في لحظة تتزايد فيها التوترات العسكرية والأمنية في أوروبا، تعود الأسلحة النووية إلى صدارة المشهد بوصفها عنواناً جديداً لصراع يتجاوز حدود القارة، ويهدد بإعادة تشكيل النظام الأمني العالمي على أسس أكثر خطورة. ومع اتجاه عدد من الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والنووية، ترفع موسكو صوت التحذير من أنّ السياسات التي تُقدَّم تحت عنوان «الردع» قد تقود عملياً إلى سباق تسلح جديد، يضع العالم أمام احتمالات مواجهة مباشرة بين قوى تمتلك أسلحة نووية.
وفي هذا السياق، حذر المندوب الروسي الدائم لدى منظمات الأمم المتحدة في جنيف، غينادي غاتيلوف، من أنّ التحركات الأوروبية الرامية إلى تعزيز القدرات النووية والتعاون العسكري لا تحقق الأمن الذي تتحدث عنه عواصم غربية، بل تزيد من مستوى المخاطر الاستراتيجية وتدفع القارة نحو بيئة أمنية أكثر توتراً.
وتنظر موسكو إلى التحولات الجارية باعتبارها جزءاً من مسار غربي متصاعد يهدف إلى إعادة بناء التوازن العسكري في أوروبا على حساب الأمن الروسي، عبر توسيع القدرات الدفاعية وتعزيز التعاون العسكري ونشر المزيد من الإمكانات الاستراتيجية. ومن وجهة نظرها، فإنّ هذه السياسة لا يمكن فصلها عن التصعيد المستمر ضدها، ولا عن محاولات تطويقها عسكرياً وسياسياً، وهو ما يجعل الأمن الأوروبي برمته أمام معادلة شديدة الخطورة.
أوروبا تدخل مرحلة جديدة من سباق التسلح
تعتبر موسكو أنّ أوروبا تشهد تحولاً عميقاً في مفهومها للأمن. فبعد عقود من الاعتماد الواسع على المظلة الأميركية، بدأت دول أوروبية تتجه نحو تعزيز قدراتها العسكرية بصورةٍ متسارعة، فيما عاد النقاش حول الردع النووي إلى الواجهة، سواء عبر تطوير القدرات القائمة أو توسيع أوجه التعاون الدفاعي بين الدول الأوروبية.
وتنظر روسيا بقلق إلى هذه التطورات، ليس لأنها ترفض حق الدول في حماية أمنها، بل لأنّ توسيع القدرات العسكرية في محيطها الاستراتيجي يأتي في ظل خطاب سياسي يتعامل مع موسكو باعتبارها الخصم الرئيسي. وفي مثل هذه البيئة، يصبح من الصعب الفصل بين «الردع» و«الاستعداد للمواجهة».
فالسياسات التي تتخذها بعض الدول الأوروبية تحت عنوان تعزيز الأمن قد تُقرأ في موسكو باعتبارها خطوات هجومية أو تمهيدية لتغيير ميزان القوى. وفي المقابل، فإنّ روسيا، بوصفها قوة نووية كبرى، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تحولات ترى أنها تهدد أمنها القومي أو تقلص قدرتها على الردع.
وهكذا، فإنّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك الأسلحة، وإنما في سلسلة ردود الفعل التي يمكن أن تنتج عنها. كلما عزز طرف قدراته العسكرية، شعر الطرف الآخر بالحاجة إلى اتخاذ إجراءات مضادة، فتدخل الأطراف في حلقة تصعيد متواصلة قد يصعب كسرها.
الردع الروسي في مواجهة التصعيد الغربي.. أمن أوروبا لا يُبنى على حساب موسكو
لطالما أكدت موسكو أنّ الردع النووي يشكل أحد أهم ركائز التوازن الاستراتيجي ومنع اندلاع حرب شاملة بين القوى الكبرى، إذ إنّ امتلاك قدرات ردع متقاربة يفرض على الأطراف حسابات دقيقة، ويجعل تكلفة المواجهة المباشرة باهظة إلى حد يمنع الانزلاق نحو صراع مفتوح. غير أنّ روسيا تحذر من أنّ هذا التوازن يصبح أكثر هشاشة عندما تتجه دول غربية إلى إعادة النظر في عقائدها العسكرية وتوسيع قدراتها الاستراتيجية في ظل تصاعد التوترات السياسية والأمنية. وترى موسكو أنّ المشكلة لا تكمن في الردع ذاته، بل في تحويله إلى ذريعة لتوسيع الانتشار العسكري وتعزيز القواعد والتعاون الدفاعي بالقرب من حدودها. فبالنسبة إلى روسيا، هناك فرق بين امتلاك قدرات تمنع الحرب وبين تحويل أوروبا إلى ساحة مفتوحة للتنافس العسكري، لأنّ زيادة الأسلحة والتحركات الاستراتيجية ترفع احتمالات سوء التقدير، خصوصاً في لحظات الأزمات.
