باحث في الإجتماع السياسي والشؤون الإيرانية للوفاق:

إستشهاد إمام الأمّة أسقط المشروع الأميركي؛ وأطلق معادلة الردع الكبرى

خاص الوفاق/شكّل استشهاد الإمام المجاهد نقطة تحوّل استراتيجية عزّزت تماسك إيران ومحور المقاومة، ورسّخت معادلات ردع جديدة، وأفشلت رهانات واشنطن وتل أبيب

عبير شمص

 

في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس مكانة القادة بما يحققونه في أوقات الاستقرار، بل بما يثبتونه في مواجهة أخطر التحديات. فالتاريخ لا يُخلّد إلّا أولئك الذين استطاعوا تحويل الضغوط إلى فرص، والتهديدات إلى عناصر قوّة، والأزمات إلى محطات لإعادة رسم موازين الصراع. من هذا المنطلق، شكّل قائد الثورة الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض) نموذجًا قياديًا ارتبط بالصمود والثبات في مواجهة الضغوط الأميركية – الصهيونية، مستندًا إلى رؤية عقائدية واستراتيجية أسهمت في رسم ملامح السياسة الإيرانية وتعزيز حضورها الإقليمي. تُسلط هذه المقابلة مع الدكتور عبدالله عيسى الباحث في الاجتماع السياسي والشؤون الإيرانية الضوء على معالم هذه التجربة القيادية، وانعكاسات المرحلة التي أعقبتها على إيران ومحور المقاومة، ومدى تأثيرها في إعادة تشكيل معادلات الصراع وموازين القوى في المنطقة.

 

 

من العقيدة إلى الردع.. أُسس القيادة في مواجهة منظومة الهيمنة

 

 

يشير الدكتور عيسى إلى أنه «قبل الحديث عن ثبات الإمام الشهيد في مواجهة التهديدات الأمريكية – الصهيونية المتكررة؛ لابدّ من التنويه إلى مواصفاته ومنطلقاته الفكريّة المستمدة من عمق التاريخ وعبق الوحي والنبوّة والإمامة؛ كنبع فيّاض في المعرفة، ومتدفّق في الاستلهام القرآني الدائم، وكنتيجة طبيعيّة لتبحّره الثري في التراث واستناده الصلب إلى الأصول والقواعد وهو يسبر بها طرائق الاستنباط وأغوار التحقيق في الرجال والأحداث والسُنن، وسيره وسلوكه الصالحَيْن مع صفاء روحه، وانفتاحه على متطلّبات العصر ومقتضياته، مع خبرة سياسيّة واسعة وممتدّة من الثورة والمقاومة إلى الدولة والأمّة، مكّنته من تكوين رؤية كلية شاملة، وبصيرة يقظة باستخلاص دائم للعبر وقيادة حكيمة وشجاعة في مختلف الاستحقاقات، وإنّ وعي هذه الخلفيّة الراسخة ودينامياتها التفاعليّة في منهجيّة إدارته للصراع، يختصر الحديث عن ثبات الإمام الشهيد في مواجهة منظومة الهيمنة الاستكبارية، المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية والكيان المؤقّت ومن يدور في فلكهما من أنظمة متواطئة وأخرى خانعة»، مضيفاً أنه «بهذه البُنية الفكرية والعقائدية المتكاملة مع التجارب المعقّدة على مدى عقود، ينطلق الإمام الشهيد في سلوكه القيادي وفي مواجهته للتهديدات من رؤية قرآنية توحيدية ترى أنّ القوة المطلقة هي لله وحده، متلازمةً مع أخذ الأسباب بقوّة، كالعلم والأمن الثقافي والاستقلال الاقتصادي والسيادة السياسيّة وبناء سائر شروط الاقتدار. ومن هذا المنطلق، تصبح التهديدات المادية لأكبر القوى العسكرية في العالم مجرد «تهديدات جوفاء»، فلا معنى للهزيمة في قاموسه، محوّلًا التهديد من مصدر قلق إلى دافع للتحدي والاقتدار والردع، وسبباً في تحقيق قفزات علمية وعسكرية واقتصادية».

 

 

وبرأي الدكتور عيسى أنّ «الإمام الشهيد واجه الحصار الاقتصادي بالدعوة إلى «الاقتصاد المقاوم»، كما رفض الخضوع لسياسة «التهويل والابتزاز» سواء بضرب المنشآت أو شن حروبٍ مباشرة أو إثارة الاضطراب في الداخل، وكان ردّه باستراتيجية الصبر الاستراتيجي المقرون بالجهوزية والتأكيد على مضاعفة الهمة في كافة الميادين، مع الرفض القاطع لسياسة الإملاءات «لا نتفاوض تحت الضغط والتهديد»، والتأكيد على عدم الانخداع بالعدو والتيقّظ لمكره، والتحذير من أي رهان مطلق على المفاوضات، وأنّ التنازل يغري العدو بالمزيد».

