مسيرة حياة العميد عزيز نصيرزاده؛ من مراحل التدريب وتولّي المسؤوليات إلى الشهادة

من قمرة «إف-14» إلى الحكومة الرابعة عشرة

مضى ستة أشهر على هجوم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران. الهجوم الذي شكّل واحداً من أكثر المقاطع مرارةً في التاريخ المعاصر للبلاد، وأدى إلى استشهاد عدد من كبار قادة ومسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ومن بين الشخصيات التي استشهدت في 28 شباط/ فبراير 2026، كان اسم العميد الطيار الشهيد عزيز نصيرزاده، وزير الدفاع وإسناد القوات المسلحة في الحكومة الرابعة عشرة، يحتل مكانة خاصة.

 

كان قد تولى، قبل ذلك بأشهر قليلة فقط، منصب وزير الدفاع بعد حصوله على تصويت غير مسبوق تقريباً من مجلس الشورى الإسلامي.

 

وفي 28 شباط/ فبراير 2026، وأثناء انعقاد اجتماع مجلس الدفاع، استشهد إلى جانب علي شمخاني أمين مجلس الدفاع، ومحمد باكبور القائد العام للحرس الثوري، والفريق عبدالرحيم موسوي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

وقد أدت شهادته إلى مواجهة الحكومة الرابعة عشرة، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في نشاطها، فقدان أحد أهم أعضاء مجلس الوزراء؛ وزيراً أمضى أربعة عقود من عمره في مسار تعزيز القدرات الدفاعية للبلاد.

 

كان عزيز نصيرزاده، المولود في 25 أيار/ مايو 1964 في محافظة آذربايجان الشرقية، من القادة الذين بدأوا مسيرتهم المهنية من أدنى المستويات العسكرية، وتقدموا خطوةً خطوة حتى تولي أعلى المسؤوليات الدفاعية في البلاد. أمضى مرحلة تعليمه الثانوي في طهران.

 

وفي عام 1982، وبالتزامن مع استمرار الحرب المفروضة، التحق بالقوة الجوية التابعة لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكان اختياره للقوة الجوية بداية طريق قاده بعد سنوات إلى قيادة هذه القوة ثم إلى وزارة الدفاع.

 

أكمل نصيرزاده تدريبات الطيران التخصصية في كلية الطيران التابعة للقوة الجوية، كما اجتاز دورات تكميلية في إيران وباكستان.

 

وعلى الرغم من أن دخوله المجال العسكري تزامن مع السنوات الأخيرة من الدفاع المقدس، ولم تتوافر له فرصة المشاركة الواسعة في العمليات القتالية، فإن التحليق بالمقاتلة «إف-14 تومكات» والعمل إلى جانب قادة بارزين، من أمثال الفريق الشهيد علي صياد شيرازي والشهيد منصور ستاري، منح نصيرزاده خبرة قيّمة.

 

بعد انتهاء الحرب المفروضة التي استمرت ثمانية أعوام، دخل مسار خدمة نصيرزاده مرحلة جديدة.

 

فإلى جانب نشاطه في المجال العملياتي، تولى مسؤوليات متعددة في القطاعات الإدارية والتخصصية للقوة الجوية.

 

وكان توليه منصب الملحق العسكري للجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيطاليا أحد أهم المراحل في مسيرته المهنية؛ وهي مسؤولية أتاحت له التعرف عن قرب على الهياكل الدفاعية والعسكرية في الدول الأخرى، واكتساب خبرة تتجاوز أجواء القوات المسلحة الداخلية.

 

بعد عودته إلى البلاد، أُسندت إليه مسؤوليات من قبيل إدارة الحرب الإلكترونية في معاونية عمليات القوة الجوية، ومعاونية الاستخبارات، وكذلك معاونية التخطيط والبرامج في القوة الجوية.

 

وأظهرت أنشطته في هذه المجالات أن نظرة نصيرزاده لم تكن تقتصر على العمليات الجوية، بل كان يتمتع أيضاً بقدرات ملحوظة في مجالات التخطيط وتحليل المعلومات وتطوير البنى التحتية والإدارة العليا.

 

في عام 2009، وبموجب أمر قيادة الجيش، عُيّن معاوناً منسقاً ورئيساً لأركان القوة الجوية، وبقي في هذا المنصب حتى عام 2017.

 

وخلال هذه السنوات، كان التنسيق بين مختلف أقسام القوة الجوية، وتطوير البنى التحتية العملياتية، ورفع مستوى جاهزية هذه القوة، من أبرز محاور نشاطه.

 

وفي هذه الفترة أيضاً، وتحديداً عام 2012، نال رتبة العميد.

 

تواصل مسار تقدم نصيرزاده في هيكل قيادة الجيش. ففي عام 2017 عُيّن نائباً لقائد القوة الجوية للجيش.

 

وبعد عام واحد فقط، وفي 19 آب/ أغسطس 2018، وبأمر من قائد الثورة الشهيد(رض)، تولى قيادة القوة الجوية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

وقد اقترنت قيادته لهذه القوة بالتركيز على تحديث الأسطول الجوي، وزيادة القدرات العملياتية، والارتقاء بتدريب الطيارين، وتطوير قدرات الدفاع الجوي.