وتحذر موسكو من أنّ محاولة إضعاف قوة نووية كبرى أو محاصرتها عسكرياً لن تقود إلى الأمن، بل ستدفعها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية واتخاذ إجراءات مضادة، ما قد يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد في القارة. ومن هذا المنطلق، تتمسك روسيا برسالة استراتيجية مفادها أنّ أمن أوروبا لا يمكن أن يُبنى ضدها أو على حساب أمنها القومي. وترى موسكو أنّ تجاهل مخاوفها الأمنية لم يؤد إلى استقرار القارة، بل عمّق الانقسامات وأعاد منطق الاصطفاف والمواجهة إلى قلب أوروبا. ولذلك تدفع روسيا باتجاه مفهوم للأمن يقوم على التوازن والاعتراف المتبادل بالمصالح، مؤكدةً أنّ أمن دولة لا ينبغي أن يتحول إلى تهديد لدولةٍ أخرى. ووفق هذا الطرح، فإنّ أي منظومة أمنية أوروبية تستبعد روسيا أو تتعامل معها باعتبارها خصماً دائماً ستظل عاجزة عن تحقيق استقرار مستدام، بينما يبقى الحوار والتوازن الاستراتيجي الطريق الأقل خطراً لمنع القارة من الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
أوروبا بين سباق الردع النووي واستقلال القرار.. موسكو تحذر من ثمن التصعيد
تخشى موسكو أن تتحول أوروبا تدريجياً إلى ساحة رئيسية للتنافس النووي بين روسيا والغرب، بدلاً من أن تكون فضاءً للاستقرار والتعاون. وترى أنّ توسع القدرات العسكرية الأوروبية وتعاظم الدور الأميركي في ترتيبات الردع داخل القارة يزيدان من تداخل الأمن الأوروبي مع الاستراتيجية الأميركية، بما قد يدفع العواصم الأوروبية إلى قرارات عسكرية تتجاوز مصالحها المباشرة وتضعها في قلب مواجهة استراتيجية واسعة. وتحذّر روسيا من أنّ أي تصعيد كبير لن يبقى بعيداً عن الأراضي الأوروبية، بل ستدفع القارة نفسها أثمانه الأمنية والاقتصادية والسياسية.
وتربط موسكو هذه المخاوف أيضاً بمستقبل نظام عدم الانتشار النووي، محذرةً من أنّ توسيع التعاون النووي والعسكري قد يشجع دولاً أخرى على تبني النهج نفسه، بما يفتح الباب أمام سباق نووي عالمي. وفي هذا السياق، توجه روسيا رسالة واضحة إلى أوروبا وواشنطن بأنّ أمنها القومي غير قابل للمساومة، وأنّ أي تغيير في التوازن الاستراتيجي سيقابله ردع مضاد. كما تدفع باتجاه أمن أوروبي أكثر استقلالاً عن واشنطن، معتبرةً أنّ الحوار والتوازن، لا التصعيد، هما الطريق الأكثر أماناً للقارة.
روسيا تحذر من طريق قد يقود أوروبا إلى الهاوية
ختاماً، تعكس التحذيرات الروسية من سباق التسلح النووي الأوروبي عمق الأزمة الأمنية التي تعيشها القارة، إذ ترى موسكو أنّ تعزيز القدرات النووية والعسكرية لن يجعل أوروبا أكثر أمناً، بل قد يدفعها إلى دائرة جديدة من التصعيد والمواجهة بين القوى الكبرى. وتحذر روسيا من أن ّكل خطوة عسكرية غربية ستقابلها إجراءات مضادة، بما يهدد التوازن الاستراتيجي ويرفع مخاطر سوء التقدير.
وتؤكد موسكو أنّ أمن أوروبا لا يمكن أن يتحقق عبر تجاهل المخاوف الأمنية الروسية أو محاولة تطويقها عسكرياً، بل عبر الحوار والتوازن والاتفاقات الدولية. وفي المقابل، تعتبر أنّ استمرار التصعيد قد يحول القارة إلى ساحة رئيسية لصراع نووي محتمل.
وبذلك، تبعث روسيا برسالة واضحة إلى أوروبا والولايات المتحدة مفادها أنّ أمنها القومي غير قابل للتفاوض، وأنّ الطريق إلى الاستقرار يمر عبر الحوار والاعتراف المتبادل بالمصالح، لا عبر سباق تسلح قد يجعل أوروبا أكثر خطراً وأقل أمناً.