من خلف الشاشة.. كنتُ أسير في طهران

خاص الوفاق/لم يكن الإمام الشهيد، بالنسبة إلى أنصاره، رجلًا انتهت حياته، بل مشروعًا دخل مرحلة جديدة، كما بقي الإمام الحسين(ع) حاضرًا في وجدان الأمّة بعد كربلاء أكثر مما كان قبلها

د. أكرم شمص

 

لم أكن في طهران…

 

لكن شيئًا غريبًا حدث وأنا أتابع النقل المباشر.

 

في البداية، كنت أجلس أمام شاشة، أراقب مدينة تستعدّ لتشييع قائدها. وبعد دقائق، اختفت الشاشة. لم أعد أشعر أن بيني وبين طهران آلاف الكيلومترات، بل كأنني أمشي بين الجموع، أسمع التكبيرات تختلط بالبكاء، وأرى الرايات السوداء تملأ السماء، وأشعر بحرارة شمس تموز وهي تلامس وجوه الملايين، شعرت أن المسافة بيني وبينها تذوب مع كل خطوة يخطوها المشيعون.

 

كنت أشعر أنني أمشي في قلب التاريخ، لا في شوارع طهران. وكلما اتسعت شوارع طهران بالمشيعين، كانت ذاكرتي تعود إلى لبنان؛ إلى القرى التي ما زالت تتنفس من بين الركام، وإلى الأمّهات اللواتي ودّعن أبناءهنّ كما ودّعت طهران قائدها.

 

شعرت أن المسافة بين بيروت وطهران لم تعُد تُقاس بالكيلومترات، بل بوحدة الألم ووحدة القضية، وأن البث المباشر لم ينقل إليَّ جنازة فحسب، بل أعاد إليَّ صورة وطنٍ عرف، كما عرف الإيرانيون، أن الدمار قد يطال الحجر؛ لكنه يعجز عن هزيمة الإنسان حين يحمل عقيدةً يؤمن بها.

 

منذ الفجر، كانت المدينة تبدو مختلفة. لم تكن العاصمة التي عرفتها، بل أمّة كاملة خرجت تحمل قلبًا واحدًا. رجالٌ ونساء، شيوخٌ وأطفال، وجوه أنهكتها الحرب؛ لكنها لم تعرف الانكسار. كانت الدموع حاضرة؛ لكن الهزيمة غائبة. وكان الحزن عميقًا؛ لكنه لم يكن حزن الوداع، بل حزن الذين يعاهدون شهيدهم أن الطريق لن يتوقف عند قبره.

 

كنت أتنقّل بعيني بين الوجوه أكثر مما أتابع النعش.

 

لفتتني أُمٌّ مسنّة تضمّ صورة قائدها إلى صدرها كما تضمّ الأُمّ طفلها، وشاب وقف ساعات طويلة لا يفعل شيئًا سوى البكاء، وأب رفع ابنه على كتفيه ليجعله يرى المشهد، وكأنه يريد أن يحفظه في ذاكرته قبل أن يحفظه التاريخ.

 

في تلك اللحظة أدركت أنني لا أتابع جنازة…

 

بل أتابع أُمّةً تكتب روايتها بنفسها.

 

لم يكن السؤال: كم بلغ عدد المشيعين؟ بل: ما الذي يدفع ملايين البشر إلى أن يخرجوا بعد أشهر من حرب مدمرة، وعقوبات طويلة، واغتيال قائدهم، ليحولوا الحزن إلى مشهد بهذه الضخامة؟

 

بدأ الجواب داخل مصلى الإمام الخميني(قدس)، قبل أن تمتلئ شوارع طهران بالملايين. حين تقدّمت الوفود الرسمية لإلقاء النظرة الأخيرة على نعش الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، لم تستقبلها الجمهورية الإسلامية بخطب سياسية، بل بآيات من القرآن الكريم.

 

وبحسب قراءة كثير من المراقبين، لم يكن اختيار تلك الآيات عابرًا؛ فآية بدر جاءت أمام الوفد السعودي لتؤكد أن النصر لا يُقاس بعدد الجيوش، وآيات الثبات خوطب بها الوفدان العراقي واللبناني، وآية ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ استقبلت الوفد التركي، فيما خُصّ وفد حزب الله بآيات الولاية، وحركة حماس بآية الوفاء بالعهد، والوفد اليمني بآيات الصبر والثبات، بينما حملت سورة الفتح إشارات قرأها البعض في سياق الوساطة القطرية، وجاء استقبال الوفد المصري بآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ في رسالة تقدير وانفتاح.

 

قد لا تصدر طهران يومًا بيانًا يقول إن تلك الآيات كانت رسائل سياسية؛ لكن التاريخ يعلّمنا أن بعض الرسائل لا تُكتب بالحبر، بل تُتلى.

