حجةالإسلام والمسلمين الدكتور علي رضا أعرافي
مدير الحوزات العلمية في إيران
—-
1- مع التحفظ على مقام العصمة الذي يختص بأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع)، فإن أول ما تبادر إلى ذهني عند تلقي نبأ استشهاد سماحته كان النداء السماوي: «تَهَدَّمَتْ وَاللهِ أَرْکَانُ الْهُدَى وَانْفَصَمَتْ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى».
لقد كان ذلك الشهيد العزيز سروًا شامخًا، ورايةً خفّاقة، وعلمًا للهداية، وقمةً سامقة، وسحابةً ربيعية، وجبلًا من المعرفة، وأسطورةً للمقاومة، ومهندسًا للعزّة والاقتدار، ومفكرًا مبدعًا، وحكيمًا متبصرًا، وفقيهًا مجاهدًا، وركنًا للسعادة، وسندًا للأمّة، وأبًا حنونًا للشعب، وخطيبًا متفردًا، وقائدًا طليعيًا، ومجتهدًا مضحيًا، وجامعًا لفضائل لا تحصى. وقد تجلت كل هذه الصفات في شخص الإمام والقائد الشهيد والشاهد؛ تلك الشهادة التي أغرقت إيران والعالم والأمّة الإسلامية في حزن عميق؛ لكنها كانت في الوقت نفسه بداية نهضة شعبية وبعث جديد، غيّرت كثيرًا من المعادلات وفتحت أبواب النصر.
2- كان الإمام الشهيد أشبه بمجرة متألقة من الخصال الحميدة والمكارم السامية، ومنظومةً مضيئة من دلائل النبوغ والتفوق، ومن أبرز تلك الصفات:
– الإبداع والابتكار وصياغة النظريات الاستراتيجية على مستوى الحضارة والعالم.
– رسم الآفاق الكبرى، وهندسة التحولات العظيمة، وإنتاج الأفكار الأصيلة والمفاهيم الجديدة.
– بلورة النظرية الكلية لخطاب الثورة الإسلامية استنادًا إلى فكر الإمام الخميني(رض) والإسلام المحمدي الأصيل.
– قيادة المنظومة السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والدفاعية الحديثة لإيران المقتدرة، وقيادة محور المقاومة، على أساس عزّة وكرامة الأمّة الإسلامية وإيران الشامخة.
– امتلاك فهم عميق وأصيل ونقدي لتحولات العالم المعاصر والغرب، والسعي إلى تقديم نظرية بديلة ومنهج جديد.
– تقديم نموذج للحكم الإسلامي والديمقراطية الدينية والقيادة الدينية المنبثقة من الإسلام المحمدي الأصيل، بما ينسجم مع احتياجات العالم المعاصر.
– ثورة متقدة من الغضب الثوري في مواجهة المستكبرين وأعداء إيران والإسلام.
– المدافع الحقيقي عن عزّة وكرامة إيران، وعن الأمّة الإسلامية والمستضعفين في العالم.
– شجاعة نادرة في مواجهة أمواج العداء والمؤامرات والفتن، إلى جانب صبر وثبات كبيرين أمام المصاعب والتحديات.
– التحلي بالحكمة والعقلانية والاتزان والسكينة في خضم الأحداث الوطنية والعالمية.
3- أحتفظ بذكريات كثيرة معه في مجالات متعددة، ولا سيما في القضايا الدولية، وهي ذكريات تحتاج إلى مساحة واسعة للحديث عنها؛ لكن أكثر ما كان يأسر الإنسان فيه هو معرفته الدقيقة بالأوضاع الدولية، وإحاطته الواسعة بمختلف البلدان وتطوراتها. وكم من مرة، أثناء تقديم تقرير أو مشروع ذي طابع دولي، كانت سعة اطلاعه وإحاطته الكاملة بالموضوع تتجلى بوضوح، وكانت ملاحظاته وتوجيهاته تمثل مفتاحًا لحل كثير من القضايا.
ومن أهم إنجازات مرحلة قيادته، توسيع نطاق خطاب الإمام والثورة الإسلامية على المستوى العالمي؛ سواء في ميدان المقاومة، أو في تطوير البنى العلمية والثقافية، أو في تأسيس وتوسيع المؤسسات والأقسام الدولية، وعلى رأسها المؤسسة الحوزوية العالمية الواسعة جامعة المصطفى(ص)، فضلًا عن دعمه الثقافي للمؤسسات المحلية في مختلف أنحاء العالم، بما يخدم خطاب الثورة الإسلامية، ووحدة الأمّة الإسلامية، ونشر معارف وسنّن الرسول الأعظم(ص) وأهل بيته الأطهار(ع).
4- فيما يتعلق بشؤون الحوزات العلمية، كان سماحته صاحب رؤية شاملة، يمتلك أفكارًا ونظريات نافذة ومهمة واستراتيجية. فقد كانت له آراء وخطط في مختلف أنظمة الحوزة وأبعادها، وكان قائدًا ومرشدًا في جميع مسارات تطويرها، وقد انعكست الخطوط العريضة لهذه الرؤية في رسالته المهمة والاستراتيجية «الحوزة الرائدة والمتقدمة».
5- طوال سنوات قيادته، كلما تشرفنا بلقائه حول القضايا الحوزوية أو الجامعية أو العلمية أو الدولية، كنّا نخرج بزوادات معرفية جديدة، وتنفتح أمامنا آفاق أوسع. وكان يتعامل مع المشاريع المتنوعة التي كنّا نرفعها إليه بعناية خاصة، فيرشد ويوجه ويدعم. وفي هذا المجال قصص كثيرة، ومواقف جديرة بالرواية، وآمل أن يتسنى عرضها في فرص أخرى، إن شاء الله.
نسأل الله أن يستمر هذا النهج المشرق والمحمود، في ظل قيادة خلفه الصالح، سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي(دام ظلّه)، وأن يزداد رسوخًا وارتقاءً بجهود السائرين على درب الولاية والقيادة.