محمّدرضا عارف
النائب الأول لرئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الأركان الأربعة لصمود إيران
إن ما أبقى إيران صامدة وشامخة خلال هذين العامين، لاسيّما في أشهرهما الأكثر قساوة، قام على أربعة أركان أساسية. وإنني على يقين بأن المعرفة الصادقة بهذه الأركان الأربعة -بما رافقها من نواقص وجراح- هي حق للشعب ونبراس ينير طريقنا لما هو قادم.
- الركن الأوّل: الصمود الواعي للشعب. ظنّ أعداء هذه الأمّة أن الضغوط العسكرية والاقتصادية قادرة على إحداث شرخ بين الشعب والنظام وجرّ البلاد نحو الانهيار الداخلي. غير أن ما عاينوه جاء على النقيض من أوهامهم؛ إذ وجّه الحضور الرصين والذكي للشعب في الشوارع، وفي مدن العالم، وفي مراسم الوداع، وفي مشاهد التضامن الوطني، رسالة واضحة للداخل والخارج. وأعلم يقيناً أنه في مجتمع عظيم ومتعدد كإيران، لا ينظر الجميع للأحداث بذات المنظار، وهذا أمر طبيعي ومقبول؛ لكن الأهم هو أنه حين كانت الأرض والوطن على المحك، حسم هذا الشعب خياره.
- والنقطة التي أعدّها إنجازاً كبيراً لهذه المرحلة، هي: أن الإيرانيين بكافة اختلافاتهم الفكرية، وأنماط عيشهم، وتوجهاتهم السياسية -في الداخل وفي صفوف المغتربين في الخارج- وضعوا خلافاتهم جانباً ووقفوا صفاً واحداً متراصاً حين كان الوطن في خطر. لم تكن هذه الوحدة نتاجاً لأمر أو تعميم إداري، بل ثمرة لانتماء عميق يربط هذا الشعب بأرضه وهُويته المشتركة؛ لكنني أقولها بصدق: هذا الرأسمال الاجتماعي هش؛ وإن لم نحوّله إلى آليات مستدامة للمشاركة وبناء الثقة، فسيخبو بريقه تدريجياً. وهذا إنذار أطلقه بجدية تامة لنفسي وزملائي.
- وإلى جانب الشعب والمقاتلين في سبيل الوطن، لابدّ أن أستحضر بإجلال الحضور الباهر للعلماء والمتخصصين الشباب الإيرانيين؛ أولئك الذين كان بمقدورهم مواصلة العمل والعيش في رغد واستقرار داخل الدول الغربية أو الإقليمية؛ لكنهم آثروا تسخير علمهم وقدراتهم لخدمة الوطن، وأدّوا في الميادين العسكرية والاقتصادية والاجتماعية دوراً بارزاً في الدفاع عن هذه الأرض. هذا الخيار هو ذاته تجلي الانتماء الذي أشرت إليه سابقاً؛ ويجب علينا في السنوات المقبلة تقدير هذا الرأسمال البشري وبناء أرضية تُكرس تكرار هذا الخيار وتعميقه.
- كما يجب عليّ الحديث بمنتهى الصدق والشفافية عن التجربة المريرة لشهر يناير/ كانون الثاني الماضي؛ فما وقع في تلك الأيام كان جرحاً غائراً في جسد هذا الوطن، بفقدان أرواح مواطنينا من الشباب الذين ما كان ينبغي أن يكونوا ضحايا لأي أزمة. إن تلك المأساة التي انطلقت باحتجاج شعبي محق على الأوضاع الاقتصادية ثم جرت حياكتها واستغلالها من قبل الأعداء وعملائهم لحرفها نحو العنف والتخريب، لا يمكن ولا ينبغي التقليل من شأنها أو محوها ببساطة من ذاكرة ووجه هذا الوطن. لقد أخذنا مسؤولية جلاء الحقيقة الكاملة لهذه الأحداث ومحاسبة المسؤولين ومواساة الأسر الحزينة بمنتهى الجدية؛ وتؤمن الحكومة بأن الشفافية الحقيقية، والمسؤولية، والحوار الصادق مع الشعب حول جذور الاستياء -بعيداً عن الإنكار أو القمع- هي السبيل الوحيد لإعادة بناء الثقة المفقودة والحيلولة دون تكرار مثل تلك الأيام المريرة في مستقبل البلاد.
- الركن الثاني: يقظة وبسالة القوات المسلحة للبلاد. في مواجهة اعتداءات غادرة ولا مبرر لها بكافة المعايير الإنسانية والدولية، ذاد أبناء هذا الوطن بيقظة وجاهزية وتضحية عن حياضه. فكان هذا الصمود والمقاومة درعاً حصيناً صان الأمن اليومي لملايين الأسر الإيرانية، ورسّخ مجدداً استقلال وقدرة إيران الشامخة على الثبات. وإلى جانب هذا الفخر، أعترف بصدق أن وقوع تلك الهجمات خلّف خسائر وأضراراً لا تُعوّض؛ كفقدان القيادة وبعض كبار قادة البلاد، وكان درساً قاسياً ومكلفاً للمنظومة الأمنية والدفاعية؛ درساً يجب التعلم منه بجدية وتجرد تام لضمان عدم تكرار مثل هذه الثغرات. واليوم، أؤكد بثقة أنه بناءً على ما اكتسبناه من الحربين الماضيتين، فإن مستوى جاهزيتنا وتقنياتنا الدفاعية بات أعلى بكثير مما مضى، بل وأرفع مما كان عليه في أواخر أيام «حرب رمضان»، وقد تحقق ذلك بفضل المشاركة العلمية والجهادية للعلماء الشباب والقادة العسكريين.