 

وحين انتهى خطاب القرآن.. بدأ خطاب الجماهير.. خرجت طهران كلّها.

 

لم تعُد الرسالة موجهة إلى وفد بعينه، بل إلى العالم بأسره، وإلى واشنطن وتل أبيب على وجه الخصوص.

 

لم يكن المشهد مجرد وداع لقائد، بل إعلانًا بأن اغتيال الرجل لا يعني اغتيال المشروع. ولهذا رأت شبكة CNN  أن التشييع تحوّل إلى رسالة صمود وتحدٍّ، وأن اختيار توقيته في شهر محرّم، وتزامنه مع الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة، وامتداد مراسمه من طهران إلى قم ثم النجف الأشرف وكربلاء المقدسة ومشهد المقدسة، لم يكن مجرد ترتيب بروتوكولي، بل بناءً متكاملًا لمشهد سياسي أرادت الجمهورية الإسلامية من خلاله أن تقول

إن الجسد قد يغيب، أمّا الفكرة فلا تزال حيّة.

 

أّما صحيفة «الغارديان»، فقد رأت في حجم الحشود، وفي الشعارات التي ارتفعت، وفي الاستعدادات اللوجستية غير المسبوقة، دليلًا على أن الرهان على انهيار إيران بعد اغتيال قائدها لم يتحقق، وأن الدولة ما زالت قادرة على إدارة واحد من أكبر التجمعات في تاريخها الحديث رغم الحرب والعقوبات.

 

وأنا أتابع المشهد، لم أكن أفكر في الأرقام. كنت أفكر في سؤال واحد:

 

هل تستطيع الطائرات أن تقصف فكرة؟

 

قد تهدم بيتًا.. وقد تغتال قائدًا.. وقد تشعل حربًا؛ لكنها تعجز عن اغتيال عقيدة حين تصبح جزءًا من وجدان شعب.

 

ولهذا لم تكن الحشود، في نظر مَن ساروا فيها، تودّع رجلًا فحسب، بل كانت تجدّد العهد مع مشروع يرون أنه لم يبدأ برجل ولن ينتهي برحيله.

 

تذكّرت يومها قول الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، ورأيت الآية تمشي مع الناس.

 

لم تكن تُتلى من فوق المنابر فقط، بل كانت حاضرة في خطوات الملايين، وفي الدموع التي انهمرت دون خجل، وفي الوجوه التي بدا عليها التعب؛ لكنها لم تعرف الانكسار.

 

وبين الآيات والنعوش، كان شعار التشييع يختصر المشهد كلّه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ﴾، تعلوها قبضة الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض).

 

لم يكن شعارًا للمناسبة، بل بيانًا للمرحلة؛ فالقيام لله هو النقيض للاستسلام، والقبضة المرفوعة ليست قبضة غضب، بل قبضة عهدٍ بأن رحيل القائد لا يعني سقوط الراية، وأن الشهادة ليست خاتمة الطريق، بل بداية مسؤولية جديدة يحملها الأحياء.

 

وفي الفكر الذي يحمله جموع المشيعين، لا تنتهي الشهادة عند لحظة الموت، بل تبدأ منها. ولذلك لم يكن الإمام الشهيد، بالنسبة إلى أنصاره، رجلًا انتهت حياته، بل مشروعًا دخل مرحلة جديدة، كما بقي الإمام الحسين(ع) حاضرًا في وجدان الأمّة بعد كربلاء أكثر مما كان قبلها.

 

عندما انتهى البث المباشر، أغلقت الشاشة؛ لكنني لم أشعر أنني غادرت طهران.

 

بقيت أسمع وقع خطوات الملايين، وأفكّر أن التاريخ لا يكتبه المنتصر بالسلاح وحده، بل تكتبه أيضًا الشعوب التي تعرف كيف تحول الفقد إلى عهد، والدمعة إلى موقف، والجنازة إلى رسالة.

 

نعم، لم أحضر جنازة. بل حضرت درسًا في معنى العلاقة بين الإنسان وعقيدته.

 

كانت لحظة تحدّثت فيها إيران بلغتين في آنٍ واحد:

 

بالقرآن للوفود.. وبالملايين لواشنطن والعالم.

 

أمّا الرسالة الأخيرة، فقد لم أقرأها في لافتة، ولا سمعتها في خطاب.

 

قرأتها في وجوه الأمّهات، وفي أعين الشيوخ، وفي خطوات الأطفال الذين ساروا تحت شمس تموز.

 

كانت تقول ببساطة: قد تستطيعون اغتيال القادة؛ لكن الأفكار التي تسكن الشعوب لا تُدفن مع أصحابها.

 

المصدر: الوفاق/ خاص