مرة جديدة، تثبت الولايات المتحدة أنها لا ترى في حلفائها شركاء متساوين، بل ساحات للمناورة متى اقتضت مصالحها ذلك. وما فعله دونالد ترامب في أيرلندا لا يبدو مجرد تصريح عابر أو تعبيراً عن إعجابه بفكرة الوحدة الأيرلندية، بل يعكس عقلية سياسية تتعامل مع قضايا الشعوب وحدود الدول كأوراق قابلة للاستخدام في لعبة النفوذ. فإعلان ترامب، من دبلن، تأييده لتوحيد أيرلندا، يوحي بأن واشنطن قررت الاقتراب من واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل المملكة المتحدة، من دون أن تكون معنية مباشرة بكلفة هذا التدخل أو بتداعياته على المجتمع الأيرلندي.
والأكثر دلالة أن الولايات المتحدة، التي لطالما نصّبت نفسها حكماً في قضايا الديمقراطية وحقوق الشعوب، تتصرف اليوم كما لو أن إرادة الشعوب لا قيمة لها إلا عندما تخدم الحسابات الأميركية. فمصير أيرلندا الشمالية لا يحتاج إلى مباركة من ترامب، كما أن مستقبلها ليس شأناً أميركياً.
ترامب يفتح جبهة في قلب بريطانيا
لم يكن اختيار دبلن لإطلاق هذه الرسالة بريئاً. ترامب يعرف تماماً حساسية القضية، ويعرف أن مجرد إعلانه تأييد الوحدة كفيل بإثارة غضب لندن واستنفار القوى الوحدوية في أيرلندا الشمالية. لذلك يصعب التعامل مع تصريحاته باعتبارها مجرد مجاملة سياسية لرئيس الوزراء الأيرلندي. فالرجل الذي جعل من الضغط على الحلفاء جزءاً ثابتاً من سياسته يعرف قيمة الكلمات عندما تصدر عن رئيس الولايات المتحدة.
لقد تحولت واشنطن، في عهد ترامب، من حليف تقليدي إلى طرف يمارس الضغط السياسي على أصدقائه قبل خصومه. وبريطانيا نفسها، التي طالما اعتبرت «العلاقة الخاصة» مع الولايات المتحدة إحدى ركائز سياستها الخارجية، تجد الآن أن هذه العلاقة لا تمنحها حصانة من التدخل الأميركي في أكثر ملفاتها حساسية. فالحليف الأميركي يريد من لندن أن تصطف معه في ملفات الحرب والسياسة الخارجية والاقتصاد، لكنه في المقابل لا يتردد في استخدام القضايا الداخلية البريطانية متى أراد توجيه رسالة أو فتح جبهة ضغط جديدة.
هل تدفع بريطانيا ثمن موقفها من كيان الاحتلال؟
يثير توقيت تصريحات ترامب بشأن أيرلندا الشمالية شبهة استخدام واشنطن الجزيرة ورقة ضغط على بريطانيا، خصوصاً بعد خطوات لندن الأكثر تشدداً تجاه المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية، وفي ظل الانحياز الأميركي المتزايد لكيان الاحتلال. فترامب لا يكتفي بتوفير الغطاء السياسي لكيان الاحتلال، بل يحوّل الدعم الأميركي له إلى معيار للعلاقات مع الحلفاء: كلما ابتعدت دولة عن الخط الصهيوني الذي تتبناه واشنطن، ارتفعت احتمالات استخدام ملفاتها الحساسة للضغط عليها. وبريطانيا، التي بدأت في بعض الملفات اتخاذ مواقف أكثر استقلالية تجاه الاستيطان والسياسات الصهيونية، قد تجد نفسها أمام رسالة أميركية واضحة: لا خروج عن الخط الذي ترسمه واشنطن لحماية كيان الاحتلال.
ورغم غياب دليل مباشر على أن موقف ترامب من أيرلندا جاء عقاباً لبريطانيا على سياستها تجاه كيان الاحتلال، ويفتح هذا التزامن باب التساؤل حول ما إذا كانت واشنطن توظف واشنطن لقضايا الشعوب في خدمة حليفها الصهيوني. فالإدارة الأميركية تتحدث عن الديمقراطية وحق تقرير المصير، لكنها تستخدم هذه المبادئ بصورة انتقائية عندما يتعلق الأمر بكيان الاحتلال. وهكذا تتحول أيرلندا الشمالية إلى ورقة ضغط، فيما يبقى الانحياز الأميركي لكيان الاحتلال هو البوصلة التي تحدد حدود استقلال الحلفاء ومواقفهم.
