نحو نظام مالي ينازع هيمنة الغرب

قمة شنغهاي .. هل تفتح طريقاً للخروج من هيمنة الدولار؟

تسعى بكين وموسكو وشركاؤهما إلى توسيع استخدام العملات المحلية وأنظمة الدفع البديلة والممرات التجارية، لكن تباين المصالح واستمرار قوة الدولار يعرقلان المسار

لم تعد المواجهة الدولية تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل أصبحت العقوبات والدولار والمصارف والممرات التجارية أدوات رئيسية للصراع. وفي مواجهة الضغوط الأميركية، تسعى الصين وروسيا وقوى آسيوية أخرى إلى بناء بدائل تقلّل الاعتماد على المنظومة الغربية، عبر توسيع التعامل بالعملات المحلية وتطوير أنظمة دفع بديلة وتعزيز الممرات التجارية. وفي هذا السياق، يكتسب اجتماع مجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون، المنعقد اليوم الثلاثاء 1 سبتمبر/أيلول 2026 في العاصمة القرغيزية بشكيك، أهميةً تتجاوز بعدها السياسي، باعتبارها اختباراً لقدرة القوى الصاعدة على تحويل الدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب من شعار سياسي إلى أدوات اقتصادية ومالية عملية. فهل تنجح هذه الدول في بناء منظومة متماسكة  تسعى إلى الحد من أثر  العقوبات وتقليص الاعتماد على  الدولار، أم يبقى مشروع «العالم المتعدد الأقطاب» في إطار الطموح السياسي؟

 

شنغهاي.. من منصة إقليمية إلى عنوان للصراع الدولي

 

منذ تأسيسها عام 2001، لم تتوقف منظمة شنغهاي للتعاون عن توسيع نطاق حضورها. بدأت كإطار يركز على الأمن والتنسيق الإقليمي، قبل أن تتحول تدريجياً إلى تجمع يضم قوى اقتصادية وسياسية ذات ثقل عالمي. ومع اتساع عضويتها، أصبحت المنظمة تضم كتلة واسعة من السكان والمساحة والموارد، ما عزز وزنها السياسي والاقتصادي.

 

لكن أهمية القمة الحالية تنبع من توقيتها تحديداً. فهي تنعقد في ظل حروب مفتوحة، وتوترات تجارية، وعقوبات اقتصادية متصاعدة، ومحاولات أميركية لاستخدام النفوذ المالي والتجاري للضغط على خصومها وشركائها في آنٍ واحد. وبالتالي، فإن ما سيجري خلف أبواب القمة قد يكون أكثر أهميةً من البيانات التي ستصدر عنها.

 

 

العقوبات.. السلاح الذي يدفع الخصوم إلى بناء البديل

 

تحولت العقوبات خلال السنوات الماضية إلى أداة مركزية في إدارة الصراعات الدولية، إلا أن توسيع استخدامها بدأ يدفع بعض القوى الكبرى إلى البحث عن بدائل تقلّل اعتمادها على النظام المالي الغربي، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة مقاومة العقوبات، وذلك عبر تقليص ارتباطها بالمنظومة التي تمنح العقوبات فاعليتها.

 

وهنا تظهر أهمية مشاريع التعامل بالعملات المحلية، وتطوير أنظمة دفع مستقلة، وإنشاء قنوات مصرفية لا تعتمد بصورة كاملة على المؤسسات الغربية، فضلاً عن تطوير ممرات نقل برية وبحرية تربط الأسواق الآسيوية مباشرةز

 

لكن الطريق ليس سهلاً. فالاقتصاد العالمي شديد التشابك، والدولار لا يزال يحتل موقعاً مركزياً في التجارة والتمويل العالميين، كما أن شركات كثيرة في آسيا لا تستطيع تحمل خسارة الأسواق الغربية. لذلك، فإن بناء البديل لن يكون قراراً سياسياً سريعاً، بل عملية طويلة تتطلب استثمارات ضخمة وتنسيقاً مستمراً.

 

 

بكين وموسكو.. تقارب في مواجهة الضغوط الغربية

 

تبدو الصين وروسيا الأكثر استعداداً لدفع مشروع تقليص الهيمنة الغربية، وإن اختلفت حساباتهما. موسكو تنظر إلى المسألة من زاوية الصراع الاستراتيجي مع الغرب، بينما تضع بكين الاقتصاد والتجارة وسلاسل الإمداد في صلب مقاربتها.