 

واستند العديد من برامج هذه المرحلة إلى تعزيز القدرة الردعية ورفع الجاهزية القتالية للقوة الجوية.

 

بعد ثلاث سنوات، وفي عام 2021، أُسندت إليه مسؤولية أكثر أهمية. فقد عُيّن نصيرزاده نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة.

 

وهو منصب وضعه في صميم عملية اتخاذ القرارات الدفاعية والاستراتيجية الكبرى في البلاد.

 

وقد أسهم وجوده في هذه المسؤولية في استكمال خبرته الإدارية ومهّد الطريق أمام دخوله إلى الحكومة الرابعة عشرة.

 

ومع بدء عمل الحكومة الرابعة عشرة، قدّم مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية، اسم العميد عزيز نصيرزاده إلى مجلس الشورى الإسلامي وزيراً مقترحاً للدفاع وإسناد القوات المسلحة.

 

وكانت نتيجة دراسة أهليته في المجلس واحدة من أكثر أصوات الثقة تاريخية. فقد حصل نصيرزاده على 281 صوتاً مؤيداً من أصل 288 صوتاً مدلى بها.

 

وهو رقم قياسي جعله واحداً من الوزراء الذين حصلوا على أكبر عدد من الأصوات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

وكان سادس وزير دفاع يصل إلى هذا المنصب من صفوف جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهو أمر أدخل، بالنظر إلى خبرته الطويلة في القوة الجوية، رؤية مختلفة إلى إدارة وزارة الدفاع.

 

فقد جعلته خبرة أربعة عقود من النشاط في المجالات العملياتية والاستخباراتية والتخطيطية والاستراتيجية، يمتلك معرفة دقيقة باحتياجات القوات المسلحة.

 

ووصف مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي البرنامج الذي قدّمه نصيرزاده عند ترشيحه إلى المجلس بأنه البرنامج الأكثر اكتمالاً وشمولاً بين البرامج المقدمة استناداً إلى الوثائق والمرجعيات العليا.

 

وكان تطوير القدرات القتالية بصورة شاملة، والارتقاء بقدرات إسناد القوات المسلحة، وتعزيز البنى التحتية الدفاعية، واستمرار دعم جبهة المقاومة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية المختلفة، من أبرز المحاور التي حظيت باهتمام في برنامجه.

 

كما أكد على استخدام قدرات الدبلوماسية الدفاعية لتطوير التعاون الدولي. وكان تعزيز التفاعل مع الدول المجاورة والمتوافقة، لاسيّما دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، وتهيئة الظروف لمضاعفة صادرات المنتجات الدفاعية الإيرانية، من بين الأهداف التي طرحها في برامجه.

 

كان نصيرزاده خلال فترة توليه الوزارة يسعى أيضاً، بالاعتماد على هذه القدرات، إلى مواصلة مسار الارتقاء بالقدرة الدفاعية للبلاد.

 

ومن أبرز سمات الرؤية الدفاعية لنصيرزاده، التأكيد المتزامن على القدرات الهجومية والدفاعية.

 

فقد كان يرى أن تطوير القوة الصاروخية، على الرغم من أهميته الكبيرة، لا يمكنه تلبية احتياجات المستقبل من دون تعزيز الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والتقنيات السيبرانية.

 

وقد جعلته سنوات حضوره في القوة الجوية يدرك جيداً أهمية التنسيق بين العمليات الهجومية والدفاعية، ونقل هذه الرؤية نفسها إلى وزارة الدفاع.

 

كما أكد على ضرورة توثيق التعاون بين الجيش والحرس الثوري ووزارة الدفاع، وكان يرى أن التآزر بين هذه المجموعات يمكن أن يزيد القدرة الردعية للبلاد.

 

في 13 شباط/ فبراير 2026، أي قبل أيام قليلة فقط من استشهاده، أشار إلى التهديدات الخارجية، وأعلن أنه لا يمكن مخاطبة إيران بلغة التهديد.

 

وأكد أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تكون البادئة بأي حرب؛ لكنها إذا فُرضت عليها حرب، فإن ردّ إيران سيكون حازماً وقوياً.

 

في نهاية المطاف، وفي 28 شباط/ فبراير 2026، وبينما كان اجتماع مجلس الدفاع منعقداً، أدى هجوم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على مكان انعقاد الاجتماع إلى استشهاد العميد عزيز نصيرزاده وعدد من كبار القادة العسكريين في البلاد.

 

وباستشهاده، أُغلقت صفحة أكثر من أربعة عقود من الخدمة المتواصلة في المجال الدفاعي للبلاد؛ مسيرة بدأت من قمرة المقاتلة «إف-14»، ومرّت بقيادة القوة الجوية ومنصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وانتهت في نهاية المطاف بتولي مسؤولية وزارة الدفاع والاستشهاد في أعلى مستوى من مستويات صنع القرار الدفاعي في البلاد.

 

المصدر: الوفاق خاص