 

 

وأشار إلى «أنّ الإمام الشهيد كقدوة وأسوة، لم تُغيّر التهديدات في جدول أعماله، ولم ينكفئ بالثبات داخل حدود الجغرافيا الإيرانية، بل مدّ هذا الثبات ليشمل جبهةً أوسع بالثبات على دعم حركات المقاومة في فلسطين ولبنان والمنطقة وعدم المساومة على القضية الفلسطينية، دون أن تنال من إرادته أقسى العقوبات والتهديدات على بلاده ومنطقة غرب آسيا».

 

 

استشهاد القائد كنقطة تحوّل في معادلات الصراع الإقليمي والدولي

 

 

واعتبر الدكتور عيسى أن «استشهاد الإمام الشهيد شكّل نقطة تأكيد أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تشكل خط الدفاع الأول عن إنسانيّة الإنسان وعن مظلوميتها ومظلومية المستضعفين في مواجهة الهيمنة، ونقطة اعتزاز المواطن الإيراني، بأنّ إيران ليست كأي حالة دوليّة أخرى استطاعت أمريكا فرض إرادتها عليها. وشكّل نقطة تعرية للولايات المتحدة الأميركيّة ومكرها وخبثها، وهي تغدر من داخل المفاوضات. ونقطة تحدي لقوى المقاومة بالانتقال من الصبر الاستراتيجي إلى الإلتحام الشجاع، انتقال من وعيد الجمهورية الإسلامية إلى تنفيذه، سواء باستهداف أهمّ القواعد الأميركية أو التصدي الدفاعي عن سماء وأرض إيران أو إنزال الضربات الاستراتيجية بالكيان الصهيوني والتحكم المروري في مضيق هرمز، والتفاعل مع قوى المقاومة ولا سيّما في لبنان واليمن، بتنسيق المعلومات والنيران على الاحتلال والعدوان، كما شكّل نقطة حاسمة وضعت القوة الأميركيّة وتبجحاتها أمام حدودها وتثبيط مشروعها، وفتح أفق جديد لمستقبل الصراع في المنطقة، وإعادة توزيع القوة  كخطوة على طريق الانقلاب من الأحادية القطبية إلى عالم متعدد المراكز وربما الأقطاب. وكان ارتقاؤه درسًا صافيًا عنوانه أنّ الاقتدار الذي بلغته الدولة الثورية الإيرانيّة معه حافظ على هُويّتها وحجز لها موقعًا ومكانة فرضت نفسها على المعادلة العالمية، وما كان هذا ليحدث لولا هذا الثبات المستقيم على الحق وصيانة حاضر ومستقبل إيران وقوى المقاومة».

 

 

تداعيات الحدث المفصلي على المشهد الدولي ومحور المقاومة   

                                                                                        

         

ويؤكد الدكتور عيسى أنه «لا شكّ أن العالم كان أمام لحظة مؤثرة واستثنائية فارقة. في ميزان القانون الدولي، وأحدث الاغتيال صدمة سياسيّة وقانونيّة؛ إذ أدان العديد من الدول وخبراء القانون الدولي العدوان (28 شباط/ فبراير)، معتبرين أن استهداف رأس دولة أثناء مسار تفاوضي استخداماً غير مشروع للقوة وانتهاكاً صارخاً للسيادة الدولية، ويضع غرب آسيا بأكملها أمام واقع جيوسياسي جديد تماماً، ويدفع  إلى حافة حرب عالمية مصغرة»، مضيفاً: أن «جبهة المقاومة تنازعتها مشاعر الحزن والذهول والغضب والاعتزاز الذي يعكس عمق الارتباط الوجداني به كمرجع ديني وولي فقيه وكقائد عالمي للأحرار لا يوازيه أحد في هذه اللحظة التاريخيّة، مما أعاد إطلاق روح الثورة والاستقامة على صراط المقاومة. فتقاطرت إلى الساحات وهي تستصرخ الأجيال الجديدة معاني الشهادة والجهاد أمام «رمزية ملهمة» ترفع منسوب الشرعية والمعنوية، وتغذي الاستمرارية على محاربة طواغيت العصر والاحتلال».