- الركن الثالث: ميدان الدبلوماسية النشطة والعزيزة. خاض السلك الدبلوماسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في التاريخ المعاصر مفاوضات أفضت إلى تفاهم تاريخي فريد؛ تفاهم أُلزم فيه الطرف المقابل باحترام سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووحدة أراضيها والتعهد بالامتناع عن أي اعتداء أو تدخل مستقبلي. وأقولها بصراحة: لا يزال أمامنا مسار شاق ومعقد لإبعاد شبح الحرب والعدوان تماماً عن البلاد، وهناك قضايا مفصلية لا تزال قيد التفاوض، كما أن صدق الطرف المقابل والتزامه يظل بالنسبة لنا موضع شك وريبة جادة. ومع كل ذلك، فإن التوصل إلى مثل هذا الإطار من موقع الاقتدار لا الاستسلام، يُعدّ منجزاً نثمّنه؛ ونحن على أهبة الاستعداد بعيون يقظة لكافة المسارات والسيناريوهات المحتملة.
- الركن الرابع: ميدان الاقتصاد والإدارة الاقتصادية للبلاد. في خضمّ أشد حلقات الحظر والحصار الاقتصادي ضيقاً التي مرّت على هذا الشعب، لم تتوقف الحكومة عن إدارة الشؤون الاقتصادية اليومية، بل واصلت إصلاح الهياكل الاقتصادية المشوهة رغم أثمانها السياسية والاجتماعية الباهظة. لقد كان توحيد سعر الصرف وإلغاء الريع المرتبط بالعملة التفضيلية إصلاحاً تهرّبت منه الحكومات السابقة لسنوات طويلة؛ وقد أقدمنا عليه مع علمنا التام بتبعاته وتكاليفه قصيرة المدى، ونتحمل كامل المسؤولية عن ذلك؛ لكنني أصارحكم القول: إن تراجع وتيرة نمو التضخم لا يعني توقف ارتفاع الأسعار؛ فالأسعار لا تزال ترتفع -وإن كان بوتيرة أقل من السابق- والضغط الواقع على موائد الأسر حقيقي وملموس. كما أدرك أن كبح التضخم لا قيمة له إن كان ثمنه تعطيل المصانع والورش وخسارة وظائف الناس؛ فرعاية الإنتاج وازدهاره توازي في أهميتها لدينا كبح غلاء الأسعار.
وإلى جانب هذه الأركان الأربعة، هناك مسألة يجب أن أعلنها بكل جلاء: رغم كل التضييق والمقاومة والعراقيل التي اعترضت طريقنا، فقد وفينا بعهدنا للشعب في صون الفضاء الرقمي ورفع القيود عن شبكة الإنترنت. لقد تعاملنا مع هذا الوعد كحق أصيل لكل مواطن إيراني لا كمنحة وتفضل، وحققناه رغم كافة الضغوط والاعتراضات من داخل الحكومة وخارجها. وسيظل الوصول العادل والمستقر وغير التمييزي إلى الإنترنت، من الآن فصاعداً، خطاً أحمر في تعاملنا مع الشعب.
لماذا يحدونا الأمل بالغد؟
إن الدرس الأكبر الذي استخلصناه من هذين العامين هو أن إيران تمتلك طاقة صمود وقدرة على التحمل ربما كنّا نحن أنفسنا قد قللنا من شأنها. غير أن الصمود وحده لا يكفي؛ بل يجب تحويله إلى اقتدار هيكلي ومؤسسي. ولهذا، أعلن أولويات العامين القادمين لا كخطة إدارية، بل كعهد والتزام أمامكم أيها الشعب.
الأولويات الخمس للعامين المقبلين
1-المرونة الاجتماعية: دعوة لمشاركة النخب والمتخصصين. إن الدرس الأهم الذي تعلّمناه في العامين الماضيين هو أن الصمود الاجتماعي يمثل أعظم رصيد للأمّة في أوقات الشدة؛ وهو رصيد لا يُبنى بالقرارات الإدارية، بل بالثقة والمشاركة والعمل العلمي. ولهذا، أعلن هذا المحور كأحد أرفع أولويات البلاد في العامين المقبلين. إن نافذة الفرص التي انفتحت عقب هذه المرحلة العصيبة قد لا تدوم سوى بضعة أشهر، ومسؤوليتنا تكمن في تحويلها إلى آليات مستدامة عبر: الشفافية الحقيقية في اتخاذ القرار، وإفساح المجال أمام الطاقات الشعبية والمؤسسات المدنية، والمحاسبة المستمرة للحكومة. ومن هنا، أدعو بصدق كافة العلماء والباحثين والمتخصصين في مجالات التنمية والمرونة الاجتماعية وعلم النفس وجميع مفكري الوطن لمساندتنا بطروحاتهم ومبادراتهم لتعزيز هذا الرصيد الوطني. كما يشمل جزء مهم من هذه المسؤولية إيجاد مكانة حقيقية لصوت جيل الشباب والنخب التي راودتها فكرة الهجرة خلال هذه السنوات؛ لنصنع بيئة تجعل من البقاء والبناء خياراً أكثر قيمة وجدوى من الرحيل.