 

ومع ذلك، فقد فرضت الضغوط الغربية تقارباً متزايداً بين الطرفين. فالتوسع في التجارة الثنائية، واستخدام العملات الوطنية، وتطوير شبكات الطاقة والنقل، كلها خطوات تصب في اتجاه بناء فضاء اقتصادي أقل اعتماداً على المؤسسات الغربية.

 

لكن هذه الشراكة لا تعني أن مصالح الطرفين متطابقة. فآسيا الوسطى، والأسواق، والطاقة، والممرات التجارية تبقى ساحات تنافس بقدر ما هي ساحات تعاون. ولذلك، فإن الرهان على «محور شرقي» متماسك تماماً قد يكون مبالغاً فيه.

 

 

الهند وباكستان.. التناقض الذي يكشف قوة المنظمة وضعفها

 

وجود الهند وباكستان إلى منظمة شنغهاي يضيف ثقلاً كبيراً إليها، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم التناقضات داخلها. فالهند تحافظ على علاقات استراتيجية متنامية مع واشنطن، بينما توسع تعاونها مع موسكو وتشارك في أطر آسيوية مختلفة. أما باكستان، فتولي أهمية خاصة لعلاقاتها مع الصين، مع إبقاء قنواتها مفتوحة مع الغرب.

 

وهذا يعني أن المنظمة ليست تحالفاً مغلقاً، بل مساحة تتقاطع فيها المصالح. وقد يكون ذلك نقطة ضعف عندما يتعلق الأمر باتخاذ مواقف اقتصادية موحدة، لكنه قد يتحول إلى مصدر قوة إذا نجحت المنظمة في إدارة التناقضات بدلاً من تحويلها إلى صراعات داخلية.

 

 

المعركة الحقيقية ليست في القاعة.. بل في الأسواق

 

قد تنتهي القمة ببيان قوي يدين العقوبات ويدعو إلى عالم متعدد الأقطاب، لكن قيمة هذا البيان ستقاس بما سيأتي بعده. فالمعركة الحقيقية ستدور في المصارف والموانئ وشبكات الطاقة والأسواق.

 

هل تستطيع الدول الأعضاء زيادة اعتمادها على العملات المحلية؟ هل يمكن إنشاء آليات تمويل مشتركة؟ وهل تستطيع تطوير طرق نقل وتأمين تجاري تقلل من تأثير العقوبات؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كانت شنغهاي قادرة على التحول من منصة سياسية إلى قوة اقتصادية مؤثرة.

 

فالعالم المتعدد الأقطاب لا يُبنى بالشعارات، بل بالبنية التحتية: بنوك، عملات، ممرات تجارية، شبكات طاقة، أسواق، وتكنولوجيا. ومن شأن نجاح هذه الخطوات أن يقلل تدريجياً من قدرة أي مركز مالي واحد على التحكم في حركة الاقتصاد العالمي.

 

«شنغهاي» لا تسقط النظام..لكنها تختبر قواعده

 

ختاماً ، لا تبدو قمة منظمة شنغهاي للتعاون أمام مهمة إسقاط النظام الدولي الذي تقوده واشنطن، فهذا هدف يفوق قدرة المنظمة في وضعها الحالي. لكنها تمثل، في المقابل، مؤشراً واضحاً إلى أن مرحلة القبول المطلق بقواعد النظام القديم بدأت تتراجع.

 

القوى الصاعدة لا تملك حتى الآن منظومة بديلة مكتملة، لكنها بدأت ببناء قطعها الأولى: تجارة بالعملات المحلية، شبكات دفع جديدة، ممرات آسيوية، تعاون في الطاقة، وتنسيق سياسي متزايد. وقد لا تؤدي هذه الخطوات إلى ولادة نظام عالمي جديد غداً، لكنها تضع أساساً لمسار طويل يمكن أن يعيد توزيع القوة الاقتصادية والسياسية.

 

لهذا، فإن أهمية قمة «بيشكك» لا تكمن في ما إذا كانت ستخرج بإعلان تاريخي، بل في ما إذا كانت ستنجح في تحويل الغضب من الهيمنة الاقتصادية إلى مشاريع عملية لكسرها. وتظل الولايات المتحدة تمتلك أدوات مالية وتجارية واسعة للتأثير في الاقتصاد العالمي، لكن خصومها بدأوا يفكرون في اليوم الذي تصبح فيه هذه الأدوات أقل فعالية. وعندما يبدأ العالم ببناء طرق لا تمر من بوابة واحدة، تكون قواعد اللعبة قد بدأت فعلاً في التغيّر.

 

المصدر: الوفاق/ خاص