تتحول كربلاء المقدسة في أيام الأربعين إلى ملتقى عالمي يجمع ملايين الزائرين من عشرات الدول، في مشهد يتجاوز حدود الشعائر الدينية ليغدو حدثاً حضارياً وثقافياً وإنسانياً فريداً.
وعلى امتداد الطريق بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، لا تقتصر المواكب على تقديم الخدمات للزائرين، بل تؤدي دوراً ثقافياً وإعلامياً وفنياً بارزاً في نشر قيم النهضة الحسينية، وتجسيد مبادئ العدالة والكرامة والإيثار والمقاومة التي أرساها الإمام الحسين(ع).
استذكار قائد الأمّة الشهيد وتجديد العهد
وفي سياق الفعاليات المصاحبة للأربعين، برزت، برامج وفعاليات استذكرت قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) ودوره في مسيرة المقاومة، حيث جرى تجديد العهد لنهج سماحته واستحضار سيرته بوصفه قائداً حمل راية الدفاع عن المظلومين والثبات في مواجهة الاستكبار.
كما أن أنصاره شاركوا في زيارة الأربعين هذا العام نيابة عن سماحته، معبرين عن وفائهم لذكراه وتمسكهم بمواصلة الطريق الذي مثّله، واستحضار تضحياته ضمن الخطاب الثقافي والإعلامي الذي رافق الزيارة.
العمود 168.. منصة ثقافية لعرض رواية الشهداء
برز العمود 168 هذا العام بوصفه إحدى أهم المحطات الثقافية في مسيرة الأربعين، بعدما تم تخصيصه لإحياء ذكرى شهداء ميناب وتقديم رواية متكاملة عن ثقافة المقاومة عبر وسائل إعلامية وفنية متعددة. وقد استوقفت صور الشهداء واللوحات التوثيقية آلاف الزائرين الذين توقفوا لقراءة سيرهم، وقراءة الفاتحة على أرواحهم، والتعرف إلى تضحياتهم.
وضم الموكب شاشة عرض إلكترونية عملاقة بثت بصورة متواصلة أفلاماً وثائقية تناولت شهداء ميناب، وشهداء الحرب المفروضة التي استمرت اثني عشر يوماً، وشهداء حرب رمضان، إلى جانب برامج توثق مسيرة المقاومة.
وقد شهدت هذه العروض إقبالاً واسعاً، ولا سيما من الزائرين غير الإيرانيين، الذين تابعوا الأفلام باهتمام، وأجروا حوارات مع خَدَمة الموكب للتعرف إلى مضمونها، فيما أسهمت الترجمة العربية في إيصال الرسالة إلى مختلف الجنسيات المشاركة.
البرامج الثقافية
إلى جانب العروض الوثائقية، احتضن العمود 168 منصة ثقافية متكاملة أقيمت عليها بصورة متواصلة مجالس الإنشاد والرثاء الحسيني، والمحاضرات الفكرية، والعروض المسرحية، والبرامج الفنية التي تناولت مفاهيم الإيثار والشهادة والثبات في مواجهة الظلم.
وأسهمت هذه الفعاليات في استقطاب زائرين من العراق وإيران ولبنان وباكستان وأفغانستان ودول أخرى، لتتحول المنصة إلى فضاء للحوار الثقافي والتواصل بين الشعوب.
كما أثبتت العروض المسرحية، التي اعتمدت لغة الفن والرمزية البصرية، قدرتها على إيصال رسالتها إلى الجمهور بمختلف لغاته، لتؤكد أن الثقافة العاشورائية تمتلك خطاباً إنسانياً عالمياً يتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية.
حراك ثقافي يواكب المسيرة المليونية
وشهدت أيام الأربعين هذا العام عدداً من المبادرات الثقافية الموازية، من أبرزها رفع أكبر راية حمراء حسينية على طريق النجف الأشرف–كربلاء المقدسة، والكشف عن الطابع البريدي الخاص بمسيرة أربعينية الإمام الحسين(ع) في كربلاء المقدسة، بحضور وزير الاتصالات وتقنية المعلومات الإيراني، سيد ستار هاشمي، وعدد من مسؤولي قطاع البريد في إيران والعراق، إلى جانب مسؤولي القنصلية الإيرانية في كربلاء المقدسة.
كما أُزيح الستار عن كتاب «في رحاب الحسين(ع) سبط النبي(ص)»، الذي يضم روايات نبوية في فضل الإمام الحسين(ع) كما نقلها علماء أهل السنة، ويتناول الأحاديث النبوية المتعلقة بسيرته المباركة منذ ولادته حتى استشهاده.
وفي الإطار الأكاديمي، أعلن رئيس اللجنة الثقافية والتعليمية في اللجنة المركزية للأربعين، حجة الإسلام حميد أحمدي، عن إقامة مؤتمر بعنوان «سيد الشهداء(ع).. مُحيي الرسالة النبوية» في الجامعة المستنصرية ببغداد، بما يعكس تنامي البعد الأكاديمي والثقافي لهذه المناسبة العالمية. وأوضح حجة الإسلام أحمدي أن المؤتمر سيسبقه عدد من الندوات التحضيرية، تُعقد أولها في كربلاء المقدسة بمشاركة مسؤولي الجامعة المستنصرية، حيث يقدم أساتذة وباحثون من العراق وإيران دراسات وأبحاثاً حول النهضة الحسينية والرسالة النبوية.
مشروع حضاري متجدد
وهكذا، تؤكد أيام الأربعين، عاماً بعد عام، أنها ليست مجرد مسيرة مليونية نحو كربلاء المقدسة، بل مشروع حضاري متجدد تتلاقى فيه الذاكرة بالتاريخ، والثقافة بالإيمان، والإنسان بالإنسان. وعلى هذا الطريق، تظل المواكب منصاتٍ للوعي، وتبقى صور الشهداء والبرامج الثقافية ورسائل المقاومة شاهدةً على أن نهضة الإمام الحسين(ع) لم تعد حدثاً تاريخياً فحسب، بل غدت رسالةً إنسانيةً عالميةً يستلهم منها الأحرار قيم العدالة والكرامة والوفاء، لتبقى كربلاء المقدسة منارةً ثقافيةً وروحيةً تنبض بالحياة في وجدان الشعوب.


