تُعد محافظة فارس، بما تختزنه من إرث حضاري عريق ومواقع تاريخية عالمية ومقومات سياحية متنوعة، إحدى أبرز الوجهات السياحية والثقافية في إيران، وقد حظيت بمكانة خاصة في رؤية الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، الذي أكد خلال زيارته التاريخية للمحافظة أن الاستثمار في الهوية الثقافية والتراث والسياحة يمثل طريقًا مهمًا لتعزيز التنمية الاقتصادية وبناء مستقبل أكثر ازدهارًا.
وخلال زيارة الإمام الشهيد إلى محافظة فارس عام 2008، والتي استمرت تسعة أيام وشملت أربع مدن، عقد سلسلة من اللقاءات مع المواطنين، والنخب الفكرية، ورجال الدين، والمسؤولين التنفيذيين في قطاع السياحة. وخلال تلك الزيارة، طرح رؤية شاملة لمستقبل المحافظة، ارتكزت على ثلاثة محاور رئيسية، تمثلت في صون الهوية الإيرانية والإسلامية، وتعزيز المكانة العلمية والثقافية والسياحية لمدينة شيراز، واستثمار المقومات السياحية الغنية التي تزخر بها المحافظة بوصفها ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة ودعم الاقتصاد المحلي.
وأكد الإمام الشهيد أن محافظة فارس تمتلك ثروة حضارية فريدة تجمع بين التراث الديني والتاريخي والسياحي، مشيرًا إلى المكانة الخاصة التي تتمتع بها مدينة شيراز بفضل احتضانها مرقد الإمام أحمد بن موسى(ع)، وعدد من المزارات الدينية المهمة، معتبرًا أن هذه الخصوصية تمنح المدينة قدرة كبيرة على تطوير السياحة الدينية والثقافية.
وشدد على أهمية تعزيز الخدمات المقدمة للزوار والتعريف بالمكانة الروحية والحضارية لهذه المعالم، معتبرًا أن شيراز، بعد مدينتي مشهد وقم المقدستان، تمثل ثالث مركز بارز لزيارة أهل البيت(ع) في إيران، وهو ما يجعلها وجهة ذات قيمة دينية وثقافية على المستوى الإقليمي والدولي.
ويرى خبراء أن هذه الرؤية تتجاوز البعد الديني لتشمل بناء هوية حضارية متكاملة للمدينة، تجمع بين السياحة الروحية والمعنوية، والتراث التاريخي، والموروث الأدبي والعلمي الذي عُرفت به شيراز عبر القرون.
فارس.. متحف مفتوح للتاريخ والحضارة
وتحتضن محافظة فارس 13 موقعًا مدرجًا على قائمة التراث العالمي لليونسكو، إضافة إلى نسبة كبيرة من التراث الوطني، ما يمنحها مكانة استثنائية على خريطة السياحة الثقافية العالمية.
وخلال زيارته، أكد القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) أهمية تقديم هذا الإرث الحضاري للعالم، مشيرًا إلى أن المعالم التاريخية، ومن بينها تخت جمشيد (برسبوليس)، ليست مجرد آثار مرتبطة بالماضي، بل هي شواهد على إبداع الإنسان الإيراني وقدرته الفنية والفكرية عبر التاريخ.
ودعا إلى استثمار هذه المواقع ضمن برامج التعريف السياحي، مؤكدًا أن الدول التي تمتلك تراثًا محدودًا تعمل على تقديمه للعالم، بينما تمتلك إيران رصيدًا حضاريًا واسعًا يستحق التعريف به وإبرازه.
كما أشار الإمام الشهيد إلى أهمية التعريف بالمواقع التاريخية الأقل شهرة، باعتبارها عناصر قادرة على تعزيز الثقة بالهوية الوطنية وتقديم صورة أكثر ثراءً عن الحضارة الإيرانية، لافتًا إلى أن التنمية الحقيقية تقوم على جناحين متكاملين: التطور العلمي من جهة، والاستثمار في الطاقات الثقافية والتاريخية من جهة أخرى.
السياحة.. محرك اقتصادي جديد للمحافظة
وأكد الإمام الشهيد خلال زيارته أن السياحة تمثل أحد أهم الفرص الاقتصادية لمحافظة فارس، مشيرًا إلى أن الإمكانات الدينية والتاريخية والطبيعية التي تتمتع بها المحافظة يمكن أن تجعل منها مركزًا سياحيًا بارزًا إذا ما جرى استثمارها بالتخطيط والترويج المناسبين.
وقال خبراء قطاع السياحة إن هذه الرؤية تعكس إدراكًا مبكرًا لدور السياحة كأحد محركات الاقتصاد المستدام، خاصة في ظل تنوع المنتجات السياحية التي توفرها محافظة فارس، من السياحة الدينية والتاريخية والثقافية، إلى السياحة الطبيعية والصحية وسياحة الطعام.
وأوضح معاون شؤون السياحة في محافظة فارس، أن حجم تدفق الزوار إلى شيراز وفارس يعكس حجم الإمكانات السياحية الكبيرة التي تمتلكها المحافظة، مشيرًا إلى أن المدينة أصبحت محطة أساسية في برامج السياح الأجانب الراغبين في اكتشاف الحضارة الإيرانية.
وأضاف حيدر علي زاهديان، أن شيراز تتمتع أيضًا بقدرات واعدة في مجال السياحة الصحية، ولا سيما بالنسبة لزوار دول الخليج الفارسي، مع تواصل تطوير البنية التحتية السياحية وزيادة الاستثمارات الخاصة في هذا القطاع.
وأكد أن إعداد الوثيقة الاستراتيجية للسياحة في محافظة فارس يعكس توجهًا واضحًا نحو جعل السياحة أحد المسارات الرئيسية للتنمية الاقتصادية، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه بعض القطاعات التقليدية مثل الزراعة.
وتؤكد التجربة أن رؤية الإمام الشهيد لمحافظة فارس لم تقتصر على الحفاظ على التراث، بل ركزت على تحويل هذا الإرث الحضاري إلى عنصر فاعل في التنمية، عبر تعزيز السياحة الدينية والثقافية، والتعريف العالمي بالمواقع التاريخية، ودعم مكانة شيراز وفارس كإحدى الوجهات الحضارية والسياحية المهمة في إيران والمنطقة.