والتأمت هذه القمة، في ظل عودة العدوان الأمريكي – الصهيوني ضد إيران، لتتحول مجدداً إلى إحدى أهم القضايا الأمنية والاقتصادية في المنطقة. وألقت ملفات أمن الطاقة، وحرية الملاحة البحرية، وتطورات غرب آسيا، ودور القوى غير الغربية في النظام الدولي بظلالها على أجواء المؤتمر. كما قيّمت وسائل الإعلام الإقليمية حضور الرئيس بزشكيان إلى جانب قادة الصين وروسيا والهند كأحد أبرز الأبعاد الجيوسياسية لهذه القمة.
إيران تدعو إلى عالم متعدد الأقطاب قائم على التعددية
شدد رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في كلمته أمام قمة «شنغهاي بلس»، على ضرورة بلورة نظام متعدد الأقطاب يستند إلى التعددية، والمساواة في سيادة الدول، وسيادة القانون، محذراً من أن تغيير موازين القوى في العالم لا ينبغي أن يفضي إلى استبدال مركز هيمنة بمركز هيمنة آخر.
وأكد الرئيس بزشكيان على دور منظمة الأمم المتحدة في صون السلم والأمن الدوليين، مطالباً بإصلاح وتطوير أداء هذه المنظمة ومجلس الأمن، واصفاً أداء هذه المؤسسات إزاء تطورات غزة ولبنان والاعتداءات الأخيرة ضد إيران بأنه مخيب للآمال. كما شدد على أن الدبلوماسية والتفاوض يظلان المسار الأساسي لحل الخلافات، وأن التوصل إلى سلام مستدام يتطلب توفر حسن النية، واحترام الالتزامات، والامتناع عن اللجوء إلى القوة.
تشابهار في صلب التعاون بين طهران ونيودلهي
شكّل اللقاء بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أحد أهم اللقاءات الثنائية لرئيس الجمهورية على هامش القمة؛ حيث أكد الجانبان على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، وجرى بحث قضايا شملت التعاون في مجالات النقل، والأمن البحري، ومضيق هرمز، ومسار التعاون في ميناء تشابهار.
وعقب لقائه مع رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية على هامش قمة قادة منظمة شنغهاي للتعاون، أكد رئيس وزراء الهند على العلاقات التاريخية العريقة بين البلدين، معلناً رغبة نيودلهي في توسيع وتنويع العلاقات التجارية مع طهران. وأضاف: «خلال هذا اللقاء، جددت التأكيد على التزام الهند بتعزيز الصداقة التاريخية مع إيران، ونحن نتطلع إلى توسيع وتنويع سلة التبادل التجاري بين البلدين في المرحلة المقبلة».
تأكيد على تطوير التعاون بين طهران وموسكو
كما التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة بيشكيك؛ حيث جرى خلال اللقاء استعراض أحدث المستجدات في مسار العلاقات الثنائية، وبحث سبل تطوير وتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات.
وجاء هذا اللقاء في ظل ظروف شهدت فيها العلاقات بين طهران وموسكو توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة في القطاعات السياسية، والاقتصادية، والطاقة، والأمنية، في الوقت الذي يخضع فيه كلا البلدين لضغوط الحظر الغربي.
تأكيد باكستاني على مواصلة الوساطة بين طهران وواشنطن
أكد رئيس وزراء باكستان، خلال لقائه الرئيس الإيراني، على ضرورة ضبط النفس واستمرار المسار الدبلوماسي لتحقيق السلام والاستقرار المستدامين في المنطقة، واصفاً تفاهم إسلام آباد بين إيران وأمريكا بأنه مسار موثوق لمعالجة وتسوية الأزمة. كما شدد شهباز شريف على مواصلة المساعي الباكستانية للمساعدة في مسار السلام.
من جانبه، ثمّن الرئيس بزشكيان جهود إسلام آباد، مؤكداً على تعزيز العلاقات بين إيران وباكستان، داعياً إلى تحقيق مزيد من الوحدة بين الدول الإسلامية في مواجهة التحديات الإقليمية.
استمرار التعاون بين طهران وبكين
هذا والتقى الرئيس بزشكيان، على هامش القمة، بالرئيس الصيني شي جين بينغ وأجرى معه مباحثات ثنائية. وجرى هذا اللقاء في وقت تُعدّ فيه الصين واحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران ومن أبرز اللاعبين الرئيسيين في معادلات الطاقة والتجارة في المنطقة، بالتزامن مع تأكيد بكين على تعزيز دور منظمة شنغهاي للتعاون وتكريس التعددية في النظام الدولي.
ثلاثة مقترحات اقتصادية لمنظمة شنغهاي
طرح الرئيس الإيراني، خلال قمة القادة، ثلاثة مقترحات اقتصادية محددة لتعزيز التعاون بين الأعضاء:
- أولاً: توسيع التعاون المصرفي والمالي، والتوسع في استخدام العملات الوطنية، وتأسيس آليات دفع مشتركة من شأنها المساعدة في نهاية المطاف في إنشاء بنك منظمة شنغهاي للتعاون.
- ثانياً: تأسيس اتحاد للتأمين على الصادرات والاستثمار بهدف حماية ودعم التجارة والاستثمارات البينية بين الدول الأعضاء.
- ثالثاً: تشكيل «كونسورتيوم الطاقة لمنظمة شنغهاي للتعاون» بغية تعزيز وتطوير التعاون في مجالات إنتاج ونقل واستهلاك الطاقة.
كما شدد الرئيس بزشكيان على تطوير التجارة البينية داخل المنظمة، وتيسير الإجراءات الجمركية، وتطوير ممرات النقل والترانزيت، وربط الموانئ والمراكز اللوجستية، ورفع طاقات الترانزيت؛ وهو الملف الذي يمكنه، بالنظر إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لإيران، أن يعزز مكانة البلاد ضمن شبكة الربط والاتصال الأوراسية.