«اتفاق الجمعة العظيمة» ليس لعبة في يد البيت الأبيض
أخطر ما في السلوك الأميركي أنه يأتي في قضية دفعت أيرلندا وبريطانيا ثمناً باهظاً للوصول فيها إلى تسوية سياسية. «اتفاق الجمعة العظيمة» لم يكن منحة أميركية للشعب الأيرلندي، بل ثمرة سنوات طويلة من الصراع والتفاوض والتضحيات. صحيح أن واشنطن لعبت دوراً مهماً في رعاية العملية السياسية، لكن ذلك لا يمنحها حق امتلاك مستقبل أيرلندا الشمالية أو إعادة رسم توازناتها وفقاً لأهواء رئيسها. وأرسى الاتفاق إطاراً واضحاً: مستقبل الإقليم يُحسم ديمقراطياً، وعندما تتوافر الظروف السياسية والشعبية اللازمة، يتيح إجراء استفتاء على الوحدة وفق الشروط المنصوص عليها في الاتفاق. هذه الآلية هي التي تمنح أي تغيير شرعيته. أما أن يأتي رئيس أميركي ليعلن أن الوحدة «فكرة رائعة» ويشجعها من الأراضي الأيرلندية، فهو تجاوز للحد الفاصل بين دعم العملية الديمقراطية والتدخل في اتجاهاتها.
والأخطر أن واشنطن قدّمت طوال عقود نموذجاً صارخاً في استخدام مبدأ تقرير المصير بصورة انتقائية. فعندما يتوافق هذا المبدأ مع مصالحها يصبح حقاً مقدساً، وحين يتعارض معها يصبح ملفاً قابلاً للتأجيل أو التجاهل. هذه الازدواجية ليست جديدة في السياسة الأميركية، لكنها تبدو أكثر فجاجة في عهد ترامب.
واشنطن تستثمر الانقسامات بدلاً من معالجتها
لا تحتاج أيرلندا الشمالية إلى رئيس أميركي يزيد استقطابها. فالمجتمع هناك لا يزال يحمل إرث عقود من الصراع، والانقسام بين الوحدويين والقوميين ليس مجرد خلاف انتخابي، بل يرتبط بالهوية والتاريخ والدين والانتماء السياسي. وأي انتقال نحو الوحدة يحتاج إلى ترتيبات دقيقة تتعلق بالاقتصاد والضرائب والصحة والتعليم والأمن والحقوق الثقافية ومكانة المجتمع الوحدوي.
لكن واشنطن، بدلاً من التعامل مع هذه التعقيدات، تبدو مستعدة لتبسيط القضية إلى شعار سياسي: وحدة أيرلندا. فالولايات المتحدة لا تعيش تبعات القرار، ولن تدفع ثمن أي اضطراب اجتماعي أو سياسي في بلفاست، ولن تتحمل مسؤولية إعادة بناء التوافق بين مكونات المجتمع الأيرلندي إذا تصاعد الاستقطاب.إنها الطريقة الأميركية المعتادة: تدخل سياسي واسع، ثم ترك الآخرين للتعامل مع النتائج.
أميركا لا تصنع السلام… بل تدير الفوضى
تكشف مواقف ترامب من أيرلندا الشمالية كيف تتعامل واشنطن مع الجزيرة بوصفها ورقة ضغط، لا قضية شعب وحقوق تاريخية. فبدلاً من حماية التسوية التي ساهمت في رعايتها، تعيد الولايات المتحدة توظيف ملف أيرلندا الشمالية في صراعاتها وخلافاتها مع لندن، متجاهلةً حساسية التوازنات التي أرساها «اتفاق الجمعة العظيمة».
أيرلندا الشمالية ليست ورقة في يد البيت الأبيض، ولا ساحة لتصفية الحسابات الأميركية مع بريطانيا. ومستقبل الجزيرة يجب أن يقرره أهلها، لا أن يُستخدم رهينة في لعبة النفوذ الأميركي.