 

 

صلابة الدولة المؤسسية في مواجهة الفراغ السياسي وضمان استمرارية الحكم

 

 

و​يعتبر الدكتور عيسى أنّ «الأثر الأبرز، الذي توجّهت إليه الأنظار كان الاختبار للداخل الإيراني سياسياً ولا سيّما داخل بُنية الحكم، ودستورياً وشعبيًّا وأمنياً وعسكرياً؛ لكن إيران الإمامين الخميني(قدس) والإمام الشهيد(رض) أثبتت قدرتها على إدارة الأزمة السريعة وتفادي انهيار الجبهة الداخلية، وعرفت كيف تتدرج بإعلان الخبر». وأضاف: أنه « لم تشهد طهران صراعاً على السلطة ولا ارتباكاً في مراكز القرار، على خلاف المؤامرة التي راودت مخيّلة ترامب، فرغت أهداف العدوان، وفُعّلت المواد الدستورية بسلاسةٍ فائقة؛ وشُكِّل على الفور «مجلس قيادة مؤقت» لإدارة شؤون البلاد، قبل أن يجتمع مجلس خبراء القيادة في وقت قياسي لانتخاب آية الله السيد مجتبى الخامنئي وليًّا وقائدًا، إبان الحرب. هذا الانتقال الهادئ في ذروة النيران أثبت أنّ النظام الإيراني يمتلك «عقلاً مؤسّساتياً باردًا» يشتغل بدقة الساعة تحت أشدّ الضغوط».

 

 

ويشير الدكتور عيسى إلى أنه «نجحت الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة بإحباط خطة الفوضى الداخلية وإثارة النعرات العرقية والمناطقيّة والسياسية لإسقاط النظام من الداخل. وجاء الردّ الشعبي عكسياً؛ حيث تحولت شوارع إيران إلى أمواج بشرية من التلاحم والعزاء الوطني. لقد وحدت دماء القائد الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد المصيري والخارجي، وقد قدمت مشهداً دستورياً صارماً عبر تفعيل المواد الدستورية، والالتزام بالمواقيت القانونية لانتخاب القيادة الجديدة، وصيانة الأمن والاستقرار الداخليين، وإبقاء الدبلوماسية الخارجية نشطة، ومواجهة أعتى الظروف وأخطر مراحل الحرب، وصناعة التحوّل بتنكيس إرادة ترامب بالتراب الإيراني العزيز».

 

 

انتقال القيادة.. ورسائل الردع الاستراتيجي للولايات المتحدة وكيان الاحتلال

 

 

ويشير الدكتور عيسى إلى أن «الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة ثبّتت بالانتقال المنظم للقيادة لاءات الإمام الشهيد(رض)، وصفعته التاريخية الشهيرة على وجه ترامب، وهو لم يعطيه إعطاء الذليل، إذ رأت دوائر الاستخبارات ونخب الإعلام أنّ الإمام الشهيد عاد شابًا، وأن نظامها السياسي عميق الروابط بشعبه، وأنّ هُويتها أرسخ جذورًا من أن ينالها عدوان، وأنها بهذا الانتقال السلس للسلطة واللحمة الداخلية والصمود في المواجهة أجهضت الأهداف الاستراتيجيّة للعدو، وفرّغتها من أي إمكانيّة للتحقق، بل اندفعت إلى خيارات كان تتريث باستخدامها وبقيت يدها على الزناد، تمسك بعنق الاقتصاد العالمي، وتصون وحدة البلاد وحدودها».

 

 

ما بعد الغياب.. توازنات الصراع وصمود محور المقاومة

 

 

ويقول الدكتور عيسى: إنّ «التساؤل عن أثر غياب شخصية بحجم الإمام الشهيد(رض)، وعن سرّ تماسك محور المقاومة بعد رحيله، كفلته الإجابة التي سبق أن أعدها بنفسه لهذا اليوم، بالبناء على التناغم المتين بين الروح العقائدية الإيمانية والاقتدار الثوري والتفاعل الشعبي والتكامل العضوي في دول وحركات المقاومة. لقد استطاعت إيران الإسلاميّة ومعها جبهة المقاومة أن تصدم دوائر الاستخبارات الغربية التي طالما راهنت على إحداث شرخ داخل إيران، وبينها وبين حلفائها، فما حصدت منه تلك الدوائر إلّا الخيبة، وهم يسقطون في فخ القراءة الكلاسيكية الغربية للأنظمة والدول، بزعم أنّ مجرد غياب «رأس الهرم» يسقط البُنيان، فإذا هم أمام «بُنية عقائدية ومؤسساتية مقتدرة ومتكاملة وثوريّة». ليكتشفوا أن ​غياب القائد الأعلى لم يغيّر ثوابت الصراع الإيراني – الأمريكي والصهيوني، بل نقله من مرحلة «إدارة حافة الهاوية» إلى مرحلة «الاشتباك المفتوح»، ومن «كبح الجماح» إلى «الردع الهجومي»، حيث تميّزت إدارة الإمام الشهيد للملف الإقليمي بالصبر الاستراتيجي الممزوج بالحذر الشديد لتجنيب إيران حرباً تدميرية شاملة».