مقترح إيراني لتأسيس جمعية برلمانية لمنظمة شنغهاي
طرح الرئيس الإيراني كذلك مقترحاً لتأسيس «الجمعية البرلمانية لمنظمة شنغهاي للتعاون»؛ وجاء الهدف من هذا المقترح لتعزيز الحوار البرلماني بين الدول الأعضاء، وتبادل الخبرات التشريعية، ودعم مسارات التعاون المشترك.
تأكيد شنغهاي على التعددية وإصلاح الحوكمة العالمية
وقّع قادة الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، في ختام القمة، «إعلان بيشكيك» بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتأسيس المنظمة. وأكدت الوثيقة على مواصلة الجهود لترسيخ مكانة المنظمة وتحقيق أهداف استراتيجية تطويرها حتى عام 2035م، بالإضافة إلى إصلاح وتحسين منظومة الحوكمة العالمية.
وفي المجمل، وطبقاً للقائمة الصادرة بوثائق القمة، جرى التوقيع على 28 وثيقة، شملت إلى جانب إعلان بيشكيك: تعديل ميثاق المنظمة، وآليات مواجهة التهديدات الأمنية، والتعاون في مكافحة المخدرات، وأمن المعلومات، والتغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، وتطوير الموانئ والمراكز اللوجستية، وممر التكنولوجيا الخضراء، والتعاون في مجال الطاقة.
المحاور الرئيسية لمخرجات القمة
تضمّنت أبرز الوثائق والقرارات الصادرة عن القمة: برنامج التعاون لمكافحة الإدمان حتى عام 2030م، وبرنامج التصدي للمخدرات الصناعية، وبرنامج أمن المعلومات للأعوام من 2026 – 2028م، وخارطة طريق تطوير الموانئ والمراكز اللوجستية للأعوام من 2026 – 2030م، وتأسيس طاقات إقليمية لمعالجة البيانات وتطوير الذكاء الاصطناعي، وبرنامج إنشاء «ممر التكنولوجيا الخضراء». كما حظي التعاون في مجالات الطاقة، وكفاءة وترشيد الطاقة، والتنوع الحيوي، ومكافحة الجريمة المنظمة باهتمام واسع في وثائق القمة.
«شنغهاي بلس»؛ فرصة إيران لطرح رؤيتها حول النظام العالمي المستقبلي
انعقد اجتماع «شنغهاي بلس» بحضور الدول الأعضاء، والمراقبين، وشركاء الحوار في المنظمة. وأكد الرئيس بزشكيان، خلال هذا الاجتماع، على الطاقات الواسعة التي يتيحها هذا الإطار للمساهمة في تشكيل النظام المتعدد الأقطاب، وفتح آفاق ومسارات جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي.
من منظور طهران، لا تقتصر أهمية «شنغهاي بلس» على التعاون البيني للأعضاء الرسميين في المنظمة فحسب، بل يمكن لهذا الإطار أن يمهد الأرضية لتقارب الدول المستقلة والنامية وتعزيز دورها الفاعل في مسارات صنع القرار الدولي.
انتقال رئاسة المنظمة إلى باكستان؛ بداية مرحلة جديدة
في ختام أعمال القمة، انتقلت الرئاسة الدورية لمنظمة شنغهاي للتعاون إلى باكستان؛ لتتولى إسلام آباد مسؤولية قيادة المنظمة للأعوام 2026 – 2027م، كما ستستضيف باكستان مؤتمر القمة لقادة المنظمة في العام المقبل.
بيشكيك؛ والدبلوماسية الإيرانية المتعددة الأوجه
تجاوزت قمة بيشكيك بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية حدود كونها مجرد اجتماع سنوي لمنظمة شنغهاي للتعاون؛ إذ تابعت طهران خلال هذه القمة ثلاثة مسارات متوازية ومتزامنة: تثبيت الدبلوماسية السياسية مع القوى الكبرى غير الغربية، وتفعيل الطاقات الاقتصادية والترانزيتية للمنظمة، وطرح مواقف إيران الثابتة بشأن الأزمة الراهنة وضرورة العودة إلى الدبلوماسية.
إن حضور الرئيس بزشكيان إلى جانب قادة الصين وروسيا والهند وعقد اللقاءات الثنائية معهم، وطرح مبادرات لاستخدام العملات الوطنية، وإنشاء آليات مالية وكونسورتيوم للطاقة، والتأكيد على تطوير ممرات النقل والترانزيت، وتقديم مقترح تأسيس الجمعية البرلمانية؛ كلها مؤشرات تثبت سعي طهران الحثيث لنقل العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون من مجرد إطار سياسي وأمني بحت إلى بيئة عمل واقعية وميدانية للتجارة، والترانزيت، والطاقة، والتعاون المالي، والحد من آثار وتداعيات الضغوط الاقتصادية الخارجية.
ومن جانب آخر، أظهرت مواقف الرئيس بزشكيان في القمة واجتماع «شنغهاي بلس» أن إيران -إلى جانب تشديدها على مواجهة النزعة الأحادية والمضي نحو تبلور نظام عالمي متعدد الأقطاب- لا تزال تتمسك بالدبلوماسية والتفاوض كمسار وحيد لحل النزاعات والخلافات.
بناءً على ذلك، يمكن قراءة الرسالة الجوهرية لحضور إيران في بيشكيك بوصفها مزيجاً متكاملاً من «تعزيز الروابط والجسور الأوراسية، وتطوير مجالات التعاون الاقتصادي، والحفاظ على مسار الدبلوماسية».