أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن كلفة الحرب مع إيران بالنسبة إلى واشنطن لا تقتصر على الإنفاق المالي والخسائر الميدانية، بل تمتد إلى استنزاف جزء مهم من قدراتها الدفاعية ومخزونها من الصواريخ الاعتراضية. ووفق تقرير لصحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، استهلكت الولايات المتحدة خلال الأشهر الخمسة الأولى من الحرب نحو 60 بالمئة من مخزونها من الصواريخ الدفاعية المتقدمة.
وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تراجع المخزون العالمي للولايات المتحدة من صواريخ «باتريوت» و«ثاد» من نحو 2800 صاروخ في بداية الحرب إلى قرابة 1100 صاروخ بحلول نهاية يوليو/تموز.
وتزداد أهمية هذه الأرقام في ظل محدودية القدرة الإنتاجية للصناعات الدفاعية الأمريكية مقارنة بسرعة استهلاك الصواريخ خلال حرب واسعة النطاق. وكانت المصانع الأمريكية تنتج قبل الحرب نحو 620 صاروخ «باتريوت» و96 صاروخ «ثاد» سنوياً، وهي أرقام لا تكفي لتعويض الاستهلاك الكبير خلال فترة قصيرة. كما وتشير التقديرات إلى أن إعادة مخزون «باتريوت» إلى مستوياته السابقة للحرب ستحتاج إلى عدة سنوات، بينما قد تستغرق عملية إعادة بناء مخزون «ثاد» فترة أطول.
ولا تمثل هذه المشكلة تحدياً لوجستياً فحسب، بل ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الولايات المتحدة على الردع والاستعداد لمواجهة أزمات محتملة في مناطق أخرى من العالم. وتضع واشنطن الصين في مقدمة منافسيها على المدى الطويل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فيما يبقى احتمال اندلاع مواجهة واسعة مع روسيا في أوروبا أحد السيناريوهات الأساسية في التخطيط العسكري الأمريكي. وبالتالي، فإن كل صاروخ يتم استخدامه في الحرب يمثل جزءاً من المخزون الذي لن يكون متاحاً لاحقاً في حال اندلاع أزمة كبيرة في شرق آسيا أو أوروبا.
وتظهر الحرب مع إيران أن قدرة الصناعات الدفاعية الأمريكية على تعويض الأسلحة المستهلكة خلال حرب عالية الكثافة وطويلة الأمد ليست بالمرونة التي كان يُعتقد. كما تبرز معادلة اقتصادية صعبة بالنسبة إلى واشنطن، إذ إن استخدام صاروخ اعتراضي باهظ التكلفة للتصدي لتهديدات منخفضة التكلفة نسبياً يمكن أن يؤدي إلى استنزاف سريع لمخزونات الدفاع الجوي.
ومن هذا المنظور، لم تقتصر كلفة الحرب على الصواريخ التي أُطلقت، بل شملت أيضاً استنزاف جزء من القدرات العسكرية التي كانت الولايات المتحدة تحتفظ بها لمواجهة منافسات وأزمات استراتيجية أكبر.
وعليه، فأن واشنطن تواجه، بالتوازي مع ذلك، تكاليف مالية متزايدة، وضغوطاً على سلاسل إمداد الصناعات الدفاعية، وحاجة إلى رفع معدلات إنتاج الأسلحة، فضلاً عن ضرورة الحفاظ على جاهزية قواتها في مناطق مختلفة من العالم.
وبعبارة أخرى، فإن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء تكاليفها؛ إذ قد تستمر عملية إعادة بناء المخزونات وصيانة المعدات واستبدال الأسلحة واستعادة القدرة العملياتية للجيش لسنوات. وفي حال لم تحقق الولايات المتحدة الأهداف التي كانت تتوقعها من الحرب، فإن استنزاف مخزونها العسكري والحاجة إلى سنوات لإعادة بنائه قد يتحولان من مجرد عبء مالي ولوجستي إلى عامل يحد من هامش المناورة الاستراتيجية لواشنطن.
وبذلك، فإن فاتورة الحرب بالنسبة إلى أمريكا لا تُقاس فقط بالأموال التي أُنفقت أو الصواريخ التي أُطلقت، وإنما أيضاً بتراجع المخزونات الدفاعية والضغط على الصناعات العسكرية وانخفاض القدرة على خوض أزمة كبرى أخرى في الوقت نفسه. ويبقى السؤال الأبرز أمام واشنطن: إذا اندلعت أزمة استراتيجية جديدة في شرق آسيا أو أوروبا، فبأي سرعة تستطيع الولايات المتحدة إعادة بناء القدرات التي استُهلكت خلال الحرب العدوانية على إيران؟