2-حماية موائد المواطنين وكبح التضخم: إن خفض وتيرة نمو التضخم ليس نهاية المطاف، بل بدايته. هدفنا خلال العامين المقبلين إيصال التضخم إلى مستوى تستطيع معه الأسر الإيرانية التخطيط للمستقبل، بدلاً من الاكتفاء بالصمود لتدبير اليوم الحاضر. وأشدد على أن أعباء هذه المرحلة لم تكن متساوية على كافة الأسر؛ لذا يظل الدعم الموجه للفئات محدودة الدخل والهشة، بالتوازي مع كبح جماح التضخم العام، أولوية قصوى لنا، فضلاً عن تعزيز قدرات واستقلالية المؤسسات النقدية والمالية للبلاد.
3-إعادة الإعمار بمشاركة الشعب، لا للشعب فقط: لا ينبغي تكرار التجربة المريرة لبطء إعادة الإعمار في حرب السنوات الثماني المفروضة. إن إعادة إعمار المناطق المتضررة وترميم منازل وممتلكات المواطنين الذين فقدوها يجب أن تكون تشاركية وسريعة ولامركزية، بحيث تُتخذ القرارات ميدانياً وبمشاركة أهالي تلك المناطق. كما سنغتنم هذه الفرصة للتصدي الجاد والمباشر للتحديات المزمنة والمؤجلة منذ سنوات، كأزمة المياه والبيئة.
4-تثبيت الانفتاح الرقمي والتوظيف الجادّ للذكاء الاصطناعي كمحرك للتشغيل وتطوير الخدمات: إن فتح شبكة الإنترنت كان الخطوة الأولى وليس نهاية التعهد. يتوجب على الحكومة ومؤسسات الحكم والشركات الاقتصادية وضع التقنيات والابتكارات القائمة على الذكاء الاصطناعي في صدارة الأولويات دون أدنى تأخير؛ سواء لتطوير ورقمنة العمليات والخدمات الحكومية، أو لخلق بيئة مستقرة وموثوقة لنمو رواد الأعمال والشركات الناشئة. وإلى جانب هذا التطوير، نلتزم بالصون الصارم لخصوصية المواطنين وحماية بياناتهم؛ فلا ينبغي أبداً أن يأتي الذكاء الاصطناعي على حساب المراقبة والتدخل غير المنضبط في حياة الناس. وسيكون مدى الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي ورفع الإنتاجية والشفافية معياراً أساسياً في اختيار وتقييم كبار مديري الحكومة والشركات التابعة لها.
5-الشفافية، والانضباط، ورقمنة مسار اتخاذ القرار في البلاد: في المراحل الانتقالية، لا شيء يعزز استقرار البلاد كوضوح مسارات صنع القرار. ونحن ملتزمون بأن تمر السياسات العامة عبر المؤسسات القانونية الخاضعة للمساءلة؛ كالحكومة ومجلس الشورى الإسلامي، وأن يمضي كل قرار عبر مسار واضح وقابل للمتابعة. وسنوظف في هذا السياق قدرات الذكاء الاصطناعي لإرساء الشفافية وتيسير الرقابة وتصميم هياكل حديثة لاتخاذ القرار؛ لا كأداة تقنية فحسب، بل كابتكار مؤسسي لحوكمة عصرية.
كلمة ختامية
لقد أظهر الشعب الإيراني، خلال هذين العامين، صموداً وصبراً يفوق ما يُتوقع من أي شعب في العالم. وهذا المقال ليس تقريراً عن النجاح، بل هو التزام أكتبه وأنا مستحضر لثقل المسؤولية وعِظمها. وأتعهد أمامكم بتقديم تقارير دورية وصادقة حول مدى التقدم المحرز في تحقيق هذه الأولويات؛ ذلك أن المحاسبة والمسؤولية ليستا مجاملة عابرة، بل هما الركن الركين للثقة.
إن ما ينتظرنا لن يكون سهلاً؛ لكن إن كان هذان العامان قد علّمانا درساً، فهو أن هذا الوطن -بالاستناد إلى جماهيره، وعلمائه ومتخصصيه الشباب، وقواته المسلحة، ودبلوماسيته النشطة، وإدارته الاقتصادية المسؤولة- لن ينكسر في أحلك الظروف، وواجبنا ومسؤوليتنا أن نكون على قدر هذا الصمود وجديرين به.