 

 

ويضيف: «بغيابه، أُسقطت كل الخطوط الحمر وقواعد الاشتباك القديمة، مما جعل الردود أكثر جرأة وكثافةً (كما رأينا في الهجمات الصاروخية المباشرة وغير المسبوقة). كما سقطت رهانات واشنطن وتل أبيب بـ«إسقاط النظام في إيران» وقطع الإمداد عن حلفاء إيران، وبالتالي إعادة هيكلة منطقة غرب آسيا. فقد شكّل الانتقال السريع والسلس للسلطة دستوريّاً وعسكريّاً «صدمة إرتدادية» للغرب. أمّا فشل الرهان على تفكك جبهة المقاومة، فيعود إلى أنها تعمل وفق «إستراتيجية الأهداف المشتركة واللامركزية التنفيذية»، فكل منها يمتلك قيادته المستقلة، ومخزونه التسليحي، وقدرته على اتخاذ القرار الميداني اللحظي بما يتوافق مع بيئته، وهو لا يدار بـ«الأوامر اليومية» من طهران، إنما ينبثق من حاجة محليّة مرتبطة بالأرض وقناعة إيمانيّة مرتبطة بالعقيدة، ومن كفاح طويل ضدّ العدو».

 

 

​ويرى الدكتور عيسى إنّ «هذه العلاقة التكامليّة القائمة على التمايز الذي تقتضيه الخصوصيّات، تحتم الصمود أمام هجمات الأعداء، والتساند بما يخدم الأمن القومي المقاوم، بما لا يضرّ بالأمن الوطني المقاوم.​ ​لذا، فإن اغتيال الإمام الشهيد(رض) لم يغير من واقع أن هناك احتلالاً جاثماً على الأرض، وحصاراً اقتصادياً، وتهديداً أمنياً مستمراً. فالمحفزات الموضوعية لوجود المقاومة بقيت قائمة ولم تتبدد، وبالتالي بقي الإلتفاف الشعبي حول قوى المقاومة ثابتاً، بل ازداد عناداً وشراسة لإثبات عدم الانكسار، وتأكدت الحاجة للتكامل المشروع بين دول وحركات المقاومة في مواجهة الهيمنة والإبادة والاحتلال والعدوان».

 

 

الجبهة الداخلية الإيرانية.. أساس القوّة وصناعة النفوذ الإقليمي

 

 

ويؤكد الدكتور عيسى إنّ «صلابة الجبهة الداخلية الإيرانية هي إحدى نقاط الارتكاز الجوهريّة لقوّتها، إلى قيادتها واقتدارها وهُويّة نظامها وصيانة أرضها وسيادتها عليها. إنّ الجبهة الداخلية هي مصب استهداف العدو، وهي نقطة ارتكاز مشروعيّة النظام وإجهاض أحد أهم أهداف العدو، وهي الرافد القوي لجبهتي الميدان العسكري والأمني وجبهة الجهاد الدبلوماسي، وسرّ أسرار نجاح «الاقتصاد المقاوم»، وصدّ الغزو الثقافي، ونواة الاقتدار العلمي، فإيران دولة عتبة نووية، في عقول شبابها ومهاراتهم قبل المنشآت والمفاعل النووية، وهكذا بالنانو و…».

 

 

ويلفت إلى إنّ «نهوض الدولة بمسؤولياتها والعلاقة الوطيدة مع شعب مضحي وطموح هما شرطا المكانة، وهاهي إيران تكتب فصول هزيمة الولايات المتحدة الأميركية وكيان الاحتلال ليس فقط على أرضها، بل حيث امتدّ نفوذهما، فهي تعيد إنتاج الواقع الجيو سياسي والجيو اقتصادي نحو مكانة متقدمة لإيران وحلفائها، بعد أن حفرت بالوعي العالمي قدرتها على الصمود والاستقلال والمواجهة».

 

 

 

 

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة