، تاركاً خلفه إرثاً من الاقتدار والاستقلال وثقافة المقاومة؛ لكنّ الشهادة التي ظنّ العدو أنها ستهزّ أركان النظام، كانت بدايةً لمرحلة جديدة من القوّة والتماسك، أثبتت فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنها ليست رهينة شخص، بل مشروع أمّة قائمة على الفكر والمؤسسات والإرادة الجماعية.
في الحوار التالي، مع مدير قسم الدراسات الإستراتيجية بالجامعة اللبنانية، الأستاذ الدكتور طلال عتريسي، يتوقف الباحث اللبناني عند محطات فكرية وسياسية في مسيرة قائد الأمّة الشهيد، ويُحلّل أبعاد استشهاده وتداعياته، وموقع الثقافة في منظومة فكره، والدور المحوري الذي لعبه في بناء إيران القوية القادرة على فرض شروطها على العالم.
المراحل الفكرية والسياسية عند القائد الشهيد

بداية، سألنا الدكتور عتريسي عن رأيه حول المراحل الفكرية والسياسية التي مرّ بها القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد على الخامنئي(رض) وتأثيره في العالم، خاصة في المنطقة ودول محور المقاومة، فقال: أي قراءة لفكر القائد الشهيد يمكن أن تسمح لنا باستنتاج أساسي وهو أن الركيزة الفكرية والسياسية لتجربة سماحته تقوم على ركيزتين: الركيزة الأولى الإستقلال، والركيزة الثانية الإقتدار، وهذا النهج له علاقة بهُويّة الثورة الإسلامية التي قامت أساساً على فكرة الإستقلال وعدم الإنحياز إلى الشرق أو الغرب.
كان على قائد الأمّة الشهيد أن يُترجم هذه الهُويّة، هُويّة اللاشرقية واللا غربية في إدارة البلاد سياسياً، وفي العلاقة مع الدول الكبرى، ومع باقي دول العالم، وأن يعمل وفق هذه الرؤية من أجل بناء الإقتصاد الذي كان يُطلق عليه “الإقتصاد المقاوم”، الإقتصاد الذي يعتمد على التنمية الذاتية، وعدم الإعتماد على الخارج، وأثبتت تجربة قيادته خلال العقود الماضية أن مسيرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية حافظت على اقتدارها، وعلى بناء قدراتها الذاتية في مجال القدرات العسكرية والمجالات التنموية المختلفة.
وفي السياسات الخارجية التي أثبتت أن إيران، القوة الإقليمية الأساسية التي تعتمد على مؤسساتها المختلفة وعلى دستورها في اتخاذ القرارات المناسبة، هذا الأمر في الحقيقة لم يكن بسيطاً أو سهلاً، بسبب سياسات الغرب العدوانية والتوسعية، وسياسة العقوبات، وصولاً إلى الحرب المباشرة، على الرغم من كل ذلك استطاعت إيران أن تقدّم أنموذجاً في هذين المجالين، أنموذجاً للمفكرين والباحثين، ولدول أخرى في العالم، أنموذج الإستقلال، وعدم التبعية لأي قوة، في العالم، وبناء القدرات الذاتية، والإقتدار، فأعتقد أن هذه من أهم وأبرز ما يمكن أن نقرأه أو نستنتجه، أو نتعلّمه من هذه التجربة التي امتدت منذ التسعينيات إلى اليوم، وإلى لحظة الإستشهاد في ذروة المواجهة لحماية استقلال ايران، وموقع واقتدار إيران.
صدى استشهاد سماحته في لبنان
وعندما سألنا الدكتور عتريسي عن استشهاد قائد الأمّة وكيف كان الصدى في لبنان، قال: خبر الإستشهاد مع أنه كان خبراً مفاجأً وقاسياً وفي ذروة الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كانت أنظار المؤيدين لإيران تتطلع إلى ثباتها في هذه المواجهة، وهي تواجه أعتى القوتين، الإقليمية التي هي الكيان الصهيوني، والدولية التي هي الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من المعلوم أن هاتين القوتين تستهدفان شخص قائد الأمّة وقيادات أخرى، عسكرية وسياسية، حقيقة كان هناك قلق، نظراً لأهمية وجود قائد الأمّة ومرجعيته وقيادته وإدارته للمعركة، كان هناك قلق حقيقي وشعور في الخسارة العميقة؛ لكن تبين خلال وقت قصير أن الهدف الأمريكي – الصهيوني من اغتيال قائد الأمّة لم يتحقق، وهذا كان مهم بالنسبة للبنان على سبيل المثال، ونحن نعيش في لبنان ونعرف الأوساط التي تؤيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقائد الأمّة الشهيد، وكيف كانت تشعر بالقلق بعد اغتياله، خصوصاً وأن الحرب كانت لا تزال مشتعلة؛ لكن سرعة اختيار قائد الثورة الإسلامية الجديد، آية الله السيد مجتبى الخامنئي، شكّل نوع من الإطمئنان، وإن كان استمرار الحرب بقي يشكل نوع من القلق، خصوصاً وأن مثل هذه القيادة، قيادة قائد الأمّة الشهيد بُنيت خلال تجربة طويلة، ليس من السهل أو البساطة التعويض عنها؛ لكن ومن خلال ثبات القيادة والقرارات العسكرية والسياسية، تمكّنت إيران من تعويض الفراغ الكبير الذي حصل باغتيال قائد الأمّة، وما نشهده اليوم من ارتباك أمريكي في التعامل مع إيران ومن عجز عن إرغام إيران على الإستسلام أو فرض الشروط عليها وعلى العكس من ذلك، نجاح إيران في فرض شروطها للتفاوض، وذهاب الأمور للموافقة الأمريكية على هذه الشروط يعني أن إيران تخطّت هذه المرحلة وتجاوزت المخاطر التي نجمت عن إغتيال قائد الأمّة الشهيد وأثبتت ما كان يهدف إليه من اقتدار واستقرار في التعامل مع الملفات السياسية والأمنية والعسكرية.
خطاب قائد الأمّة الشهيد
وتابع أستاذ الجامعة اللبنانية: بالإضافة إلى ما ذكرناه حول البُعد السياسي والفكري على مستوى الإستقلال والإقتدار، خطاب قائد الأمّة الشهيد بشكل أساسي كان خطاب يحاول أن يشرح لعموم الشعب الإيراني، جوهر هذه المسيرة منذ انتصار الثورة الإسلامية، من أجل تحقيق الإستقلال والمحافظة على الإستقلال وبناء القدرات المختلفة، فكانت العلاقة مع الشعب أساسية في خطاب قائد الأمّة الشهيد، هذه نقطة مهمة ومركزية، ربما يفتقده كثير من القادة والزعماء في العالم.
أيضاً المواقف التي كان يتخذها قائد الأمّة الشهيد، حتى القيادة السياسية والعسكرية كانت تهدف إلى تعزيز ثقة الشعب بنفسه، بالدرجة الأولى، بمعنى أن تفكير القيادة لم يكن معزول عن تفكير الشعب، وأهمية أن تجعل الشعب يثق بنفسه، وأن يثق بالقيادة، في الوقت نفسه، هذا يعني مصدر قوة لا يمكن أن يتزعزع، وهذا ما لاحظناه أثناء الحرب ولغاية اليوم، كيف أن الشعب في إيران، بعشرات الآلاف خرج إلى الشوارع يؤيد القيادة، حتى بعد اغتيال قائد الأمّة الشهيد، وبقي في الشارع يعلن تأييده للقيادة العسكرية والسياسية، وهذا شكّل مصدر قوة للمفاوض الدبلوماسي ومصدر قوة لمن يتخذ القرار العسكري، وهذا له علاقة بطبيعة الخطاب الذي أسّسه قائد الأمّة الشهيد، واللقاءات المتواصلة التي كان يعقدها مع كل فئات الشعب، من المثقفين والفنانين، وعلماء ومخرجين وأدباء وشعراء وأطفال، ومعلّمين ونساء ومختلف الهيئات والجمعيات، هذه هي الميزة التي قد تكون خاصة بالقيادة الإيرانية وقد لا تكون موجودة في أي بلد آخر.
مكانة الثقافة في منظومة فكر قائد الأمّة الشهيد
وفيما يتعلق بمكانة الثقافة في منظومة فكر سماحته، قال الدكتور عتريسي: كان قائد الأمّة الشهيد يستقبل الوفود المختلفة، ومن بين هذه الوفود، كما شاهدنا في كثير من التسجيلات، الأدباء والشعراء.
كان من اللافت بالنسبة لمن يُشاهد هذه التسجيلات، وحتى بالنسبة للأدباء المشاركين في هذه اللقاءات، أن قائد الأمّة الشهيد كان يحفظ الأشعار، ويعرف الكثير عن سيرة الشعراء، سواء في إيران أو حتى في خارج إيران، وكان يشارك الأدباء أشعارهم ويخلق نوع من الصلة القريبة الودّية، كان يدعم الشعر والفن، ويشجع على إنتاج الفنون من السينما وغيره، ويعتبر أن هذا جزء من إنتاج الثقافة الأصيلة في إيران، التي تعبّر عن هُويّة إيران الإسلامية، وعن أفكار المجتمع الإيراني، كان سماحته يدعو لعدم تقليد الغرب في هذا المجال، وكشفت الكثير من هذه اللقاءات عن جوانب غير معروفة، بشخصية قائد الأمّة الشهيد، يعني لا يمكن أن نختزل هذه الشخصية بالفكر السياسي أو بالفكر الفقهي، وهو المرجع العالم؛ لكن كان هناك جوانب أخرى بيّنت حجم وأبعاد هذه الشخصية الإنسانية المختلفة.
قائد الأمّة الشهيد؛ ودوره في إقتدار إيران
وأخيراً، قال الخبير السياسي والإجتماعي اللبناني للعالم الذي يراقب الآن المشهد: إن العالم الذي يشاهد ما يجري اليوم في إيران والمنطقة، لابدّ أن يستحضر طريقة أخرى، قائد الأمّة الشهيد ودوره الأساسي في مواصلة إيران اليوم للإقتدار، ما يجري اليوم في العالم يعكس اقتدار إيران.
الموافقة الأمريكية على التفاوض وعلى شروط إيران، بغض النظر عن التفاصيل والأولويات، وفترات المدّ والجزر في هذه المفاوضات؛ لكن مجرد أن تبقى الولايات المتحدة في إطار التفاوض، وتتراجع عن التهديد أو التفكير بإسقاط النظام ليس له سوى نتيجة واحدة، هي الإعتراف باقتدار إيران ودورها الذي سيعكس قدرتها واقتدارها على مستوى المنطقة ككل، يعني الإقتدار الداخلي تحول إلى اقتدار إقليمي، هذه هي نتيجة المشهد الذي نراه اليوم، وهو الذي سيتحقق بعد انتهاء هذه المفاوضات، وهذا يجب أن نؤكد أنه نتاج هذا المسار الطويل، من بناء ثقافة الإعتماد على الذات، وثقافة الإنسجام مع هُويّة المجتمع الإيراني، وثقافة عدم التبعية للغرب، ولو كانت إيران تتبع للغرب، لما استطاعت أن تصمد في هذه الحرب.
هذا المشهد يعني بهذه النتائج التي نتحدث عنها، الوفاء للسيد قائد الأمّة الشهيد، ولما أنجزه، وهو صاحب الدور الأساس في ما حققته إيران، طوال السنوات الماضية، والتي واجهت فيها كما هو معلوم، القوات والحصار والتهدي؛ لكن الإنجاز الكبير في هذا المشهد، هو اليوم هو إنجاز لمصلحة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما تركه قائد الأمّة الشهيد من تأثير كبير في مسيرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي استطاعت أن تتجاوز كل العراقيل والتهديدات والصعوبات، لهذا المشهد الذي نشهده اليوم.